أبو يحيى، والي خُراسان، كان شجاعًا جَوادًا محترزًا هيوبًا صالحًا.
عبر النهر مرارًا، وفتح من بلاد السِّند والهند ما لم يفتحه غيره.
وسببُ عزله تزويجُه بنت المهلَّب، فحسده هشام، واستقلَّه لها.
والجُنيدُ صاحب غَزَاة الشِّعْب (^٥)، وكانت ولايته على خُراسان خمسَ سنين، وَلِيَها في سنة إحدى عشرة ومئة، ومات في المحرَّم سنة ستَّ عشرة ومئة [وقد ذكرنا وقائعه واجتهاده].
ولمَّا توفي بخراسان استخلفَ عُمارة بن حُريم، فلما قدم عاصم حبسَ عُمارة وعمَّال الجنيد وعذَّبهم على الأموال (^٦).
وقال الجُنيد: دخلتُ (^٧) من حَوْرَان آخذُ عطائي فصلَّيتُ الجمعة بجامع دمشق، ثم خرجت إلى باب الدرج؛ وإذا عليه شيخ يقصُّ على الناس يقال له: أبو شيبة، فوَعَظَنا
_________________
(١) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٨: إني رادٌّ عليك ما ضمنتُ لك ولأصحابك …
(٢) من قوله: وروى عنه ابن جُريج (أواخر ترجمة عطاء بن أبي رباح- السنة قبلها) إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٣) في (ص): وهي الحجة التي حمل فيها معه.
(٤) تاريخ الطبري ٧/ ٩٨.
(٥) سلف ذكرها في أحداث السنة الثانية عشرة بعد المئة.
(٦) ينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٣. ومن قوله: ولما توفي بخراسان … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٧) في (ص): وحكى عنه أبو القاسم بن عساكر حكاية رواها عنه جُنادة بن عمر (كذا، والصواب: عمرو) بن الجُنيد بن عبد الرحمن قال: دخلت … إلخ ولم أُثبتها أعلاه لأنها سترد بنحوها آخر الخبر من النسخ الأخرى.
[ ١١ / ٤٥ ]
وخوَّفَنا، فبكَينا، فلما فرغَ من قصصه قال: اختموا مجلسَنا بلعنةِ أبي تراب. فلعنوا أبا تراب.
[قال الجُنيد:] فقلتُ لمن عن يميني: ومَنْ أبو تراب؟ فقال: عليُّ بنُ أبي طالب ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ زوجُ ابنتِه، وأبو الحسن والحسين. قال الجُنيد: فقمتُ إليه -وكان ذا وَفْرَة- فأخذت بوَفْرَتِه وجعلتُ ألطمُ وجهَه ورأسَه بالحائط، وصاحَ، واجتمعَ الناسُ، فوضعوا ردائي في عنقي وساقُوني إلى هشام [بن عبد الملك] والقاصّ يمشي قدَّامي، فدخلنا على هشام، فصاح أبو شيبة: يا أمير المؤمنين، قاصُّك وقاصُّ آبائك وأجدادك يُفعل به هذا؟ قال: ومَنْ فعلَه؟ فأشار إليَّ، فقال لي هشام وعنده أشراف الناس: أبو يحيى! متى قدمتَ؟ فقلت: أمسِ، وكنتُ على المصير إلى أمير المؤمنين، فأدركَتْني الجمعةُ وصلَّيت، وخرجتُ إلى باب الدرج (^١)، فإذا هذا الشيخُ يقصُّ على الناس، فبكَينا، ودعا فأمَّنَّا، ثم قال: اختموا مجلسَنا بلعنةِ أبي تراب، فسألتُ: من أبو تراب (^٢)؟ فقال لي رجل: علي بنُ أبي طالب، ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ، وصهرُه على ابنتِه، وأوَّلُ القوم إسلامًا. فواللهِ لو ذكرَ قرابةً لك بمثل هذا لفعلتُ به ما فعلتُ، أفلا أغضبُ لابن عمِّ رسول الله ﷺ؟! فقال هشام: بئس ما صنع! ثم عقدَ لي على السِّند، وقال لجلسائه: مثلُ هذا لا يُجاورُني في بلد (^٣) فيُفسدَ عليَّ البلد. فباعَدَ بِهِ إلى السِّند.
رَوَى ذلك ابنُ عساكر عن جُنادة بن عَمرو بن الجُنيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدِّه الجُنيد.
