واسمُه محمَّد بن مسلم بن عُبيد الله بن عَبْد الله الأصغر بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة بن كلاب بن مُرَّة. وكنيتُه أبو بكر، وأمُّه عائشةُ بنت عبد الله الأكبر بن شهاب.
ذكره ابن سعد في أول الطَّبقة الرابعة من التابعين من أهل المدينة (^٦).
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٠٧. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٢) تحرفت في (ب) و(خ) و(د) إلى: "عفيفًا". والتصويب من "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٠٧ (والكلام منه)، و"نسب قريش" ص ٢٤٣. ومن قوله: فولد عامر عتيقًا … إلى آخر الفقرة، ليس في (ص).
(٣) تاريخ دمشق ٥٩/ ٤٥٥ عن ابن سُميع، ونقل ابن عساكر قبله أن أَبا زُرعة ذكره في الثالثة.
(٤) نسبة إلى الصُّفْريَّة، فرقة من الخوارج.
(٥) تاريخ دمشق ٥٩/ ٤٥٦ (طبعة مجمع دمشق). وينظر "تاريخ خليفة" ص ٣٥٢ - ٣٥٥ (سنة ١٢٢ - ١٢٤).
(٦) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٢٩.
[ ١١ / ١٨٨ ]
[وقد نسبَه مالك بن أنس كما ذكره ابنُ سعد؛ قال: وجدُّه عبد الله شهدَ مع المشركين بدرًا وأُحُدًا. وكان أحدَ النَّفَر الذين تعاقدُوا يومَ أُحُد على قتل رسول الله ﷺ إن رأوه، أو يُقتلون دونه، وهم عبد الله بن شهاب، وابنُ خَلَف، وابنُ قَمِئة، وعُتبة بن أجب وقَّاص. وقد ذكرناه] (^١).
وكان أبوه مسلم مع عبد الله بن الزُّبير (^٢).
واختلفوا في مولد الزُّهْريّ؛ فحكى ابنُ سعد عن الواقديّ أنَّه وُلد في سنة ثمان وخمسين؛ السنة التي ماتت فيها عائشة ﵂ (^٣).
وقال يعقوب بن شيبة: في سنة ستٍّ وخمسين (^٤).
وروى ابنُ سعد أنَّه كان يَصْبُغُ بالسَّوَاد، ووَوَى عن مالك بن أنس قال: رأيتُه يَخْضِبُ بالحِنَّاء (^٥).
وقال سفيان بن عُيينة: رأيتُ الزُّهريَّ أحمرَ الرأس واللحية، وفي حُمرتها انكفاء (^٦)، كأنه يجعلُ فيه كَتَمًا.
قال سفيان: وأنا يومئذ ابنُ ستَّ عشرةَ سنة.
وقال ابنُ سعد: قال مالك بن أنس: ما أدوكتُ فقيهًا محدِّثًا غيرَ الزُّهْريّ؛ جمعَ بين العلم والرواية وكثرةِ الحديث (^٧).
وكان يقال: إنه جمع القرآن في ثمانين ليلة (^٨).
_________________
(١) من قوله: وقد نسبه مالك … إلى هذا الموضع (وهو ما بين حاصرتين) من (ص)، وينظر "أنساب الأشراف" ١/ ٣٧٨.
(٢) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٠، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٤٠٠ ضمن خبر مطوّل.
(٣) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٩، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٣٨٥.
(٤) أخرجه ابن عساكر ٦٤/ ٣٨٢ عن يعقوب، عن ابن بُكير قولَه.
(٥) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٧.
(٦) في (ص) (والكلام منها): انطفاء. والمثبت من "المعرفة والتاريخ" ١/ ٦٢٠، و"تاريخ دمشق" ٦٤/ ٣٨٩.
(٧) بنحوه في "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٣٤، و"تاريخ دمشق" ٦٤/ ٤٢٨.
(٨) المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٣، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٣٩٠.
[ ١١ / ١٨٩ ]
وقال الليث بن سعد: قال ابنُ شهاب: ما استودعتُ قلبي شيئًا فنسيتُه (^١).
[وحكى أبو نُعيم عنه أنَّه قال: إنَّ هذا العلم إنْ أخَذْتَه بالمكابرة (^٢)؛ غلبَكَ؛ ولم تظفر منه بشيء، ولكن خُدهُ مع الليالي والأيام تَظْفَرْ به].
وقال الزُّهْري: جالستُ سعيد بن المسيّب عشرين سنة (^٣)؛ ركبتي مع ركبتِه، فكانت كيوم واحد.
