وكنيتُه أبو العباس، وأمُّه وأمُّ إخوته يحيى وعاتكةَ: أمُّ الحجَّاج بنت محمَّد بن يوسف الثَّقَفيّ أخي الحجَّاج. [قال الواقديّ:] ويُدْعَى خليع بني مروان (^٣).
واختلفوا في مولده على أقوال:
أحدها: وُلد بدمشق سنة تسعين.
والثاني: بطبريَّة؛ سنة اثنتين وتسعين.
والثالث: سنة سبع وثمانين، وأربع وثمانين، وخمس وثمانين.
[ذكر بيعته]
واختلفوا فيها، فقال هشام بن محمَّد الكلبيّ: بُويع يومَ السبت في شهر ربيع الآخِر سنة خمس وعشرين ومئة.
وقال الواقديّ: بُويع يوم الأربعاء لستٍّ خلون من شهر ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومئة.
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ١٩٨ - ١٩٩، وتاريخ دمشق ٤٧/ ٤١٢ - ٤١٣ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة عطاء)، والمنتظم ٧/ ٢١. قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٨٥: الحكاية منكرة، ولعلها تمَّت للزهري مع أحد أولاد عبد الملك … فيزيد (يعني ابنَ أبي حبيب) كان في ذلك الوقت شابًّا لا يُعرف بعدُ. والضَّحَّاك لا يدري الزُّهري من هو في العالم، وكذا مكحول يصغر عن ذاك. اهـ. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٢) لم يرد هذا العنوان في (ص).
(٣) ينظر "مروج الذهب" ٦/ ١٠، والكلام بين حاصرتين من (ص). ولم أقف على من نسبَ القول للواقدي.
[ ١١ / ١٩٦ ]
وقال الواقدي والهيثم: وليَ الوليد الخلافة وقد جاوز الأربعين، ووخطَه الشّيب (^١).
ولم يَلِ الخلافة بعد عمِّه سوى اثنين: الوليد، والمعتضد [من بني العبَّاس بعد عمِّه المعتمد].
ولمَّا وليَ الوليد كتب إلى الآفاق بالبيعة له، وجاءته الوفود.
وكتب إليه مروان بن محمَّد -وكان واليًا على أرمينية وأذربيجان - كتابًا منه: بارك الله لأمير المُؤْمنين فيما صار إليه من ولاية عباده، ووراثةِ بلادِه، إنَّ سكرةَ الولاية حملَتْ هشامًا على ما حاول من تصغيرِ حقِّ أميرِ المُؤْمنين، ورامَ من الأمر المستصعب [عليه] الذي أجابه المدخُولُون في آرائهم وأديانهم، فوجد (^٢) ما طمع فيه مستصعبًا، وزاحَتْه (^٣) الأقدار بأشدِّ مناكبِها، وكان أميرُ المُؤْمنين بمكان حاطه الله فيه حتَّى آزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه (^٤) الله له أهلًا، ونهض مستقلًّا بما حُمِّل منها، مثبتة ولايتُه في سابق القدر إلى الأجل المسمَّى.
فالحمد لله الذي اختاره لخلافته ووثائق (^٥) عُرى دينه، وساق إليه ما كرهه الظالمون، فرفعه الله ووضعَهم، فمن أقامَ على تلك الخسيسة من الأمور أوبق نفسَه، وأسخط ربَّه، ومن عدلت به التوبة نازعًا عن الباطل إلى الحقّ وجد الله توَّابًا رحيمًا.
وإني نهضتُ إلى منبري لمَّا انتهى إليَّ ما خصَّ اللهُ به أميرَ المُؤْمنين، وأعلمتُ مَنْ قِبَلي، فاستبشَروا وبايعوني، فأكَّدْتُ عليهم العهودَ والمواثيق، فكلُّهم حَسُنَتْ إجابتُه، وحصلَتْ طاعتُه ومودَّتُه، فآتِهِمْ يَا أمير المُؤْمنين من مال الله الذي آتاك، فإنك أجودُ الخلائف جودًا، وأبسطُهم يدًا.
_________________
(١) ينظر "تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٢١ - ٩٢٢ و٩٣٦ - ٩٣٧ (مصورة دار البشير).
(٢) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): فوجدوا. والمثبت من"تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٦.
(٣) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٩٥: فزحمتْه.
(٤) في النسخ المذكورة و"التذكرة الحمدونية" ٤/ ١٦٢: رآه. والمثبت من"تاريح" الطبري ٧/ ٢١٦.
(٥) الكلمة غير مجوَّدة في النسخ المذكورة. والمثبت من المصدر السابق. وفي "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٩٥: واختصه بوثائق، وفي "التذكرة الحمدونية" ٤/ ١٦٢: وقلَّده وثائق …
[ ١١ / ١٩٧ ]
ولولا ما أُحاولُ من سدِّ الثَّغْر الذي أنا به لخفتُ أن يحملَني الشوقُ إلى أمير المُؤْمنين أن أستخلفَ رجلًا عن غير أمره، وأَقدَمَ لمعاينته، فإنَّها لا تَعْدِلُها عندي نعمة، فإنْ رأى أميرُ المُؤْمنين أن يأذنَ لي في المسير إليه لأُشافِهَه بأمور كرهتُ ذكرها في كتاب فعل (^١).
