وفيها غزا نَصْرُ بنُ سيَّار ما وراء النهر، وقتلَ كورصول، وكان ملكًا.
قال علماء السير: كان نصر قد غزا ما وراء النهر مرارًا، فلما كان في الثالثة، أراد غزو الشاش، فحال بينه (^٥) وبين قطع نهر الشاش كورصول، فكانت بينهم مُراماة بالنُّشَّاب،
_________________
(١) الكلام بين حاصرتين من (ص). وينظر "تهذيب الكمال" ٣٣/ ١٣٧ ..
(٢) لم يرد الكلام الآتي بعده في (ص)، وجاء فيها ما صورته: انتهت ترجمته ﵀.
(٣) كذا وقع في (ب) و(خ) و(د). ولم يرد في (ص). وأبو بكر ليس من الأولاد، وإنما هو صاحب الترجمة، وذكرُه هنا وهم غالبًا وليس إيرادًا لاسمه، فقد سلف أول الترجمة. والكلام في "الطبقات الكبرى" ٧/ ٤١٤، فبعد أن ذكر ابنُ سعد أسماء أولاد أبي بكر بن محمد، قال: وأبو بكر (يعني صاحب الترجمة) هو اسمه، فتابع المصنف الكلام. والله أعلم.
(٤) طبقات ابن سعد ٩/ ٢٠٧، والحَسَن المذكور هو البصري ﵁ وتوفي سنة (١١٠). وقد وقعت هذه الترجمة هنا في وفيات سنة (١٢٠) ولم أقف على من ذكر أن وفاته كانت في هذه السنة، والذي في المصادر أن وفاته كانت سنة ثمان -أو تسع- ومئة. وقال البخاري في "لتاريخ الصغير" ١/ ٢٤٤: مات أبو نضرة قبل الحسن بقليل. وينظر "طبقات خليفة" ص ٢٠٩، و"تاريخه" ص ٣٣٨ - ٣٣٩، و"تهذيب الكمال" ٢٨/ ٥١٠. ولم ترد هذه الترجمة في (ص).
(٥) في (ب) و(خ) و(د): ولما أراد نصر غزو الشاش حال بينه … إلخ. بدل قوله: قال علماء السير: كان نصر قد غزا … إلى هذا الموضع. وهو مثبت من (ص).
[ ١١ / ١٢٨ ]
وجاء الحارث بن سُريج -وكان بأرض التُّرك- فانضمَّ إلى كورصول، وجلس نصر يتوضَّأ على [جانب النهر - وقيل: كان على] سريره - ووصيفٌ له يصبُّ على يديه [الماء] فقصده الحارث [بن سُريج] بسهم، فأصاب وجهَ الوصيف، فتحوَّل نصر من سريره.
فلما كان في الليل قطع كورصول النهرَ في نفر يسير، فبيَّتَ (^١) أهلَ العسكر، وظنَّ أهلُ العسكر أن التُّرك قد عَبَرُوا كلُّهم، فساقَ كورصول شاءَ العسكر (^٢) ودوابَّهم، فخرج عاصم بنُ عُمير وهو على خيل سمرقند (^٣)، وتبعَهم، فأسرَ كورصول، وجاءَ به إلى نَصر [فإذا هو] شيخُ كبير، فقال: من هذا؟ فقال بعضهم: هذا صاحبُ أربعة آلاف قبَّة، فقال نصر: اقتلوه. فقال له: وما ينفعُك قتلُ شيخ كبير؟ أنا أفدي نفسي بألف بُخْتيّ (^٤) وألفِ بِرْذَوْن. فاستشار نصر من حولَه من أهل الشام وأهل خراسان فقالوا: وما يجدي علينا قتلُه؟ خُذْ منه ما بذلَ نتقوَّى به على الكفَّار. فقال له: كم سِنُّك؟ قال: لا أدري. قال: كم غزوتَ غزوةً؟ قال: اثنتين وسبعين غزوةً. قال: أشهدتَ يومَ العطش؟ قال: نعم. قال: واللهِ لو بذلتَ لي ما طلعَتْ عليه الشمس ما تركتُك تغزو في المسلمين بعدَها. ثم صلبه على شاطئ النهر، فلما نظر إليه التُّرك مرَّغُوا خدودَهم على التراب، وقطعوا آذانهم، وجعلوا يصرخون، وجاؤوا بآنيته (^٥) فأحرقوها.
ولما أراد نصر الرحلةَ؛ أمر به فأُحرق لئلا يعبروا فيأخذوا عظامَه، فكان ذلك أشدَّ عليهم من قتله (^٦).