وقال ابن أبي ذئب: كان الزُّهْريُّ قد ركبه دين وضاقَتْ حالُه، فوفد [إلى] الشَّام يريد (^٤) عبدَ الملك، فجالس قَبِيصة بنَ ذُؤيب.
قال الزُّهْرِيّ: فبينا نحن ذات ليلة نَسْمُرُ عنده؛ إذْ جاءه رسولُ عبد الملك، فقال: أجِبْ أميرَ المُؤْمنين. فقام معه، ثم عاد إلينا، فقال: أيُّكم يحفظُ قضاء عمر في أمَّهات الأولاد؟ فقلت: أنا. فقال: قُمْ. فأدخَلَني على عبد الملك، وإذا به جالسٌ على نُمْرُقَة، وبيدِهِ مِخْصَرَةٌ (^٥)، وعليه غِلالة (^٦)، وهو ملتحفٌ بِسَبَنِيَّة (^٧)، وبين يديه شمعة، فسلَّمتُ عليه، فقال: مَنْ أَنْتَ؟ فانتسبتُ له، فقال: إنْ كان أبوك لَنعَّارًا في الفتن (^٨). فقلت: عفا اللهُ عمَّا سلف. فقال: اجلس. فجلست. فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقال: اقرأ من سورة كذا وكذا. فقرأتُ. فقال: أتفرض؟ قلت: نعم. فقال: ما تقول في امرأة
_________________
(١) المعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٥، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٤٠٢. ومن قوله: وكان أبوه مسلم مع عبد الله بن الزُّبير … إلى هذا الموضع بلفظه من (ص)، ووقع في النسخ الأخرى مختصرًا ودون نسبة الأقوال إلى قائليها.
(٢) كذا في (ص) (والكلام منها)، وهو ما بين حاصرتين، و"صفة الصفوة" ٢/ ١٣٨ وفي "حلية الأولياء" ٣/ ٣٦٤: بالمكاثرة.
(٣) كذا في النسخ الأربعة. وفي "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٣٣، و"تاريخ دمشق" ٦٤/ ٣٩٢: عشر سنين. وفي رواية في "تاريخ دمشق": ثمان سنين.
(٤) في "تاريخ دمشق" ٦٤/ ٣٧٣: زمان، بدل: يريد. ولفظة "إلى" السالفة بين حاصرتين منه. وهذا الخبر لم يرد في (ص)
(٥) النُّمْرُقة: الوسادة الصغيرة، والمِخْصَرَة: ما يأخذه الملك يُشير به إذا خاطبَ، والخطيب إذا خطب.
(٦) الغِلَالة: الشِّعار (الذي يلي الجسد من الثياب).
(٧) السَّبنِيَّة: نوع من الثياب منسوب إلى سَبَن؛ بلدة ببغداد.
(٨) أي: ساعيًا فيها.
[ ١١ / ١٩٠ ]
ماتَتْ وتركَتْ زوجًا وأبوَين؟ فقلت: للزَّوج النِّصف، وللأمِّ السُّدُس، وللأب الباقي. فقال: أصبتَ الفرض؛ وأخطأتَ اللفظ، إنَّما لزوجها النِّصف، ولأمِّها ثُلُثُ ما بقي، وهو السُّدُس، ولأبيها الباقي.
[قال: فإنَّ الفريضة على حالها، وهو رجلٌ ترك زوجتَه وأبوَيه. فقلت: لزوجته الرُّبُع، ولأمِّه الرُّبُع، ولأبيه ما بقي. قال: فقال لي: أصبتَ الفرض، وأخطأتَ اللفظ، ليس هكذا يُفرض، لزوجته الرُّبُع، ولأمِّه ثُلُث ما بقي، وهو الرُّبُع من رأس المال، وللأب ما بقي].
ثم قال: حَدِّثْني، فقلتُ: حدَّثَني سعيدُ بنُ المسيّب أنَّ فتًى من الْأَنصار كان يلزمُ عُمر بنَ الخطَّاب، وكان عُمر مُعْجَبًا به، فَفَقَدَهُ فقال: ما لي لا أرى فلانًا؟ وأرسل إليه، فجاء وهو بَزُّ الهيئة، فقال: ما الذي أرى بك؟! فقال: يَا أمير المُؤْمنين، إنَّ إخوتي خيَّروني بين أمِّي وبين ميراثي من أبي، فاخترتُ أمِّي، ولم أكن لأُخرِجَها على رؤوس الملأ، فأَخذتُها بجميع ميراثي من أبي. فقام عمر مُغْضَبًا، فصَعِدَ المنبر، فحمدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعد، أيُّها النَّاس، أيُّما رجلٍ وَطِيءَ أَمَةً، فولَدَتْ منه، فله أنْ يستمتع بها ما عاش، فإذا ماتَ فهي حُرَّة. فقال عبد الملك: صدقتَ، هكذا حدَّثني سعيدُ بنُ المسيِّب، فقلتُ: يَا أمير المُؤْمنين، اقضِ دَيني. فقال: قد قضاه الله. قلتُ: واقرض لي. قال: لا والله لا أجمعهما لك أبدًا. قال: فقدمتُ المدينة، فأتيت سعيدَ بن المسيِّب، فسلَّمتُ عليه، فدفَعَ في صدري فقال: ويحك يَا زُهْريّ! حملتَ حديثي إلى بني مروان! فجعلتُ أعتذرُ إليه فلم يقبل عذري (^١).
