فيها أعادَ هشام (^٦) ولاية خُراسان إلى خالد بن عبد الله القَسْريّ، فولَّاها أخاه أسد (^٧) بن عبد الله، وعزلَ عاصمَ بنَ عبد الله عنها.
وكان السببُ في ذلك أنَّ عاصمًا كتب إلى هشام: أمَّا بعد؛ فإن الرائد لا يكذبُ أهلَه، وقد سبق من أمير المؤمنين إليَّ ما أؤذي به حقَّه، وأُعزفُه وجهَ المصلحة، فإنَّ ذلك من واجب النصيحة. إنَّ خُراسان لا تصلح إلا لصاحب العراق، ليكونَ موادُّها من العراق، فإنَّ أمير المؤمنين بعيد عنها، وربَّما أبطأ الغِياث إليها. فقال بعض أصحاب عاصم: كأنّكم بأسد وقد أقبل.
فلمَّا قدم أسد، بعث الكُميتُ بنُ زيد الأسديّ إلى مَرْو بأبيات، منها:
_________________
(١) ينظر "تاريخ دمشق" ١٧/ ٥١٥. ولم ترد هذه الترجمة في (ص).
(٢) في (ص): حُيَيَّة. ولم أقف على من ذكر ذلك.
(٣) في (خ) و(د) و(ص): هشام. والمثبت من المصادر.
(٤) في (ص): ندخل.
(٥) ينظر خبره في "الشعر والشعراء"٢/ ٧٧٤، و"طبقات الشعراء" لابن المعتز ص ١٤٣، و"الأغاني ١٦/ ٣٠٧.
(٦) من هذا الموضع، وحتى قوله: وفيها حجَّ بالناس خالد بن عبد الملك (أواخر أحداث هذه السنة قبل ذكر من توفي فيها) ليس في (ص).
(٧) في (خ) و(د) (والكلام منهما): أسيد، وهو خطأ.
[ ١١ / ٥٤ ]
ألا أبْلِغْ جماعةَ أهل مَرْوٍ … على ما كان من نأْيٍ وبُعْدِ
رسالةَ ناصحٍ يُهدِي سلامًا … ويأمرُ في الذي ركبوا بِجِدِّ
فلا تَهِنوا ولا تَرْضَوْا بخَسْفٍ … ولا يَغْرُرْكُمُ أَسَدٌ بعهدِ
وكونوا كالبَغَايا إنْ خُدِعْتُمْ … وإنْ أقْرَرْتُمُ ضيمًا لوَغْدِ
وإلا فارفَعوا الراياتِ سُودًا … على أهلِ الضَّلالةِ والتَّعَدِّي
فكيفَ وأنتُمُ سبعون ألفًا … رَمَاكُمْ خالدٌ بشَبيهِ قِرْدِ
فمهلًا يا قُضَاعَ فلا تكوني … توابعَ لا أصولَ لها بنجدِ (^١)
وفيها وادعَ عاصمٌ الحارثَ الخارجي لمَّا بلغَه قدومُ أسد إلى خُراسان، وكتب عاصم بينه وبين الحارث كتابًا على أن ينزلَ الحارثُ أيَّ كُورةٍ شاء من خُراسان حتى يكتبوا إلى هشام يدعونه إلى كتاب الله وسنَّةِ رسوله، فإنْ أبى كانوا كلُّهم عليه، وأبي يحيى بن حُضَيْن أن يُوادع، وقال: هذا خَلْعٌ لأمير المؤمنين، ولم يختم على الكتاب مع مَنْ ختمَ، فقال خَلَف بن خليفة أبياتًا منها يخاطب يحيى بن حُضَين:
أبى همُّ قلبِك إلا اجتماعا … ويأْبَى رُقادُك إلا امتناعا
حَفِظْنا أُميَّةَ في مُلْكها … ونَخْطِرُ من دونها أنْ تُراعَي
نُدافعُ عنها وعن مُلكها … إذا لم نجد بيديها امتناعا
ومنَّا الذي سادَ (^٢) أهلَ العراقِ … ولو غابَ يحيى عن الثَّغْر ضاعا
على ابنِ سُرَيج نَقَضْنا الأمورَ … وقد كانَ أحْكَمَهما ما اسْتَطاعا
من أبيات.