ثم سار نصر إلى الشَّاش (^٧)، فسبى ثلاثين ألفًا، وجاءه كتاب يوسف بن عمر: سِرْ إلى هذا الغارسِ ذنبَه في الشاش -يشير إلى الحارث بن سُرَيج- أينما كان. فاستشار
_________________
(١) في (د): فثبت، وفي (ب) و(خ): فثبتت.
(٢) في (ص): بالعسكر، بدل: شاء العسكر.
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٤: على جند أهل سمرقند.
(٤) البُخْتيّ: واحد الإبل الخُراسانية، جمعها بُخْت.
(٥) المثبت من (د)، وقي (ب) و(خ): بابنته! وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٥: بأبنيته.
(٦) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٣ - ١٧٥ بأطول منه.
(٧) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٥: فرغانة، بدل: الشاش.
[ ١١ / ١٢٩ ]
أصحابه فتوقَّفوا، فقال يحيى بن حُضَيْن -وهو الذي خالف عاصمًا في نوبة (^١) الحارث بن سُريج وقال: هذا عزلُ الخليفة (^٢) -: يا نصر، سِرْ بنا إلى الحارث. فقال له نصر: إنك تكلَّمتَ في أيام عاصم بكلمة ارتفعتَ بها عند الخليفة، وزِيدَ في عطائك، وبلَغْتَ الدرجة الرفيعة، فقلتَ: أقولُ مثلَها لَعَلِّي أحظى، سِرْ في المقدِّمة فقد ولَّيتُك قتال الحارث. فسار إلى الحارث، فلم يظفر منه بشيء، ومضى الحارثُ في أهل الشاش والتُّرك (^٣).
وأقبل نصر فنزل سَمَرْقَند، ثم عاد فقصد الشَّاش، وكان ملكها يقال له: بدر (^٤)، فصالح نصرًا على الجزية، وشرط عليه إخراجَ الحارث من بلده، فأخرجَه إلى فارياب (^٥) ثم سار (^٦) نصر إلى فَرْغَانة.
ذكر صلحه مع ملكها:
قال سليمان بن صُول: لما نزل نصر أرض فَرْغانة دعاني، فقال: اذهب إلى صاحب فَرْغَانة، وانظر ما يرى (^٧) في حديث الصُّلح. قال سليمان: فلما قدمتُ على الملك قال: اذهبوا به إلى الخزائن والسلاح والعساكر (^٨) ليرى ما أعددتُ لهم. قال سليمان: فرأيتُ سلاحًا كثيرًا وأموالًا ورجالًا، فلما رجعت إليه قال: كيف رأيت؟ قلت: رأيتُ عُدَّةً حسنة، ولكنَّ المحصورَ لا يَسْلَمُ من خصال، قال: وما هنَّ؟ قلت: لا يأمنُ أقربَ الناس إليه وأوثقَهم في نفسه أن يثبَ عليه، فيتقرَّبَ به، أو يفنى ما قد جمع فيسلِّم إلى
_________________
(١) كذا في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها).
(٢) ينظر خبر مخالفة يحيى بن حُضين لعاصم -وهو ابن عبد الله الهلالي- في صلح الحارث بن سُريج أوائل أحداث سنة (١١٧).
(٣) من قوله: وجاءه كتاب يوسف بن عمر (قبل عدة أسطر) … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٤) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٧: قدر.
(٥) كذا في (د). وفي (ب) و(خ): قاريان. وفي (ص): فأخرجه من بارباب. وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٧: فاراب.
(٦) في (ب): صار.
(٧) في (ص): ترى.
(٨) قوله: والعساكر، ليس في (ص).
[ ١١ / ١٣٠ ]
خصمه، أو يصيبه (^١) داء فيهلك. فقال: قم حتى ننظر. فقمتُ، وفكَّر، فرأى الصُّلْحَ خيرًا.
فدعاني وأجابَ إلى الصُّلح، وأحسنَ جائزتي، وبعث معي أمَّه، وكانت صاحبةَ أمرِه.
[قال:] وقدمتُ على نصر، فلما رآني؛ سُرَّ بالصُّلح وقال: أنت كما قال [الأول]: فأرسِلْ (^٢) حكيمًا ولا تُوصِهِ.
وأخبرتُه، فدعا لي (^٣)، وأذنَ لأمِّه، فدخَلَتْ عليه، فأكرمَها، وبين يديها ترجمان يعبِّر عنها، فكان في (^٤) جملة ما قالت: كلُّ مَلِكَ لا يكون عنده ستةُ أشياء فليس بمَلِك: وزيرٌ عاقلٌ يُشاورُه في أمره ويثقُ به، وطبَّاخٌ إذا لم يشتهِ الطعام (^٥) اتَّخَذَ له ما يشتهي، وزوجةٌ إذا دخلَ عليها مغتمًّا، فنظر إلى وجهها ذهبَ غمُّه، وحصنٌ إذا فزع إليه نجَّاه -وقيل: إنها أرادت بالحصن الفرس السابق (^٦) - وسيفٌ إذا قارعَ الأقران لم يخشَ خيانتَه، وذخيرةٌ إذا حملَها فأينما كان (^٧) من الأرض عاش بها.