وقال ابن سعد: استعمل هشامُ بنُ عبد الملك ابنَه أَبا شاكر مسلمةَ بنَ هشام على الحجّ سنة [ستَّ] (^٢) عشرة ومئة، وأمرَ الزُّهريَّ (^٣) أن يسيرَ معه إلى مكة، ووضع عن
_________________
(١) تاريخ دمشق ٦٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤ (طبعة مجمع دمشق) وما سلف بين حاصرتين منه. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٢) لفظة "ستّ" بين حاصرتين من"طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٣٣، و"تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٩١ (طبعة لمجمع دمشق - ترجمة مسلمة).
(٣) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): وأمره، بدل: وأمر الزُّهري. والمثبت من المصدرين السابقين للإيضاح.
[ ١١ / ١٩١ ]
الزُّهْريّ من ديوان مالِ الله سبعة عشر أَلْف دينار، فلمَّا قدم أبو شاكر المدينة؛ أشار عليه الزُّهْريُّ أن يصنع إلى أهل المدينة خيرًا، وحضَّه على ذلك، فأقام بالمدينة نصف شهر، وقسم الخُمس على أهل الديوان، وفعل أمورًا حسنة، وأمره الزُّهري أن يُهِلَّ من باب مسجد [ذي] الحُلَيْفَة إذا انبعثت به راحلتُه، وأمره محمَّد بنُ هشام [بن إسماعيل] المخزوميّ أن يُهِلَّ من البيداء، فأهلَّ من البيداء (^١).
واستعمل هشام ابنَه يزيد على الحجّ سنة ثلاث وعشرين ومئة (^٢)، وأمر الزّهريَّ، فحجَّ معه في تلك السنة.
وقضى هشام [بن عبد الملك] عن الزُّهْرِيّ ثمانين أَلْف درهم (^٣).
وكانت الدنيا عند الزُّهْريّ لا قدرَ لها (^٤).
وكان سخيًّا، ولا يدّخر شيئًا، وما جمع أحدٌ من العلم ما جمع [ابنُ شهاب].
وكان يقول: لولا هذه الأحاديث التي سالَتْ علينا من المشرق ما نعرفها؛ ما كتبتُ حديثًا، ولا أذنتُ في كتابته (^٥).
[وقال: ما هذه الأحاديث التي لا أَزِمَّة لها ولا خُطُم (^٦).
وقال المدائنيّ:] وأقام بالرصافة مع هشام [بن عبد الملك عشرين] (^٧) سنة يعلّم أولاده الفقه والأدب. [وولَّاه قضاء المدينة، وكان قبل ذلك مع عبد الملك بن مروان، قدم عليه سنة اثنتين وثمانين، وكانوا يفضّلون الزُّهْريّ على الحسن البصري] (^٨).
_________________
(١) المصدران السابقان، وما بين حاصرتين منهما، ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٢) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): ثلاث عشرة ومئة، وهو خطأ. والتصويب من "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٣٣. وينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ١٩٧.
(٣) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٧ - ٤٣٨، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٤٥١.
(٤) من قوله: وقال ابن أبي ذئب: كان الزُّهْرِيّ قد ركبه دين (قبل صفحتين). إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٥) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٣، وفيه: في كتابه. وفي (خ): كتابتها. والخبر بنحوه في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٦٣٧.
(٦) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٧، وحلية الأولياء ٣/ ٣٦٥، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٤١١. والخُطُم: جمع خِطام، وهو ما يوضع على خَطْم الجمل ليُقادَ به. وهو الزِّمام أَيضًا.
(٧) ما بين حاصرتين من (د) و(ص). والخبر بنحوه في "المعرفة والتاريخ" ١/ ٦٣٦.
(٨) الكلام بين حاصرتين من (ص)، وقوله: وكانوا يفضّلون … إلخ بنحوه في "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٣٦.