قال: فمضى، فماتَ بالسِّند، وهو على باب السِّند مُصَوَّرٌ، بيده اليمنى سيف، وفي [يده] الآخرى كيس يُعطي منه الدراهم (^٤).
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د): الجامع. والمثبت من (ص)، وهو موافق لما في "تاريخ دمشق" (٤/ ٢٧ (مصورة دار البشير- ترجمة جنادة بن عمرو)، وسلف ذكره أول الخبر.
(٢) في (ص): عن أبي تراب.
(٣) في (ص): البلد.
(٤) الخبر بتمامه في "تاريخ دمشق" ٤/ ٢٧ - ٢٨ (مصورة دار البشير- ترجمة جُنادة بن عمرو).
[ ١١ / ٤٦ ]
[وروى ابن عساكر أيضًا أنه مات بمَرْو في خُراسان]. ورثاه جماعة من الشعراء، منهم عيسى بن عَصبَة (^١) أبو جُويرة، فقال:
هلك (^٢) الجُودُ والجُنَيدُ جميعًا … فعلى الجود والجُنَيدِ السلامُ
أصْبَحا ثاوَيينِ في بطن مَرْوٍ … ما تغنَّى على الغصونِ الحَمَامُ (^٣)
كنتُما نُهْزَةَ الكرامِ فلمَّا … مِتَّ ماتَ النَّدَى وماتَ الكِرامُ
ثم إنَّ عيسى [بن عَصَبَة] قدم العراق، فلما دخل على خالد القسريّ يمدحُه قال له: ألستَ القائل (^٤): ذهب (^٥) الجودُ والجُنَيدُ جميعأ؟! اذهب إلى حيثُ دفنتَ الجُودَ فاستخرِجْهُ (^٦). فقال: أنا قائل هذا، وأنا الذي أقول:
لو كان يقعدُ فوق الشمس من كَرَمٍ … قومٌ بأوَّلهم أو مَجْدِهم قَعَدُوا
أوْ خَلَّدَ الجُودُ أقوامًا ذَوي حَسَبٍ … فيما يحاولُ من آجالهم خَلَدُوا
قومٌ أبوهُمْ سِنانٌ حينَ تَنْسِبُهمْ … طابوا وطابَ من الأولاد ما وَلَدُوا
يُحَسَّدُونَ على ما كان من نِعَمٍ … لا يَنْزغُ اللهُ عنهم ما لَه حُسِدُوا
فخرج ولم يعطه شيئًا (^٧).
وقوله: أبوهم سِنان، هو جدُّ الجُنَيد؛ لأنه الجُنَيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سِنان المُرِّيّ.
_________________
(١) تحرف في النسخ إلى: عصمة، وكذا في الموضع التالي. وهو عيسى بن أوس بن عصبة، كما في "المؤتلف والمختلف" للآمدي ص ١٠٧، والخبر في "تاريخ" دمشق ٤/ ٤٦ (مصورة دار البشير- ترجمة الجنيد).
(٢) في رواية في "تاريخ دمشق" ٤/ ٤٥، و"مختصره" ٦/ ١٢٨: ذهب.
(٣) في (ص): حمام.
(٤) عبارة (ص): قدم العراق بعد ذلك، فامتدح خالد بن عبد الله القسري، فقال له خالد: ألست القائل …
(٥) في (ص): هلك. وينظر الكلام قبل تعليقين.
(٦) في (ص): ما لك عندنا شيء، بدل قوله: اذهب إلى حيث دفتتَ الجود فاستخرجه. ومن هذا الموضع إلى نهاية الترجمة، ليس في (ص).
(٧) الأمالي ١/ ١٠٥ - ١٠٦، وتاريخ دمشق ٤/ ٤٥. والبيتان الأول والأخير في "أنساب الأشراف" ١٢/ ١٥. وبعض الأبيات لزهير بن أبي سُلمى، وهي في "ديوانه" ص ٢٨٢، وينظر "تاريخ" الطبري ٤/ ٢٢٣، و"العقد الفريد" ٥/ ٢٩١.
[ ١١ / ٤٧ ]
وكان الجنيد من الأجواد الممدَّحين، ولم يكن بالمحمود في حروبه.
ولما احتُضر جاءه مؤذِّنُه يُؤْذِنُه بالصلاة، فقال: الصلاةَ أيها الأمير. فقال: يا ليتَها لم تُقل لنا (^١).