ودخل تميم بن نصر بن سيار فقالت: مَنْ هذا؟ قال: تميم بن نصر. فقالت: ما له نُبلُ الكبار، ولا حلاوة الصِّغار.
ثم دخل الحجَّاج بن قتيبة بن مسلم، فقالت: مَنْ هذا؟ قال: الحجَّاج بن قتيبة. [قال:] فحيَّتْه وسألت عنه وقالت: يا معشر (^٨) العرب، ما لكم وفاء، ولا يصلح بعضُكم لبعض، قُتيبةُ هو الذي وطَّأَ لكم البلاد، وذلَّل ما أرى، وهذا ولدُه تُقعده دون مجلسك، فحقُّك يا نصر أنْ تُقعده مكانَك، وتجلسَ دونه.
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د): يصفه، والمثبت من (ص)، وهو موافق لما في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٧.
(٢) في (ب) و(خ) و(د): أوسل. والمثبت من (ص). وهذا عجز بيت صدرُه: إذا كنتَ في حاجةٍ مُرسِلًا، وجاء في شعر طَرَفَة بن العبد وغيره. ينظر "ديوانه" ص ٦٤.
(٣) في (ص): فدعاني. وهو تحريف.
(٤) في (ص): من.
(٥) في (ص): إذا اتشته نفسُه الطعام.
(٦) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٨: تعني البرذون، بدل قوله: وقيل إنها أرادت … وجاء هذا القول في (ص) آخر الخبر.
(٧) في (ص): فأين كان.
(٨) في (ص): معاشر.
[ ١١ / ١٣١ ]
ثم قامت وخرجت، وبعثَ إليها نصر بالصِّلات والتُّحَف، وسار معها سليمان بن صول إلى ابنها، وتقرَّر الصلح، وانهزم الحارث إلى بلاد التُّرك والفارياب (^١)، وعاد نصر إلى مَرْو (^٢).
وفيها خرج زيد بنُ عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵇.
واختلفوا في سبب خروجه على أقوال:
فقال أبو مِخْنَف: كان أوَّلُ أمره أنَّ يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْريّ ادَّعَى مالًا قِبَلَ زيد (^٣) بن عليّ، ومحمد بن عُمر بن عليّ بن أبي طالب، وداود بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس، وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف، وأيوب بن سَلَمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ. فكتبَ يوسف بن عمر إلى هشام في ذلك، وهشام بالرُّصافة يومئذ، وعنده زيد بنُ عليّ، والحسنُ بنُ الحسن بن علي؛ ارتفعا إليه في صدقة رسول الله ﷺ (^٤)، ومحمد بنُ عمر بن عليّ بن أبي طالب يومئذٍ مع زيد بن علي، فلما وقف هشام على كتاب يوسف ذكرَ لهم ذلك، فأنكروا، فقال هشام: فأَنَا باعثٌ بكم إلى يوسف لتُقابلوا يزيد بنَ خالد، فقال له زبد: أنشدك الله والرحم أن تبعث بي إلى يوسف، فإنني أخافُ أن يتعدَّى عليَّ. فقال هشام: ليس له ذلك. وكتب إليه: إذا قدم عليك فلان وفلان فاجْمَعْ بينهم وبين يزيد بن خالد، فإنْ أقرُّوا بما ادَّعى عليهم فسَرِّحْهم إليَّ، وإنْ أنكروا فسله البيِّنة، فإنْ لم يُقم البيِّنة، فاستَحْلِفْهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلَّا هو ما استودعكم يزيد بن خالد القسريّ وديعة، ولا له قبلكم شيء (^٥). ثم خلِّ سبيلَهم.
_________________
(١) في (ص): الفاريات.
(٢) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٧ - ١٧٨ بأطول منه، دون قوله آخره: ثم قامت وخرجت … إلى آخر الخبر.
(٣) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): يزيد. وهو خطأ.
(٤) كذا وقع في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها). وهو وهم، فإن الحسن بن الحسن بن عليّ توفي سنة (٩٧). والذي في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦١ أن زيدًا خاصم بني الحسن بن الحسن بن عليّ … إلخ. وينظر "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٥.
(٥) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦١: ما استودعهم يزيد … ولا له قبلهم شيء.