وكان عاصم في قرية لكندة (^٣) بأعلى مَرْو، والحارث بقرية لبني العنبر، والتَقَوْا واقتتلُوا، فانهزم الحارث وأصحابه، وعظَّم الناسُ ما فعلَ يحيى بن الحُضَين.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ١٠٠.
(٢) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٠٢: شدَّ.
(٣) في (خ) و(د) (والكلام منهما): المده (؟)، والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ١٠٣، ولم ترد هذه اللفظة في عبارة "الكامل" ٥/ ١٨٧، فجاء فيه: بقرية بأعلى مَرْو.
[ ١١ / ٥٥ ]
وكتب أسد إلى أخيه خالد يخبره أنه هزمَ الحارث -وإنَّما كان أسد ببَيْهَق، ولم يشهد الوقعة- ويُخبره بأمر يحيى وما فعل، فأجازَ يحيى بعشرة آلاف دينار، ومئة حُلَّة.
وكانت ولاية عاصم على خُراسان سبعة أشهر، وقيل: سنة.
وقدم أسد وقد انصرف الحارث بن سُرَيج، فحبس عاصمًا وحاسبَه على ما أنفق من الأموال.
ووصل كتاب هشام إلى خالد يأمرُه أن يكتبَ كتابًا إلى أسد يطلب منه الحارث أينما كان، فكتبَ إليه، وكان الحارث بمَرْو الرُّوذ، فسار أسد إلى آمُل، وقدَّمَ بين يديه عبدَ الرحمن بن نُعيم الغامديّ (^١) في أهل الكوفة والشام.
وسار الحارثُ إلى التِّرْمِذ، فحصرَها وطال عليه الحصار، فتأخّر عن البلد خديعةً منه لأهله، فخرج أهلُ البلد، فعاد عليهم، فهزَمهم وقتل عدَّة من الفرسان، وسارَ إليه أسد، فنزل دون النهر، وخرج أهلُ التِّرمذ، فقاتلُوا الحارث فانهزم، وجاء أسد فنزل سمرقند، ثم قفل من سمرقند حتى نزلَ بَلْخ (^٢).
وفيها أخذ أسد جماعة من دعاة بني العباس، فقتل بعضَهم وحبسَ بعضًا، وكان فيهم سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، وغيرهم.
ولما جيء بهم إلى أسد قال: يا فُسَّاق ألم أنهكم وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] فقال له سليمان: نحن وإيَّاك كما قال الشاعر:
لو بغيرِ الماء حَلْقي شَرِقٌ … كنتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري
صِيدَتْ - واللهِ - العقارب على يدك لأنَّا أُناسٌ من قومك، وإنما رَفَعَتْ إليك هذه المُضَريَّة علينا لأنَّا كنَّا أشدَّ الناس على قُتيبة بن مسلم، فطلبوا أن يدركوا بثأرهم (^٣).
_________________
(١) في (خ) و(د) (والكلام منهما): العامري، والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ١٠٥.
(٢) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٠٦ - ١٠٧ مطوّل.
(٣) في (خ) و(د) (والكلام منهما): منازلهم، والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ١٠٨، و"الكامل" ٥/ ١٩٠.
[ ١١ / ٥٦ ]
فأمر بهم أسد إلى الحبس، وكان فيهم موسى بن كعب، وكان رأسًا في الشيعة، فأمر به فلُجم بلجام حمار، وجُذب حتى تحطَّمت أسنانُه، ثم كُسر أنفُه ووجهُه، وضربه ثلاث مئة سوط، ثم أَمر به ليُصلب، فشَفَعَ فيه الحسن بن زيد الأزديّ وقال: هو جاري وهو بريءٌ ممَّا قُذِفَ به، وكذا الآخرون. فخلَّى سبيلَهم، فلمَّا ظهر بنو العبَّاس تقدَّم عندهم موسى بنُ كدب، وكان يقول: لمَّا كان لنا أسنان لم يكن لنا خبز، فلما جاء الخبر. ذهبت الأسنان (^١).
و[فيها] حجَّ بالناس خالد بنُ عبد الملك بن الحارث بن الحَكَم بن أبي العاص -ويعرف بابن مَطِيرة- وهو أمير على المدينة، وكان على مكة والطائف محمد بن هشام المخزوميّ، وعلى العراق والمشوق خالد بن عبد الله، وأسدٌ نائبُه، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد (^٢).
وفيها توفي