وفيها سار مروان إلى الشام يطلب ثأر الوليد بن يزيد، وقيل: إنما قصد خلع إبراهيم بن الوليد والبيعةَ لنفسه.
وكان مروان مُقيمًا بحَرَّان وله الجزيرة وأرمينية وأذربيجان وإلى باب الأبواب. فسار في جند الجزيرة، وخلَّف ابنَه عبدَ الملك بحرَّان -وقيل: بالرَّقَّة- في أربعة آلاف (^٧)، فلما وصل إلى قِنَسْرين؛ كان بها بِشْر ومسرور ابنا الوليد، ويزيدُ بنُ عُمر بن هُبيرة في القَيسيَّة، فخرج إليه بِشْر ومسرور، فقَاتَلاه، فمالت القَيسيَّة إلى مروان ويزيد بن عمر بن هُبيرة (^٨)، وأسلموا بِشْرًا ومسرورًا إلى مروان، فحبسهما بعد أن فضَّ جمعهما.
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٥٤١.
(٢) في المصدر السابق ٧/ ٥٤٦: عبد العزيز بن عُمر بن عبد العزيز. وجاء في "تاريخ" خليفة ص ٣٧٠ (السنة ١٢٦) أن يزيد ولَّى عبد العزيز بن عبد الله بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان مكة والمدينة والطائف، ثم عزله وولَّاها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز.
(٣) أنساب الأشراف ٧/ ٥٤٦.
(٤) جاء ذكره في المصدر السابق ٧/ ٥٤٥ ضمن سياق خبر.
(٥) ذُكر في "تاريخ" خليفة ص ٣٦٩ في خبر ولاية إبراهيم أخي يزيد.
(٦) جاء في المصدر السابق ص ٣٧١ أن يزيد استقضى عثمان بن عمر التيمي على المدينة.
(٧) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٣٠٠: أربعين ألفًا.
(٨) عبارة الطبري: "ودعاهم مروان إلى مبايعته، فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية". اهـ. وبشر: هو أخو يزيد بن الوليد، كان قد ولَّاه يزيد قِنَسْرِين.
[ ١١ / ٣٢٤ ]
وخطب قبل لقائهما وقال. أمري مثلُ [أمر] معاوية حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، فانهضوا إلى هذا القَدَريّ الغَيلانيّ -يعني إبراهيم أخا يزيد- فإنهما ابتزَّا على الخلافة من غير مشورة من المسلمين ولا رِضًا، فإنَّ جهادَهم واجب. ولقد كنتُ على عزم أن أُجاهدَ أخاه القَدَريَّ الغَيلاني، فسبقَني أجلُه، وصار إلى نار تَلَظَّى، فإنَّه كان مبتدعًا ضالًّا (^١).
وكان مروان في ثلاثين ألفًا.
وقيل: إن بِشْرًا ومسرورًا كانا بدمشق، فبعث بهما أخوهما (^٢) إلى لقاء مروان في جمع كثير، فأسرهما، وغنمَ عسكرَهما، وقتلهما.
وقيل: اسمهما خالد والوليد (^٣).
وسار مع مروان أهلُ قِنَّسْرين وحمص (^٤). وكان أهل حمص قد امتنعوا من بيعة إبراهيم وعبد العزيز [بن الحجَّاج] فبعث إليهم إبراهيمُ عبدَ العزيز بنَ الحجَّاج في جند دمشق.
وأغذَّ مروان السير إلى حمص، فلما قرُبَ منها رحلَ عبدُ العزيز عنها، وخرج أهلُها إلى مروان، فبايعوه.
وجهَّزَ إبراهيمُ سليمانَ بنَ هشام بن عبد الملك في مئة ألف وعشرين ألفًا، فخرجَ على البِقاع، فنزل عين الجَرّ (^٥)، وأقبلَ مروانُ في ثمانين ألفًا، فنزل قريبًا من سليمان، وراسله في الكفِّ عن قتاله، وأن يُخَلُّوا عن الحَكَم وعثمان ابْنَي الوليد -وهما
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٥٤٨.
(٢) يعني إبرإهيم بن الوليد. وينظر المصدر السابق.
(٣) لم يُذكر الوليدُ من إخوة يزيد بن الوليد، فليس للوليد بن عبد الملك ولد اسمه الوليدُ، وجاء في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤١ أن خالدًا والوليد ابني يزيد قتلهما مروان حين أسرهما.
(٤) كذا في (خ) و(د) (والكلام منهما). والصواب: الجزيرة، بدل: حمص، كما في "تاريخ" الطبري ٧/ ٣٠٠. وبعد أن قرُب مروان من حمص، رحلَ عبد العزيز بن الحجاج عنها -كما سيرد- وسار مروان عندئذ بالجميع (أهل الجزيرة وقنسرين وحمص) يريد إبراهيم بن الوليد. ينظر أيضًا "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٨.