[وقال الهيثم:] ولما بُويع الوليد جلس مجلسًا عامًّا، فأجرى النَّاسَ على ما كان لهم، ولم يُسأل عن شيء فقال لا. وأحسنَ إلى الخاصَّة والعامَّة، وأجرى الجِرايات على زَمْنَى أهل الشَّام وعُميانهم، وكساهم، وأمرَ لكلِّ إنسان منهم بخادم كما فعل الوليد بن عبد الملك، وزاد النَّاسَ في العطاء، وزاد مَنْ وفد إليه أَيضًا، وأقامَ دُور الضِّيافة للقادمين عليه، وأقام في المنازل للحجاج الضِّيافاتِ لهم ولدوابِّهم، فقيل له: [إنك تُبادر إلى نعم كثيرًا] لو تأنَّيتَ في المواعيد، فإنَّ للعِدَة عند الطالب حلاوةً. فقال: لا أُعوِّدُ لساني ما لم يَعْتَدْهُ. يعني ما قلتُ: لا، قطٌّ (^٢).
وفيها عقدَ الوليدُ البيعةَ لابنَيه الحَكَم وعثمان، وذلك في رجب لمَّا مضى من خلافته شهران، وكتبَ بذلك إلى الآفاق [وإلى يوسف بن عمر].
فكتب يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيَّار نسخةَ الكتاب، وكان فيه أن يبايعَ مَنْ قِبَلَه من الأمراء والأشراف، ويؤكِّد عليهم العهودَ والمواثيق، فيُبايع أولًا للحَكَم، ثم من بعده لعثمان، فإن حَدَث بواحد منهما حادث (^٣)، فأمير المُؤْمنين [أملكُ] في ولده ورعيَّته، يقدِّمُ من شاء، ويؤخِّر من شاء. وكتب في يوم الخميس النصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة، وبعث يوسف بالكتاب إلى نَصْر مع عقَّال بن شَبَّة التَّمِيمِيّ، وعبد الملك بن نعيم القيني، فقرأ نَصْر كتابَه على أهل خُراسان، فأجابوا بالسمع والطاعة.
_________________
(١) تنظر المصادر السابقة. ولم يرد هذا الخبر في (ص). وذكر ابن حمدون في "التذكرة" أن هذا الكتاب من كلام عبد الحميد (بن يحيى الأنباري، المعروف بالكاتب).
(٢) تاريخ الطبري ٧/ ٢١٧ - ٢١٨. وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٩٣ - ٤٩٤، و"المنتظم" ٧/ ٢٤٢. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٣) في (ص): حَدَث.
[ ١١ / ١٩٨ ]
وفيها وفدَ يوسفُ بنُ عمر على الوليد [بن يزيد] فاشترى نَصْرَ بنَ سيَّار وعماله، فأجابَه إلى ذلك، وعاد يوسفُ إلى العراق، ولم يُظهرْ شيئًا من ذلك، وكتب إلى نَصْر بن سيَّار بأن يَقْدَمَ عليه، ويحملَ معه ما قَدَرَ من الهدايا والأموال، ويقدم بأهله.
فلما ورد كتابُه على نصر قسَّم الهدايا على أهل خُراسان والعمال، فلم يدع بخُراسان جاريةً ولا عبدًا ولا بِرْذَوْنًا فارهًا إلَّا أَعدَّه، واشترى أَلْف مملوك، وكساهم، وأعطاهم السلاح، وحملَهم على الخيول، وكان قد أعدَّ خمس مئة وصيفة، وأباريقَ الذهب والفضة والتماثيل.
فبينا هو (^١) كذلك جاءه كتابُ الوليد [بن يزيد] يستحثُّه ويقول: ابعثْ إلينا ببرابط وطنابير وكلِّ صَنَّاجة بخراسان، وكلِّ بازي وبِرْذَوْن، ويَقْدَم معه بوجوه خُراسان.
فأخبر قومٌ من المنجِّمين نصرًا أنَّه سيكونُ فتنة، وألحَّ عليه يوسفُ بنُ عمر بالكُتُب، وبعث رسولًا وقال له: إنْ قَدِم؛ وإلا فعرِّف الناسَ أنَّه قد خُلع.
فأكرمَ نصرٌ الرسولَ وأجازَه وأرضاه، وأقامَ يتربَّص حتَّى قُتل الوليد بنُ يزيد، وهربَ يوسفُ من العراق، فردَّ الهدايا إلى قصره (^٢).