[ ١١ / ١٣٢ ]
وبعث بهم، واحتبسَ أيوبَ بنَ سلمة عنده؛ لأنه كان من أخواله (^١)، فلم يؤخذ بشيء من ذلك.
فلما قدموا على يوسف أكرمهم، وأجلسَ زيدًا قريبًا منه، وألطفَ (^٢) في المسألة، فأنكروا. وأحضرَ يزيدَ بنَ خالد وقال: هؤلاء الذين ادَّعَيتَ عليهم المال قد حضروا. فقال: ما لي عندهم قليل ولا كثير. فغضب يوسف وقال: أَبِي تهزأُ، أم بأمير المؤمنين؟! ثم عذَّبه عذابًا ظُنَّ أنه قتلَه.
وأخرجهم إلى المسجد، فاستحلفَهم، فحلفوا له، فخلَّى عنهم، فساروا إلى المدينة، وأقام زيد بالكوفة (^٣).
وقال الهيثم (^٤): قدم زيدُ بنُ علي، ومحمد بنُ عمر بنِ علي، وداودُ بنُ علي بن عبد الله بن عباس على خالد بن عبد الله القَسْريّ العراقَ، فأجازَهم، ورجعوا إلى المدينة، فلما عُزل خالد ووليَ يوسفُ العراقَ؛ كتب إلى هشام يُخبوه بقدومهم على خالد، وأنه أجازَهم، وأن خالدًا ابتاعَ من زيد أرضًا بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ولم يقبض الأرض، ودفعَ إليه المال.
فكتب هشام إلى عامله بالمدينة أن يُسرِّحهم إليه، فلما قدموا على هشام، سألهم، فأقرُّوا بالجائزة، وأنكروا ما سواها. وسألَ زيدًا عن الأرض، فأنكرها وحلفوا لهشام فصدَّقَهم (^٥).
وقيل: إن زيدًا إنما قدم على هشام مخاصمًا لابن عِمِّه عبدِ الله بنِ حسن بنِ حسن بن عليٍّ في ولاية وقوف عليّ بن أبي طالب، وكانا تنازعا قبل ذلك إلى خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم والي المدينة، فتنازعا، فأغلظَ عبدُ الله لزيد، وقال له: يا ابنَ الهندكيَّة. فقال زيد: أجل، واللهِ لقد صبرَتْ بعد وفاة سيِّدها، فما تعتَّبَتْ بابها إذ لم يصبر غيرُها. أشار إلى عمَّته فاطمة بنت الحسين أمِّ عبد الله.
_________________
(١) لأن أمَّ هشام بن عبد الملك ابنةُ هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة. تاريخ الطبري ٧/ ١٦١.
(٢) في "تاريخ" الطبري: وألطفه.
(٣) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٠ - ١٦٢ بأطول منه، وينظر "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٧.
(٤) في (خ): وفيها، بدل: وقال الهيثم. والمثبت من (ب) و(د) والكلام ليس في (ص).
(٥) تاريخ الطبري ٧/ ١٦٠.
[ ١١ / ١٣٣ ]
ثم ندم زيد، واستحيا من عمَّته، فلم يدخل عليها زمانًا، فأرسلَتْ إليه: يا ابنَ أخي، إني لأعلم أنَّ أمَّك عندك كأمِّ عبد الله عنده. وقالت لابنها عبد الله: بئس ما قلتَ لأمِّ زيد، واللهِ لنِعْمَ دخيلةُ القوم كانت (^١).
وقال لهما خالد بن عبد الملك: اغْدُوا عليَّ لأفصلَ (^٢) بينكما. واجتمع (^٣) الناس، وجرت منازعات أفضَتْ إلى ما لا يليق.
فخرج زيد إلى هشام بن عبد الملك (^٤).
وقيل: إن الذي ادَّعى بالمال خالدُ بنُ عبد الله؛ قال عطاء بن مسلم: لمَّا قدم زيد على يوسف قال له: إن خالدًا زعم أنه أودعك مالًا، فقال: أَنَّى يُودِعُني مالًا وهو يشتم آبائي على منبره! فأحضر خالدًا في عباءة وقال: زعمتَ أنك أودعتَ زيدًا مالًا وهذا زيدٌ يُنكر. فقال له خالد: أتريد أن تجمع مع إثمك فيَّ إثمًا في هذا؟! كيف أُودِعُه مالًا، وأنا أشتُمُهُ وأباه على المنبر؟! فشتمَه يوسف وردَّه إلى حبسه (^٥).