(٥) واسمها الآن: عنجر.
[ ١١ / ٣٢٥ ]
محبوسان في الخضراء بدمشق- وضَمِنَ مروانُ عنهما ألا يُؤاخِذَا مَنْ قتلَ أباهما [وألا] (^١) يطلبا أحدًا ممَّن تولَّى قَتْلَه، فأبى سليمان عليه، وقاتلَه أيَّامًا.
فلما كان في بعضها وقد اقتتلوا من حين ارتفاع النهار إلى العصر وقد استحرَّ القتل بينهما، وكثُرت الجراحات في الفريقين، وبين العسكرين نهرٌ جرَّارٌ -وهو الذي يجري في البِقاع بين جبلين- فرتَّب مروان جماعةً من أصحابه وقال: ارتفعوا عنا ناحية الجبل، فاقطعُوا الأشجار، واعملُوا جسورًا واعبُرُوا عليها. وكانوا عَشَرَة آلاف، ففعلوا ذلك، وقطعوا النهر، فلم يشعر بهم سليمانُ إلا وقد خالطُوا عسكرَه وهو مشغول بالقتال من ناحية النهر، فانكسروا وانهزموا إلى دمشق، وقُتل منهم نحو من ثمانية عشر ألفًا، وأُسر مثلُهم، وغنمَ مروانُ ما في عسكرهم، وأخذَ البيعةَ للحَكَم وعثمان على الأُسارى، وأعطى كل واحد منهم دينارًا دينارًا (^٢).
وكان في جملة المنهزمين إلى دمشق مع سليمان يزيدُ بنُ خالد بن عبد الله القَسْريّ، وأصبحوا بدمشق، وسار مروان في إثرهم. فلما قرب من دمشق؛ اجتمع الذين باشروا قتل الوليد إلى إبراهيم وعبد العزيز ويزيد بن خالد، وقالوا: إن بقيَ الغلامانِ في الحبس حتى يَقْدَمَ مروان ويصيرَ الأمر لهما؛ لم يستبقيا أحدًا من قَتَلَةِ أبيهما، فالرأُيُ أن نقتلَهما. وولَّوْا ذلك يزيدَ بنَ خالد القَسْريَّ (^٣).
وكان معهما في الحبس أبو محمد السُّفياني، ويوسفُ بنُ عمر، فأرسل يزيدُ بن خالد مولًى له يُكنى أبا الأسد في عِدَّة من أصحابه، فدخلَ السجن، فشدخَ الغلامَين بالعُمُد، وأخرجَ يوسفَ بنَ عمر، فضربَ عنقَه، وقصدُوا السفيانيَّ ليقتلوه، فدخل بيتًا صغيرًا، وأغلق بابَه، وألقى عليه الوسائد، واعتمد على الباب، فلم يقدروا على فتحه،
_________________
(١) ما بين حاصرتين من "تاريخ" الطبري ٧/ ٣٠١.
(٢) الخبر في "تاريخ" الطبري ٧/ ٣٠١ مع اختلاف في الأرقام الواردة فيه.
(٣) المصدر السابق ٧/ ٣٠١ - ٣٠٢، وتاريخ دمشق ٥/ ٢٤٠ - ٢٤١ (مصورة دار البشير- ترجمة الحكم بن الوليد). وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٩، و"تاريخ دمشق" ٤٧/ ٤٠ - ٤١ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة عثمان بن الوليد).
[ ١١ / ٣٢٦ ]
فدَعَوْا بنار ليُحرقوه، فلم يُؤْتَوْا بها، حتى قيل: قد داخلت خيلُ مروان دمشق، فهربَ إبراهيم، ونهبَ سليمانُ بيتَ المال، وقسَّمه في الجُند، وخرج هاربًا (^١).
وثارَ مَن بدمشق من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجَّاج، فنهبوها -وقيل: إنهم قتلُوه بها- ونبشُوا [قبر] يزيد بن الوليد، وصلبُوه على باب الجابية (^٢).