[ ١١ / ١٩٢ ]
وحكى أبو نُعيم عن عمرو بن دينار قال: ما رأيتُ أحدًا أهون عليه الدينار والدّرهم مثلَ الزُّهْريّ، ما كانت الدنيا عنده إلَّا مثل البعر (^١).
وقال الزُّهْريّ: ما سمعتُ مثلَ أربع كلمات تكلَّم بهنَّ رجلٌ عند هشام [بن عبد الملك]. قال له: لا تَعِدَنَّ عِدَةً لا تثق من نفسك بنجازها (^٢)، ولا يغرَّنَّك (^٣) المرتقى وإن كان سهلًا إذا كان المنحدرُ وَعْرًا، واعلم أنَّ للأعمال جزاءً، فاتَّق العواقب، وأن للأمور بغتاتٍ، فكُنْ على حَذَر.
ودخل الزُّهْريُّ على الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: يَا زُهْرِيّ، ما حديثٌ يُحدِّثُنا به أهلُ الشَّام؟ قال: وما هو يَا أمير المُؤْمنين؟ قال: يحدِّثُونا أنَّ الله إذا استرعى عبدًا [رعيَّته] كتبَ له الحسنات، ولم يكتب عليه السيّئات. فقال: هذا باطل يَا أميرَ المُؤْمنين، أيُّما أكرمُ على الله؛ خليفةٌ نبيٌّ، أم خليفةٌ غيرُ نبيّ؟ فقال: بل خليفةٌ نبيّ. قال: فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. فهذا وعيدٌ (^٤) لنبيٍّ خليفة، فكيف بخليفةٍ غيرِ نبيّ؟! فقال الوليد: إن النَّاس ليغرُّونا في ديننا (^٥).
ذكر وفاته:
قال أبو الزِّناد: كان الزُّهْريُّ يقدحُ أبدًا عند هشام في الوليد بن يزيد ويقول: اِخْلَعْه. ويَعِيبُهُ، ويذكر أمورًا عظيمة لا يُنطقُ بها، حتَّى يذكرَ الصِّبيانَ أنَّهم يُخضبون بالحِنَّاء، ويقول لهشام: ما يحلُّ لك إلَّا خلعُه.
وكان هشام لا يستطيع ذلك للعقد الذي عقده [له] ولا يسوءُه ما يصنعُ الزُّهري رجاء أن يُؤَلِّبَ ذلك النَّاس عليه.
_________________
(١) حلية الأولياء ٣/ ٣٧١، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٤١٣.
(٢) في "العقد الفريد" ١/ ٥٩، و"التذكرة الحمدونية" ١/ ٢٦٢: بإنجازها.
(٣) في (ب) و(د): ولا يغرَّك. والمثبت من (ص) وهو موافق لما في المصدرين السابقين.
(٤) في (ب) و(د): وعيده.
(٥) العقد الفريد ١/ ٦٠، وبنحوه في "الأغاني" ٧/ ١١. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
[ ١١ / ١٩٣ ]
[قال أبو الزِّناد:] فكنتُ يومًا عند هشام في الفسطاط وأنا أسمعُ كلامَ الزُّهْريّ في الوليد وأتغافل. ودخل الحاجبُ فقال: هذا الوليدُ على الباب. فأذِنَ له، فلما دخلَ أوسعَ له هشام على فراشه، وأنا أعرف في وجه الوليد الغضبَ والشَّرّ.
فلما استُخلفَ الوليدُ؛ دعاني فقال لي: أرأيتَ يومَ دخلتُ على الأحول وأنتَ عنده، والزُّهْريُّ يقدح فيَّ؟ فقلت: نعم. فمن أين علمتَ؟ قال: الخادم الذي كان قائمًا على رأس الأحول حدَّثَني بذلك قبل أن أدخل إليكم، وأخبرني أنك لم تنطق بحرف. فقلت: نعم. قال: قد كنتُ عاهدتُ اللهَ لئن أمكنني من الزُّهْريّ لأَقتلنَّه، وقد فاتَني (^١).
وكان الزُّهْريُّ قد اتَّعَدَ هو وابنُ هشام إن مات هشام قبلهما أن يلحقا بجبل الدُّخان. فمات الزُّهْري قبل هشام بأربعة أشهر -وقيل: بأشهر- سنة أربع وعشرين ومئة (^٢).
قال ابنُ سعد: وقال محمَّد بن عمر: قَدِمَ الزُّهْريُّ في سنة أربع وعشرين ومئة إلى أمواله بثلبة (^٣) بشَغْب وبَدَا، فأقام فيها، فمرض هناك، فمات، وأوصى أن يُدفن على قارعة الطريق، ومات لسبع عشرة من شهر رمضان وهو ابنُ خمس وسبعين سنة.