وفيها بعثَ الوليدُ [بن يزيد] خاله يوسفَ بنَ محمَّد بن يوسف الثَّقَفيّ واليًا على المدينة ومكة والطائف، وعزل محمدًا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزومي، وأمرَه بتعذيبهما وإقامتهما للنَّاس، ويبعثَ بهما في عباءتين مقيَّدَينِ إلى يوسف بن عمر بالعراق، فيعذبهما ويقتلهما -وكان الوليد قد رُفعَ إليه أنهما اختانا أموالًا عظيمة- ففعل (^٣).
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وكان الوليد مُضْطَغِنًا على هشام بن عبد الملك (^٤)، فلما وليَ الخلافةَ أظهرَ ما كان في قلبه من هشام بن عبد الملك، وقصدَ
_________________
(١) في (د): هم.
(٢) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥ بأطول منه، وينظر "المنتظم" ٧/ ٢٤٢.
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧، والمنتظم ٧/ ٢٤٣.
(٤) في "الأغاني" ١/ ٤١٥: مضطغنًا على محمَّد بن هشام (يعني ابنَ إسماعيل المخزومي).
[ ١١ / ١٩٩ ]
أقاربَه، فاستدعى محمدًا وإبراهيمَ (^١) من الحجاز، فقدما عليه في شعبان هذه السنة، فدعا الوليد بالسِّياط، فقال له محمَّد: أنشدُك اللهَ والرَّحِم! فقال الوليد: وأيُّ رحم بيني وبينَك؟ وهل أنتَ إلَّا رجلٌ من أشجع؟ قال: فإنِّي أسألك بصهر عبد الملك. فقال: إنَّك لم تحفظه. قال: فإنَّ رسول الله ﷺ قد نهى أن يُضربَ قرَشِيٌّ إلَّا في حدٍّ. فقال: ففي حدٍّ أضربُك، أنتَ أوَّلُ من سنَّ ذلك على العَرْجيّ (^٢)، وهو ابنُ عمِّي وابنُ أمير المُؤْمنين عثمان، فما رَعَيتَ حقَّه ولا حقَّ جدِّه، ولا نسبتَه بهشام. قال: فإنَّه قد هجاني وفضحني وذكرَ أمِّي وزوجتي، وفعل بعرضي ما قد علمت. فقال: أنا وليُّ ثأرِه، فإنَّه ماتَ في حبسك. اضربْ يَا غلام. فضَرَبَهما، وأوثَقَهما في الحديد، وبعثَ بهما إلى يوسف بن عمر، فعذَّبَهما حتَّى قتلَهما (^٣).
ولمَّا وليَ يوسفُ بنُ محمَّد الثقفيّ المدينةَ عزلَ سَعْد (^٤) بنَ إبراهيم عن القضاء، وولَّى يحيى بنَ سعيد الأَنْصَارِيّ.
وفيها قدم جماعة من الشيعة مكةَ، فيهم سليمانُ بنُ كثير، وقحطبة بنُ شبيب، ومالك بن الهيثم (^٥)، واجتمعوا بمحمد بن عليّ، وأخبروه بقصة أبي مسلم، وما رأَوْا فيه من العلامات، فقال لهم: حُرٌّ هو أم عبد؟ فقالوا: أمَّا هو فيزعُمُ أنَّه حُرٌّ، وأما عيسى (^٦) فيزعُمُ أنَّه عبد. قال: فاشتَرَوْه وأعْتَقُوه، وأعطَوْا محمدًا مئتي أَلْف درهم وثيابًا، فقال: ما أظنُّكم تلقَوْني بعد عامي هذا، فإنْ حدثَ بي حَدَثٌ (^٧) فصاحبُكم إبراهيم بن محمَّد، فإنِّي أختارُه لكم، وأُوصيكم به خيرًا. فصَدَرُوا من عنده، وتوفّي عقب ذلك في هذه السنة (^٨).
_________________
(١) يعني محمدًا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزومي، وهما خالا هشام بن عبد الملك.
(٢) هو عبد الله بن عُمر بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان. وسلف ذكره أوائل سنة (١١٤)، وينظر "الأغاني" ١/ ٣٨٣.
(٣) الخبر بنحوه في "الأغاني" ١/ ٤١٥ - ٤١٦.
(٤) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): سعيد، والتصويب من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٢٧، و"الكامل"٥/ ٢٧٤.
(٥) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): أهتم. والتصويب من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٢٧، و"الكامل" ٥/ ٢٧٤.
(٦) يعني عيسى بن معقل، وسلف ذكره أوائل أحداث سنة (١٢٤).
(٧) في (ب): حادث.
(٨) يعني سنة (١٢٥). والكلام في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٢٧. ولم ترد هذه الفقرة في (ص).
[ ١١ / ٢٠٠ ]
وفيها قتل يحيى بن زيد بن عليّ، وسنذكرُه.
وحجَّ بالنَّاس يوسف بن محمَّد بن يوسف الثَّقَفيّ وهو على المدينة ومكة والطائف، والعمالُ بحالهم (^١).
وفيها توفّي