وقال أبو عُبيدة (^٦): لمَّا جمع يوسفُ بينهم وبين خالد؛ قالوا له: يا خالد، ما دعاك إلى ما صنعتَ؟ فقال: غلَّظ عليَّ يوسفُ العذاب، فادَّعيتُ ما ادَّعيتُ، وأمَّلْتُ أن يأتيَ اللهُ بالفرج قبل قدومكم. فأَطلقَهم [يوسف]، فمضَوا إلى المدينة، وتخلَّفَ زيد وداود بالكوفة (^٧).
وقال ابن سعد: دخل زيد بنُ عليّ على هشام بن عبد الملك، فرفعَ إليه دَينًا كثيرًا وحوائج، فلم يقض له حاجة، وتهجَّمه (^٨)، وأسمعَه كلامًا شديدًا.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ١٦٤، وينظر "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٠.
(٢) تحرف في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها) إلى: الأفضل. وينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٤.
(٣) في النسخ المذكورة: وأجمعَ.
(٤) لم يرد تتمة الخبر في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها)، وفيه أن زيدًا خرج إلى هشام، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص، فكلما رفع إليه قصة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلى أميرك … وينظر بتمامه في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٥) تاريخ الطبري ٧/ ١٦٦ - ١٦٧.
(٦) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): أبو عبيد. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٧.
(٧) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٧ بأطول منه.
(٨) في "طبقات" ابن سعد ٧/ ٣٢٠: وتجهَّمه.
[ ١١ / ١٣٤ ]
قال سالم مولى هشام وحاجبُه: فخرج زيد وهو يَفْتِلُ شارَبه [ويقول:] ما أَحَبَّ أحدٌ الحياة قطّ إلَّا ذَلَّ. ثم مضى، فكان وجهُه إلى الكوفة، فخرج بها. فأخبرتُ هشامًا بعد ذلك بما قال زيد يومَ خرجَ من عنده، فقال: ثكلَتْك أمُّك! ألا أخبرتَني بذلك قبل اليوم؟! وما كان دَينُه؟ قلت: خمس مئة ألف درهم. فقال هشام: إنَّ عطاءنا له ذلك أهونُ علينا ممَّا صارَ إليه (^١).
وقال عُمر بن شبَّة: لما دخلَ زيدٌ على هشام وكان يكرهُه، فقال له: بلغني أنك تذكرُ الخلافة وتتمنَّاها، ولستَ هناك. قال: ولمَ؟ قال: لأنك ابنُ أَمَة. فقال له زيد: ليس عند الله أعلى منزلةً من نبيّ ابتعثَه، وقد كان إسماعيلُ ﵇ ابنَ أَمَة، وخرجَ من ظهره سيِّدُ الأنبياء، وكان أخوه إسحاق ابنَ حُرَّة، فأخرجَ الله مِنْ ظهره من مَسَخَهُ خنازير وقردة. فقال هشام: اخرجْ. فخرج وهو يقول: واللهِ لا رأيتَني بعد اليوم إلَّا حيثُ تكره. فقال له سالم مولى هشام: يا أبا الحُسين (^٢)، لا يظهرنَّ هذا منك. وقال هشام: واللهِ لانبئنا خبر (^٣) قبل خلعه إيَّانا (^٤). فخرج إلى الكوفة فكان كما قال.
وقال هشام بن محمد: لمَّا أقام زيد بالكوفة جعلت الشيعة تختلف إليه ويقولون: إنَّا لنرجو أن تكون المهديّ (^٥)، وأنَّ اللهَ يُهلك بني أمية على يدك (^٦).
[وجعل] يوسف بن عمر يسألُ عنه، فيقال (^٧): هو ها هنا، فيرسل إليه [أن] (^٨) اخْرُجْ إلى المدينة. وهو يعتلُّ عليه.
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٧/ ٣٢٠. وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): أبا الحسن. وهو خطأ. وينظر الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٥ - ١٦٦، وبنحوه في "العقد الفريد" ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣ و٥/ ٨٩.
(٣) كذا في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها). وينظر التعليق التالي.
(٤) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٥: والله ليأتينَّك خلعُه أول شيء.
(٥) في "تاريخ" الطبري: المنصور، بدل: المهدي. وكذا في "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٦. والخبر فيه بنحوه.
(٦) في (خ): يديك، والمثبت من (ب) و(د)، والكلام ليس في (ص).
(٧) في (ب) و(خ) و(د): فقال. وهو تحريف.
(٨) الكلمتان بين حاصرتين زدتُهما لتمام السياق، ينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٦، والكلام فيه بنحوه.