وقال ابنُ سعد: وأخبرني الحسين بن المتوكِّل العسقلاني قال: رأيتُ قبر الزُّهْرِيّ بأَدَامَى، وهي خلف شَغْب وبَدَا، وهي من أول محمل فلسطين، وآخر عمل الحجاز، وبها ضَيعَةُ الزُّهْرِيّ التي كان فيها (^٤). قال: رأيت قبره مجصّصًا أبيض.
قال ابنُ سعد: قالوا: وكان الزهريُّ ثِقَة كثير الحديث والعلم والرواية، فقيهًا جامعًا.
هذا صورة ما ذكره ابنُ سعد. وقال هشام: مات سنة خمس وعشرين ومئة. والأول أشهر (^٥).
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٨ وما سلف بين حاصرتين منه. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٢) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٣٨ - ٤٣٩، وتاريخ دمشق ٦٤/ ٤٥٩. ومن أول هذه الفقرة حتى قوله: جبل الدخان، ليس في (ص).
(٣) كذا في (ص) و"طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٣٩. ولم أعرفها.
(٤) ينظر "معجم البلدان"١/ ١٢٥ و٣/ ٣٥١ - ٣٥٢.
(٥) ينظر "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٣٩. ومن قوله: قال ابن سعد: قال محمَّد بن عمر: قدم الزُّهْرِيّ … إلى هذا الموضع، بلفظه من (ص)، وجاء في النسخ الأخرى مختصرًا، ودون نسبة الأقوال لأصحابها.
[ ١١ / ١٩٤ ]
أسند عن جماعة من الصَّحَابَة: ابن عُمر، وأنس، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن ثعلبة، وأبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الرَّحْمَن بن أزهر، ومحمود بن الرَّبيع، ومحمود بن لبيد، ومسعود بن الحكم، وكثير بن العباس، وأبي مُويْهِبَة، وأبِي الطُّفَيل في آخرين من الصَّحَابَة.
وروى عن فقهاء المدينة السبعة، وعليِّ بنِ الحُسين زين العابدين، وغيرهم، وروى عنه الجَمُّ الغفير.
وقدم الشَّام فووى الحديث، فحدَّثَ عنه الأوزاعيّ، وسليمانُ بنُ موسى، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم (^١).
وقال الزُّهْريّ: قدمتُ على عبد الملك، فقال: من أين قدمتَ؟ قلت: من مكة. قال: مَنْ خلَّفتَ يسودُ أهلها؟ قلتُ: عطاء [بن أبي رباح] (^٢) قال: فمن العربِ هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: وبمَ سادَهم؟ قلت: بالدِّيانة والرِّواية. قال: إنَّ أهل الدِّيانة والرواية ينبغي لهم أن يسودوا. ثم قال: فمن يسودُ أهلَ اليمن؟ قلت: طاوس. قال: فمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: وبمَ سادهم؟ قلتُ: بالدِّيانة والرِّواية. قال: فمَنْ يسودُ أهل مصر؟ قلتُ: يزيد بن أبي حبيب. قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: بم سادهم؟ قلتُ: بالدّيانة والرِّواية. قال: فمن يسودُ أهلَ الشَّام؟ قلت: مكحول. قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي؛ عبدٌ نُوبيّ أعتقَتْهُ امرأةٌ من هُذَيل. قال: فمن يسودُ أهلَ الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مِهْران. قال: من العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: فمن يَسُود أهلَ خُراسان؟ قلت: الضَّحَّاك بن مُزاحم. فقال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلتُ: من الموالي. قال: فمن يسودُ أهلَ البصرة؟ قلتُ: الحسن بن أبي الحسن. قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فمن يَسُودُ أهلَ الكوفة؟ قلت: إبراهيم النَّخَعيّ. قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب.
_________________
(١) ينظر "تاريخ دمشق" ٦٤/ ٣٧٠ - ٣٧١، و"تهذيب الكمال" ٢٦/ ٤٢٠ - ٤٣٠. ومن قوله: ابن عمر، وأنس، وسهل … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٢) ما بين حاصرتين من المصادر للإيضاح.
[ ١١ / ١٩٥ ]
فقال: فَرَّجْتَ عنِّي. واللهِ يَا زُهْريّ ليسودَنَّ الموالي على العرب حتَّى يُخطب لها على المنابر والعربُ تحتَها. فقلتُ: إنَّما هذا أمرُ الله ودينُه، مَنْ حفظَه سادَ، ومن ضَيَّعه سقط. قال: صدقتَ (^١).