فيها تزوَّج الجُنَيدُ الفاضلةَ ابنةَ المهلَّب بن أبي صُفْرة، وبلغ هشامًا فغضب، وعزله، وولَّى عاصمَ بنَ عبد الله بن يزيد الهلالي على خُراسان، وقال له: إنْ أدركتَه حيًّا فأزْهِقْ نفسَه.
فقدم عاصمٌ خُراسان وقد مات الجُنَيد، وكان بالجُنَيد مرض البَطَن.
دخل عليه جَبَلَة بن أبي روَّاد عائدًا، فقال له: يا جَبَلَة، ما يقول الناس؟ قال: يتوجَّعون للأمير. فقال له: ليس عن هذا أسألُك. وأشارَ بيده نحو الشام. فقال: يقولون: يقدَمُ على خُراسان يزيد بن شجرة الرُّهاوي. فقال: ذاك سيِّدُ أهلِ الشام. قال: ومَنْ؟ قال: عاصم الهلالي. فقال: لا مرحبًا به ولا أهلًا، إنه عدوّ جاهل (^٢). ومات قبل قدومه.
وفيها كانت الحرب بين الحارث بن سُرَيج (^٣) وبين عاصم وأهلِ خُراسان، وخلع الحارثُ هشامَ بنَ عبد الملك، ودعا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ والرضى من آل محمد ﷺ، وقصدَ مدينةَ بَلْخ وبها نصر بن سيَّار، فلَّما وصل إلى قنطرة عطاء- وهي
_________________
(١) ينظر "تاريخ دمشق" ٥٤/ ٢٧٠ - ٢٧١، و"المنتظم" ٧/ ١٦٨.
(٢) في "تاريخ" الطبري: جاهد. والكلام فيه ٧/ ٩٣.
(٣) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): شُريح، وهو خطأ. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٤. وذكره ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" ٥/ ٣٢٧ وقال: صاحب الحروب والفتن … حدَّث شعبة عن زياد بن علاقة، عن عرفجة، أن النبي ﷺ قال: "من خرج على أمتي وهم جميع يريد أن يفرّق بينهم، فاقتلوه كائنًا من كان". قال شعبة: كنت سمعت خالد بن سلمة المخزومي يحدّث ذلك عن زياد بن علاقة حين خرج ابن سُريج بخراسان ويلعن ابنَ سُريج.
[ ١١ / ٤٢ ]
على نهر بَلْخ مقدارَ فرسخين من المدينة- خرج إليه نصر بن سيَّار في عشرة آلاف، وكان الحارثُ في أربعة آلاف، فدعاهم [الحارث] إلى كتاب الله والبيعة للرضى، فناداه قطن بن عبد الله (^١) الباهليّ: يا حارث، أنت تدعو إلى كتاب الله والسنة؟! واللهِ لو أنَّ جبريلَ عن يمينك، وميكائيل عن يَسارك ما أجبتك. وقاتَلَهم الحارثُ، فأصابت قطن نشابة في عينه، فوقعَ، فكانَ أوَّلَ قتيل.
وانهزم نصرُ بنُ سَيَّار إلى بَلْخ، وأتبعَه الحارثُ حتَّى دخَلها، وخرج نصر من باب آخر، وأمر الحارثُ بالكفِّ عنهم.
ومر أعرابيٌّ بنساء يبكين، وواحدة منهن تقول: يا أبتاه! ليتَ شِعري! مَنْ دهاك؟ فقال: مَنْ هذه؟ قالوا (^٢): بنتُ قَطَن. فقال لها: أنا دَهَيتُ أباك.
وكان على شرطة بَلْخ رجلٌ يقال له: المجتبى (^٣) بن ضُبيعة، وكان قد ضرب الحارثَ بنَ سُريج أربعين سوطًا في إمرة الجُنيد، فحبسه الحارث، فجاء رجل من بني حنيفة، فادَّعَى على المجتبى أنَّه قتلَ أخاه بهَرَاة، فدفعه الحارثُ إليه، فقال: أنا أفدي نفسي منك بمئة ألف درهم. فلم يقبل، وقتلَه.
واستولى الحارث على بَلْخ، والجُوزْجان، والفارياب، والطالقان، ومَرْو الرُّوذ. وشاورَ أصحابَه في قصد مَرْو، فقالُوا: لا تفعل، فإن مَرْو بيضة خُراسان، وبها الفرسان، وليس لك بهم طاقة، فأقم هنا، فإنْ جاؤوا إليك فقاتِلْهم، وإلا فاقطعْ عنهم المادة.