[ ١١ / ١٣٥ ]
فأقام سبعة أو ثمانية أشهر، فبعثَ فأخرجَه، وبعثَ معه من أشخصَه إلى القادسية أو إلى العُذيب، فتبعَتْه الشيعة وقالوا: إلى أين تذهب ومعك منَّا مئة ألف مقاتل يضربون دونك بأسيافهم؟ فقال له داود بنُ علي: يا ابن عمّ، لا يَغُرَّنَّك هؤلاء من نفسك، فقد رأيتَ ما فعلوا بأهل بيتك، قد خلَّوا من كان أعزَّ عليهم منك؛ خذلُوا جدَّك عليًّا حتى قُتل، والحسنَ بعده، ثم قتلوا الحُسين وإخوته وأعمامَك، وسَبَوْا أهلَك، وإني خائف واللهِ إن رجعتَ معهم أن لا يكون عليك أشدَّ منهم (^١).
وقال عطاء بن مسلم: كتب هشام إلى يوسف أن أَشْخِصْ زيدًا إلى بلده، فإنه لا يقيمُ ببلد غيره فيدعوهم إلَّا أجابوه. فأشخَصَه، فلما كان في الثعلبية أو القادسية؛ لحقه المشائيم (^٢) -يعني أهل الكوفة- فردُّوه وبايعوه، فأتاه سَلَمةُ بنُ كُهيل، فقال له: كم بايع جدَّك منهم (^٣)؟ قال: أربعون ألفًا. قال: فكلم بايع عليًّا (^٤). قال: ثمانون ألفًا. قال: فكم معك (^٥)؟ قال: ثلاث مئة. قال: نشدتُك الله، أنتَ خير أم جذُك؟ قال: جذي. قال: فأنتَ خيرٌ أم أميرُ المؤمنين؟ قال: أمير المؤمنين (^٦). قال: أفَقَرْنُك الذي خرجتَ فيه خيرٌ أم القرنُ الذي خرج فيه جدُّك؟ قال: ذلك القرن. فقال: أتطمع أن يفيَ لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدِّك وبأبيه (^٧)؛! قال: فإنهم قد بايعوني، ووجبت البيعةُ في عنقي وأعناقهم. قال: أفتأذنُ لي أن أخرجَ من البلد؟ قال: ولمَ؟ قال: لأنني لا آمنُ أن يحدثَ في أمرك حَدَثٌ، فلا أملكُ نفسي. فأَذِنَ له، فخرج من البلد إلى اليمامة، وقُتل زيد بعد ذلك (^٨).
_________________
(١) ينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٨، ١٦٦ والكلام فيه من أكثر من رواية. وينظر "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٦.
(٢) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): المياشيم، والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٨.
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٨: كم بايعك (وهو الصواب) بدل قوله: كم بايع جدَّك منهم. وقد وقع للمختصر في هذا الخبر غير هذا الوهم، وسأشير إلى ذلك في موضعه.
(٤) في المصدر السابق: فكم بايع جدَّك. وهو الصواب.
(٥) في المصدر السابق: فكم حصل معه. وهو الصواب.
(٦) قوله: قال: فأنت خير أم أمير المؤمنين قال أمير المؤمنين. ليس في المصدر السابق. وذِكْرُ المصنِّف لعليٍّ ﵁ في هذه الرواية وهم.
(٧) قوله: وبأبيه، ليس في المصدر السابق. وينظر التعليق الذي قبله.
(٨) تاريخ الطبري ٧/ ١٦٨ - ١٦٩.
[ ١١ / ١٣٦ ]
وقيل: كتب هشام إلى يوسف بن عمر لما فصل عنه زيد: أما بعد، فقد قدم زيدُ بنُ عليّ الكوفة وهو رجلٌ لَسِنٌ قادرٌ على صناعة (^١) الكلام، واجتلاب القلوب بحلاوة لسانه وكثرة مخارجه في حُججه، وما يُدِلُّ (^٢) به عند لَدَدِ الخصام من السطوة على الخصم لنَيل (^٣) الفَلْج (^٤) بحجَّته، فأشْخِصْه عاجلًا إلى الحجاز، ولا تُمكِّنْه من المُقام (^٥) بالكوفة، فإنه إنْ أعاره أهلُها أسماعَهم، فحشاها من لين لفظه، وحلاوةِ منطقِه، مع ما يُدِلُّ (^٦) من القَرابة برسول الله ﷺ، وجَدَهم مائلين إليه غير متَّئدةٍ قلوبُهم، ولا ساكنةٍ أحلامُهم (^٧)، وحَقْنُ (^٨) دمائهم والأمنُ من الفُرقة أحبُّ إليَّ من سفك دمائهم، وتفريقِ الكلمة، وقطعِ السُّبُل، والجماعةُ حَبْلُ الله المتينُ وعروتُه الوُثْقى، فأَوْعِدْ أشرافَ المِصْرِ بالعقوبة واستصفاء الأموال، وأوْقِعْ بأهل السَّوَاد، فأولئك من يختار الفتنة، ولا يغرَّنَّكم (^٩) كثرتُهم، واجعل حصنك الذي تأوي إليه الثقةَ بالله، والمحاماةَ عن دينه (^١٠).
