قال ابنُ عساكر: خرج الوليد يتصيَّد ومعه الحُسين الكلابي، فانقطعا عن الناس، وتعالى النهار، وجاع الوليد، فمالا نحو قوية، فوجدا رجلًا في مبقلة، فاستطعماه، فجاء بخبز شعير، ورُبَيْثا (^١) وزيت وكُرَّاث، فأكلا، فقال الحسين:
إنَّ مَنْ يُطْعِمُ الرُّبَيثا مع الزَّيـ … ـتِ (^٢) بخبزِ الشَّعيرِ والكُرَّاثِ
لَحَقِيقٌ بلَطْمةٍ أو بِثِنْتَيـ … ـنِ لِقُبْحِ الصَّنِيعِ أو بثلاثِ
فقال له الوليد: اسكُتْ قبَّحكَ الله، فإنَّ الجودَ بَذْلُ الموجود، ألا قلتَ: بِبَدْرَةٍ أو بِثِنْتَينِ؟! ثم لحقهما العسكر، فأمر الوليدُ للرجل بثلاثِ بِدَر (^٣).
قال هشام: لما قُتل الوليد غضب أبو محمد زيادُ بنُ عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب السُّفيانيّ، وسار إلى حمص، وبها مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وكان عاملَ الوليد عليها، وهو من سادات بني أُميَّة، فاتفقا على طلب ثأر الوليد، ووافقَهما أهلُ حمص على قتال يزيد بن الوليد بدمشق.
فاختلف السُّفْيانيُّ ومروان، فقال السُّفيانيّ: يا أهل حمص، إن مروانَ يُثَبِّطُكم عن الطلب بدم الوليد المظلوم، فثارُوا على مروان فقتلوه، وحملوا رأسَه على قناة إلى السُّفْيانيّ، فعزَّ عليه وقال: واللهِ ما أرَدْتُ هذا.
فبايَعوه، وخرج من حمص، فنزل جُوسِيَة (^٤) بين حمص وبَعْلَبَكّ، وكانت حِصْنًا من حصون دمشق، فبعث إليه يزيدُ بنُ الوليد سليمانَ بنَ هشام، وعبدَ العزيز بنَ الحجَّاج،
_________________
(١) في (خ) و(د): وزبيبًا (وهو تحريف) والمثبت من "أنساب الأشراف" ٧/ ٥١٢، و"تاريخ دمشق" ٥/ ٦ (مصورة دار البشير). ووردت القصة في "تاريخ" الطبري ٨/ ١٧٤ في المهديّ وعمر بن بزيع، وذكر محقِّقُه أنه جاء في حاشية إحدى النسخ أن الرُّبَيثاء نوع من الصِّحْنَاة. اهـ. والصِّحناة (أو الصِّحناء) إدام يُتَّخَدُ من السمك الصغار المملّح، كما في "المعجم الوسيط". وجاء اسم الرُّبَيثاء في "الموشَّى" ص ١٩١ في باب ذكر زيّ الظرفاء من الطعام.
(٢) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥١٢، و"تاريخ" الطبري ٨/ ١٧٤: الرُّبَيثاء بالزيت.
(٣) المصادر السابقة. والبِدَر جمع البَدْرَة، وهي كيس فيه مال. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٤) من قُرى حمص على ستة فراسخ منها من جهة دمشق. معجم البلدان ٢/ ١٨٥.
[ ١١ / ٣٢١ ]
فنزلا ثَنِيِّة العُقَاب (^١)، وجاء السُّفياني، فنزلَ القُطَيفَة (^٢) -وتُعرفُ بقُطَيفة هشام بن عبد الملك لأنه هو الذي اتَّخذَها- والتَقَوْا، فخذلَ السُّفيانيَّ جندُه، فأخذوه أسيرًا وجاؤوا به إلى يزيد بن الوليد، فحبسَه مع الحكم وعثمان ابْنَي الوليد حتى كان من أمره ما كان، وسنذكرُه إن شاء الله تعالى (^٣).
وقال المصنِّف ﵀: وقد رُويَ في الوليد حديثٌ:
فقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدَّثنا أبو المغيرة، عن ابنِ عَيَّاش-وهو إسماعيل- عن الأَوْزاعيّ، عن الزُّهْرِيّ، عن ابن المسيِّب، عن عمرَ بنِ الخطاب رضوان الله عليه قال: وُلد لأخي أمِّ سَلَمة غلامٌ، فَسَمَّوْه الوليد، فقال رسول الله ﷺ: "سمَّيتُموه باسم فَراعِنَتِكم، ليكونَنَّ في هذه الأمة رجلٌ يقال له: الوليد، لَهُوَ شَرٌّ على هذه الأمَّةِ من فرعون على قومه".
قال الأوزاعيّ: فكان الناسُ يَرَوْنَ أنَّه الوليدُ بنُ عبد الملك، حتى قام الوليد بنُ يزيد، فرأينا أنَّه هو.
وقد تكلَّموا في هذا الحديث، وذكره الشيخ جمالُ الدين بنُ الجوزيّ ﵀ في "الموضوعات" والله أعلم (^٤).
وفيها توفي