فسار فنزل الجُوزْجان، وقال أهلُ مَرْو: إنْ مضى إلى أبْرَشَهر ولم يأتنا فرَّقَ جماعتَنا، وإنْ أتانا نُكبِ. وكاتبَه جماعة منهم، وبلغ عاصمًا، فأجمع على الخروج من مَرْو وقال: يا أهل خُراسان، قد بايعتُم الحارث ولا يقصدُ بلدًا إلا أخليتُموها له، أنا لاحقٌ بأبرشهر، وأُكاتبُ أميرَ المؤمنين منها حتَّى يُمِدَّني من الشام بعشرة آلاف. فحلفَ له أعيانُ القبائل إنهم لا يُفارقونه حتَّى يموتوا إنْ بذلَ المال، فقال: نعم.
_________________
(١) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٥: عبد الرحمن، بدل: عبد الله.
(٢) في (ب): قالوا له.
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٥: التجيبي. وكذا في الموضع التالي.
[ ١١ / ٤٣ ]
وأقبل الحارث إلى مَرْو في ستين ألفًا ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم محمد بن المثنَّى، وحمَّاد بنُ عامر الحِمَّاني، وداود الأعسر، وغيرُهم، وعدَّةٌ من ملوك الطالقان والدَّهاقين.
وخرج عاصم، فعسكر بأهل مَرْو بجياسر (^١) عند البيعة، وأعطى الجُند دينارًا دينارًا، وخمسةَ دراهم (^٢)، فخفَّ عنه الناس، فأعطى كلَّ واحد ثلاثة دنانير.
ثم التقَوْا فمال محمد بنُ المثنى برايته إلى عاصم في ألفين، فأتى الأزدَ، وفعل كذلك حمَّاد بن عامر وداود الأعسر وغيرهم، واقتتلُوا، فانهزم أصحابُ الحارث، وغرق منهم بشرٌ كثير في أنهار مَرْو وفي النهر الأعظم، ومضت الدَّهاقين إلى بلادها.
وثبت الحارث في بعض الجيش، فبعث إليه عاصم جماعةً، منهم مقاتل بن حبَّان النَّبطي يسألُه ماذا يريد، فلما رآهم الحارثُ بعثَ إليهم محمد بنَ مسلمة (^٣) العنبريّ وحدَه، فقال: إنَّ الحارث وإخوانكم يُقرؤونكم السلام، ويقولون: قد عطشنا وعطشَتْ دوابنا، فدعُونا ننزلِ الليلةَ وتختلفِ الرسل فيما بيننا ونتناظر، فإنْ وافقتمونا على الَّذي نُريد وتريدون (^٤)، وإلا كنتم وراء أمركم. فأبَوْا عليه، فقال مقاتل بنُ حيان: يا أهل خُراسان إنَّا كنَّا بمنزلة أهل بيت واحد، ويدُنا واحدة، وقد أنكَرْنا صنعَ صاحبكم، يوجِّهُ إليه أميرنا عاصم الفقهاءَ والقرَّاء من أصحابه، ويوجِّهُ صاحبُكم -يعني الحارث- رجلًا واحدًا! فقال محمد: إنَّما أتيتُكم مبلِّغًا، الرجلُ يطلبُ كتابَ الله وسنَّةَ نبيِّه ﷺ والعملَ بهما، وسيأتيكم ما تطلبون من الغد.
فلما انتصف (الليل) سار الحارث إلى عاصم، وبلغ عاصمًا، فسارَ إليه، فالتَقَوْا، فاقتتلُوا قتالًا شديدًا، فقُتل من الفريقين مئة، وظهر عاصم على الحارث، فسار الحارث، فقطع وادي مرو (^٥)، واجتمع إليه زُهاءُ ثلاثة آلاف، ولو ألحَّ عليه عاصم لأهلكه.
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): بجيارس. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٦. وذكر ياقوت جياسر في "معجم البلدان" ٢/ ١٩٥ وقال: من قرى مرو.
(٢) قوله: وخمسة دراهم، ليس في "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٧.
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٧: مسلم.
(٤) في المصدر السابق: فإن وافقناكم على الَّذي تريدون …
(٥) في (ب) و(خ): نهر مرو. والمثبت من (د)، وهو موافق لما في "تاريخ" الطبري ٧/ ٩٨.
[ ١١ / ٤٤ ]
وبعث إليه عاصم يقول: إني أرُدُّ عليك ما أصبتُ منك ومن أصحابك (^١) على أن ترتحلَ عنَّا. ففعل (^٢).
وحجَّ بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك وحمل معه (^٣) الخمور والملاهي والكلاب، وأراد أن يشرب بمكة.
وكانت الولاة في هذه السنة على ما كانوا عليه إلا خُراسان، فإنه كان عليها عاصم بن عبد الله الهلالي (^٤).
وفيها توفي