قال هشام: ورجع زيد من القادسية، فاختفى بالكوفة، وبايعَه خمسةَ عشرَ ألفًا، وبعث إلى أهل السَّوَاد، فبايعوه.
وتزوَّج امرأتين بالكوفة، إحداهما ابنة يعقوب بن عبد الله السُّلَمي، والثانية ابنة عبد الله [بن أبي العنبس] الأزدي، وأمُّها أمُّ عَمرو بنت الصَّلْت، كانت شيعيَّة، فبلغها مكانُ زيد، فأتت مُسَلِّمةً عليه، وكانت امرأة جميلةً إلَّا أنَّها قد أَسَنَّتْ، فسلَّمت على
_________________
(١) جاء في وصفه في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٩ أنه خليق بتمويه الكلام وصوغه.
(٢) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٩: يُدلي.
(٣) المثبت من المصدر السابق. ووقع رسم اللفظة في النسخ: ليشمال. ولم تتبيّن لي، ولعلها: لينال.
(٤) الفَلْجُ: الظَّفَر والفوز. ينظر "القاموس".
(٥) في (ج): القيام.
(٦) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٠: يُدلي به.
(٧) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): أخلاقهم. والمثبت من المصدر السابق.
(٨) في (خ) و(د): ويحقن دمائهم (كذا) والأمر من الفرقة … إلخ. وفي (ب): أو يحقن دماؤهم … والكلام ليس في (ص). وأثبتُ اللفظ مستفيدًا من عبارة "تاريخ" الطبري ٧/ ١٧٠.
(٩) في (خ): ولا يفرقكم. والمثبت من (ب) و(د). والكلام ليس في (ص).
(١٠) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٩ - ١٧٠ بنحوه أطول منه.
[ ١١ / ١٣٧ ]
زيد، فأعجبَتْه، فسألها أن يتزوَّجَها، فقالت: إني امرأة قد طعنتُ في السّنّ، فقال: وقد رضِيتُ. فقالت: أنا أعلمُ بنفسي، ولو كنتُ متزوِّجةً ما عدلتُ بك أحدًا، ولكن لي ابنةٌ هي أوسمُ منّي وأجمل. فتزوَّجَها، فأولدَها جارية، ثم توفيّت.
وكان زيد ينتقل من البصرة إلى الكوفة إلى السَّواد، ومرَّة ينزل الكوفة في دُور أصهاره الأزْديِّين والسُّلَميِّين والقبائل، فأقام من سنة عشرين حتى قُتل في سنة اثنين وعشرين ومئة، ويوسف بالحِيرة.
وكانت بيعتُه على كتاب الله، وسنَّة رسوله، وجهادِ الظالمين، والدَّفعِ عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، ونُصرة المظلومين، وما أشبه ذلك.
فأقام بضعةَ عشرَ شهرًا، وقيل: سنتين، ثم أمرَ أصحابه بالتهيؤ للخروج، فأقاموا يستعدُّون ويتأهَّبُون (^١).
وفيها غزا مروان بن محمد بلاد صاحبِ سريرِ الذهب، وبابَ الأبواب، فأخربَ بلاده، وفتحَ حصونَه، وأعطاه الجزية كلَّ سنة ستة آلاف (^٢) رأس، ومن الأموال ما لا يحصى (^٣).
وفيها أوفد يوسفُ بنُ عُمر خالدَ بنَ صفوان بن الأهتم على هشام بن عبد الملك، فوعظَه موعظةً بالغة.
قال خالد: قدمتُ على هشام وقد خرجَ بأهله وحَشَمِهِ، فنزل في أرض قاع صَحْصَاح (^٤) في عامٍ بَكَّرَ [وَسْمِيُّه، وتتابعَ وَلِيُّه (^٥)، وأخذتِ الأرضُ زُخْرُفَها من نُوَّارٍ (^٦)
_________________
(١) الخبر بنحوه في "تاريخ الطبري" ٧/ ١٧١ - ١٧٣ أطول منه. وينظر "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧. ومن قوله: واختلفوا في سبب خروجه على أقوال (قبل ست صفحات) إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٢) تكررت لفظة: آلاف، في (ص).
(٣) بنحوه في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٠، و"المنتظم" ٧/ ٢٠٧.