ودخل مروان دمشقَ، وجيء بالغلامَين مقتولَين مشدوخَين، فأمر بدفنهما، وأُتيَ بالسُّفياني يَرْسُفُ في قيوده، فسلَّم على مروان بإمرة المؤمنين -وهو يومئذ يُسَلَّم عليه بالإمرة- فقال له: مَهْ، ما هذا؟ قال: إن الحَكَم وعثمان جعلاها لك بعدَهما، وأنشدَه شعرًا قاله الحَكَم في السجن، وهو:
ألا مَن مُبْلِغٌ مروانَ عنِّي … وعَمِّي الغَمْرَ طال بِذا حَنِينا
بأنّي قد ظُلِمْتُ وصارَ قومي … على قَتْلِ الوليدِ مُشايعينا
أيذهب كلُّهم بدمي ومالي … فلا غَثًا أُصِيبُ (^٣) ولاسَمِينا
ومروانٌ بأرضِ بني نِزارٍ … كليثِ الغابِ مفترشٌ عَرِينا
ألا يَحْزُنْك قتلُ فتى قريشٍ … وشَقُّهُمُ عِصِيَّ المسلمينا
ألا واقْرَ السلامَ على قُريشٍ … وسكانِ الجزيرةِ أجمعينا
وسارَ (^٤) الناقصُ القَدَريُّ فينا … وألقَى الحَرْبَ بين بني أبينا
أتُنْكَثُ بَيعَتي من أجلِ أُمِّي … فَقْد بايَعْتُمُ قَبْلي هَجِينا
ولو شَهِدَ الفوارسُ من سُلَيمٍ … وكعبٍ لم أكُنْ لهُمُ رَهِينا
فليتَ خَؤُولتي في غير كلبٍ … وكانت في ولادتهم حزينا (^٥)
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ٣٠٢. ومن قوله: يطلبُ ثأر الوليد بن يزيد (أوّل أحداث هذه السنة) … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٢) تاريخ الطبري ٧/ ٣١١ وما سلف بين حاصرتين منه. ولفظ (ص): "وثار من دمشق من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فنهبوها، ونبشوا يزيد بن الوليد، وقيل: إنهم قتلوا عبد العزيز بها وصلبوه على باب الجابية".
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٣١١، و"الكامل" ٥/ ٣٢٣: أصبتُ.
(٤) في "تاريخ" الطبري: وساد.
(٥) في المصدر السابق: وكانت في ولادة آخرينا.
[ ١١ / ٣٢٧ ]
فإنْ أَهْلِكْ أنا ووَلِيُّ عَهْدي … فمروانٌ أميرُ المؤمنينا
وكان الحَكَم ابنَ أَمَة، ويزيدُ الناقصُ ابنَ أمة، وقد بايعوه.
فلما أنشده السُّفياني الشِّعر؛ قال له: مُدَّ يَدَك. فبايَعَه، وبايعَه الناس.
وجيء بيزيد بن خالد، وعبد العزيز بنِ الحجَّاج، فصلَبَهما على باب الجابية بالحَكَم وعثمان (^١).
وطلبَ إبراهيمُ بنُ الوليد وسليمانُ بنُ هشام منه الأمانَ، فأمَّنَهُما، وحضرا فبايعاه.
وقيل: بعد انفصاله من دمشق طلب منه إبراهيم وسليمان الأمان، فأمَّنَهما، وكان سليمان بتدمر فيمن معه من إخوته ومواليه وأهله، فقدموا عليه، فبايعوه، وأحسنَ إليهم (^٢).
وانقضت أيام إبراهيم، وكانت سبعين يومًا، وقيل: أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل: تسعين ليلة، وقيل: أربعين، والأوَّل أصحّ (^٣).
وقُتل إبراهيم يومَ الزَّاب مع مروان، قتلَه أبو عون، وقيل: غرق في الزَّاب. وقيل: قتلَه مروان قبل الزَّاب. وقيل: قتلَه عبد الله بنُ عليّ (^٤).
وكان أبيضَ جميلًا مقبولَ الصورة، سمع الزُّهْريَّ وغيرَه (^٥).
وكان حاجبُه وَرْدان مولاه، وقاضيه عثمان بن عمر التيمي، ونَقْشُ خاتمه: إبراهيم يثقُ بالله (^٦).
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٥٥٠.
(٢) تاريخ الطبري ٧/ ٣١٢.
(٣) أنساب الأشراف ٧/ ٥٥٠، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٩٩. وينظر "تاريخ دمشق" ٢/ ٥٥٨ - ٥٥٩ (مصورة دار البشير).
(٤) ينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٥٠، و"مروج الذهب" ٦/ ٣٢، و"وفيات الأعيان" ١/ ٤٤٣، و"تاريخ دمشق" ٢/ ٥٥٧ (مصورة دار البشير).
(٥) تاريخ دمشق ٢/ ٥٥٧ و٥٥٨.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٥٥٨. وجاء في "صبح الأعشى" ٦/ ٣٥٤ أن نقش خاتمه: توكلت على الحي القيوم. ومن قوله: ودخل مروان دمشق وجيء بالغلامين (قبل الأبيات) … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
[ ١١ / ٣٢٨ ]