(٤) الصَّحْصَاح والصَّحْصَح: الأرض المستوية الواسعة.
(٥) الوَسْميُّ: مطر الربيع الأول، والوليُّ: المطر يسقط بعد المطر. ولفظة: وسميُّه، بين حاصرتين، من "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٦٤ (مصورة دار البشير)، و"المنتظم" ٧/ ٢١٥.
(٦) النُّوَّار: الزهر، وفي (د): نَوْر، وهما بمعنى.
[ ١١ / ١٣٨ ]
مُزْهِر، وربيعٍ مُونِق (^١)، فهو أحسنُ منظرًا في صعيد كأنَّ ترابَه قِطَعُ الكافور، وقد ضُرب له فُسطاط فيه أربعةُ فُرُش من خَزّ أحمر، وعليه دُرَّاعةٌ (^٢) حمراء، وعِمامةٌ حمراء من خَزّ، وقد أخذَ الناسُ مجالسَهم، فأخرجتُ رأسي من ناحية السِّماط (^٣)، فنظرَ إليَّ كالمستنطق لي، فقلت: أتمَّ اللهُ عليك النعمة، وألهمَك الشُّكْر، وجعلَ ما قَلَّدَك من هذا الأمر رَشَدًا، وعاقبةَ ما تؤولُ إليه حَمْدًا يُخلصُه لك بالتُّقَى، فيدومُ لك بغير كَدَر عليك فيه، فقد أصْبَحْتَ للمسلمين ثقةً، ومُستراحًا يستريحون إليك في أمورهم، فجعلني الله فداك، ولقد منَّ الله عليَّ بالنظر إليك، وما أجدُ يا أمير المؤمنين شيئًا هو أبلغ من حديثِ مَنْ سلفَ قبلَك من الملوك، ذلك هديَّة على ما أولى الله من الاجتماع بك، وكيف جعلني الله أهلًا لذلك (^٤)، فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يسمعَ مني ذلك أخبرتُه.
قال: وكان هشام متَّكئًا، فاستوى جالسًا وقال: هاتِ يا ابنَ الأهتم. فقلت: إن ملكًا ممَّن كان قبلك خرج في عام مثلِ عامِنا هذا إلى الخَوَرْنَق والسَّدِير (^٥)، فنظر فأبعد النظر، فقال لجلسائه: هل رأيتُم مثلَ ما أنا فيه؟ قال: وعنده رجلٌ من بقايا حَمَلَةِ الحُجَّة على أدب الله ومنهاجه، ولن تخلوَ الأرضُ من قائمٍ للهِ بحُجَّة.
وذكرَ ابنُ الأهتم الموعظة التي ذكرناها في باب ملوك الحِيرة، وأنَّ ملكَ الخَوَرْنق والسَّدِير تزهَّد. وأنشدَ أبياتَ عديّ بن زيد العِباديّ التي أوَّلها:
أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْـ … ــرِ أَأَنتَ المُخَلَّدُ المَوْفُورُ
_________________
(١) أي: يُعجبُ الناظرين إليه.
(٢) الدُّرَّاعة: جُبَّةٌ مشقوقة المقدَّم.
(٣) أي: الصَّفّ، أو ما يمُدُّ ليوضع عليه الطعام.
(٤) كذا وقعت سياقة الكلام من قوله: فجعلني الله فداك ولقد منَّ الله عليّ … إلى هذا الموضع في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها) وتنظر سياقتُه في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٦٤ (مصورة دار البشير)، و"المنتظم" ٧/ ٢١٦ فهي أولى.
(٥) الخَوَرْنق: قصر كان بظهر الحِيرة، أمر ببنائه النعمانُ بن امرئ القيس الأكبر، بناه له رجل من الروم يقال له: سِنِمَّار، وله معه قصة ومَثَل. والسَّدِير: نهر أو قصر قريب من الخَوَرْنق كان النعمان الأكبر اتخذه لبعض ملوك العجم، على أقوال. ينظر "معجم البلدان" ٢/ ٤٠١، و٣/ ٢٠١.
[ ١١ / ١٣٩ ]
قال: فبكى هشام حتى أخْضَلَ لحيتَه، وبلَّ عِمامتَه، وأمرَ بنزع آنيته، وانفرد عن أهله وحشمه، وعاد إلى مصره.
قال خالد: فاجتمع إليَّ حاشيتُه وخدمُه وقالوا: كدَّرْتَ على أمير المؤمنين لَذَّتَه، ونَغَّصْتَ عليه مأدُبتَه! فقلت: إليكم عنّي، فإني عاهدتُ الله أن لا أخلوَ بملكٍ إلَّا ذكَّرْتُه بأيَّام الله تعالى (^١).