ابن مروان، ذكره ابن سُميع في الطبقة الرابعة (^٧) من أهل الشام (^٨)، وكنيتُه أبو العبَّاس.
_________________
(١) في (ص): هطلت.
(٢) الخبر في "العقد الفريد" ٢/ ١٨٣ - ١٨٤ بأطول منه، وثمة رواية أخرى في "الأغاني" ١٧/ ٦ - ٧ فيها أن الذي شفع للكُميت عند هشام ابنُه مسلمة. أبو شاكر.
(٣) في (ص): وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن معاذ الهرَّاء. ولم أقف عليه عند ابن عساكر، ولعله وهم، وسبق مثل هذا الوهم في (ص). وذكر الخبر أبو الفرج الأصبهاني في "الأغاني" ١٧/ ٣٣، وابن الجوزي في "المنتظم" ٧/ ٢٥٦.
(٤) عبارة (ص): "وشعره خمسة آلاف بيت وزيادة. واختلفوا في الزيادة، فقيل: مئة وتسعة وثمانون بيتًا وقيل: ومئتا بيت وتسعة وثمانون بيتًا". اهـ. والذي في "الأغاني" ١٧/ ٤٠، و"تاريخ دمشق" ٥٩/ ٤٨٠، و"المنتظم" ٧/ ٢٥٦ أنها خمسة آلاف ومئتان وتسعة وثمانون بيتًا. ولم أقف على من قال غير ذلك.
(٥) في (خ): بلاد، بدل: زمان. والمثبت من (د) و(ص).
(٦) تاريخ دمشق ٦٧/ ٧٧. ورواية خبره في "الأغاني" ١٧/ ٢٦ مع أبي جعفر المنصور.
(٧) في (خ) و(د): وهو من الطبقة الرابعة، والمثبت من (ص) ولفظ: "وفيها قتل" بين حاصرتين منها.
(٨) تاريخ دمشق ١٧/ ٩٢١ (مصورة دار البشير).
[ ١١ / ٢٨٦ ]
ولد سنة تسعين بدمشق، وقيل. سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة سبع وثمانين.
وكان يزيد عَقَدَ له العهد بعد [أخيه] هشام وكان ابنَ إحدى عشرة سنة، فلما بلغَ أرادَ أن يقدِّمه على [أخيه] هشام؛ فتوفّي يزيد وابنه الوليد ابنُ خمسَ عشرةَ سنة، ولم يزل هشام معظّمًا للوليد حتى ظهرَ منه ما ظهر من شُرب الخمر، واتِّخاذ القِيان، وغير ذلك.
[فحكى الطبري عن جُويرية بن أسماء أن الوليد (^١) لمَّا ظهر منه ما ظهر] أراد هشام أن يقطع عنه الندماء، فولَّاه الحج سنة عشر ومئة (^٢)، فحمل معه كلابًا وخمرًا في الصناديق، وحمل معه [في الصناديق] قُبَّة على قَدْر الكعبة، وأراد أن يَنصبَها على الكعبة ويجلس فيها، فخوَّفَه أصحابُه وقالوا: لا نأمنُ عليك الناسَ وعلينا معك. فتركها.
وظهر منه استخفافٌ بالدِّين وتهاونٌ، وبلغَ ذلك هشامًا، فعزم على خلعه، وأن يعهد إلى ابنِه مَسْلَمة بن هشام، فأرادَه على أن يخلَع نفسه، فأبى، فأراده أن يجعلَ ابنه مسلمة بعدَه، فأبى، فتنكَّر له هشام وأضرَّ به، وعملَ في السّرِّ في خلعه وتولية ابنه [مَسْلَمة، ووافقَه على ذلك جماعة، منهم محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومي] (^٣).
وتمادى الوليد في شُرب الخمر والاستهتار واللعب، فقال له هشام: ويحك (^٤) يا وليد، واللهِ ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا، لا تدع (^٥) شيئًا من المنكر إلا تأتيه غير متحاشٍ ولا مستتر.
_________________
(١) في (ص) والكلام منها (وهو ما بين حاصرتين): عن جُويرية بن أسماء، عن عبد الصمد بن عبد الأعلى أخي عبد الله بن عبد الأعلى مؤدّب الوليد أن الوليد. . . إلخ. وذِكْرُ عبد الصمد في الإسناد وهمٌ. ينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠٩.
(٢) كذا في النسخ، وسيرد كذلك قريبًا في فقرة حديث القُبَّة أن ذلك كان سنة عشرٍ ومئة، وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٠٩ (والكلام منه) أَن ذلك كان سنة تسع عشرة ومئة، وجاء في "الكامل" ٥/ ٢٦٤ أنه سنة: ستَّ عشرة ومئة، وسلف كذلك في ترجمة هشام (فقرة ذكر وفاته) أنه سنة ستَّ عشرة ومئة. ولعل ما جاء في "تاريخ" الطبري وهم، فقد جاء فيه بعده أن هشامًا وليَّ ابنه مسلمة الموسم سنة تسع عشرة ومئة وسيرد هنا بعده.
(٣) الكلام بين حاصرتين من (ص).
(٤) في (خ): ويلك. والمثبت من (د) و(ص)، وهو موافق لما وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٠ (والكلام منه).
(٥) في (ص): ما تدع.
[ ١١ / ٢٨٧ ]
فلم يُجبه الوليد، وقام من عنده، وكتب إليه:
يا أيها السائل عن ديننا … [دينى على دين أبي شاكرِ]
[وذكر البيت الثاني (^١).
فغضب هشام وقال: أرشِّحُك للخلافة، ويعيِّرني بك الوليد! فالزم الجماعة والأدب.
وولَّاه الموسم سنة تسع عشرة ومئة، فحجَّ وأظهر التنسُّك، وفرَّق في الحرمين أموالًا كثيرة، فقال بعض أهل المدينة، أو بعض مواليهم:
يا أيها السائلُ عن ديننا … نحن على دين أبي شاكرِ
وقد ذكرنا البيت الثاني] (^٢).
وأقامَ الوليد بالبرِّيَّة حتى مات هشام ووليَ الخلافةَ، وأوقعَ بأولاد هشام وحاشيته، واستصفى أموالهم إلا [ما كان من] مسلمة بن هشام، فإنه لم يعرض (^٣) له؛ لأنه كان يكلِّم أباه في الرِّفق به.
وقال الوليد [هذه الأبيات]:
ليتَ هشامًا عاشَ حتى يَرَى … مِكْيَالهُ (^٤) الأوْفَرَ قد أُتْرِعا
كِلْناهُ بالصَّاعِ الذي كالهُ … وما ظَلَمْناهُ بهِ إصبَعا
_________________
(١) والبيت الثاني: نشربها صِرْفًا وممزوجةً … بالسُّخْنِ أحيانًا وبالفاترِ وهو في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٠. وسلفت القصة بنحوها في ذكر معاوية ومَسْلَمة ابني هشام في ترجمة هشام (فقرة ذكر أولاده) في السنة (١٢٥) والكلام الواقع بين حاصرتين أعلاه من (ص). وجاء في (خ) و(د) الشطر الأول للبيت، وبعده قوله: البيتين.
(٢) وهو: الواهِبِ الجُرْدَ بأرسانها … ليس بزنديق ولا كافرِ يعرِّض بالوليد. والكلام في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢١٠. وما بين حاصرتين من (ص). وسلف الكلام في ذكر مسلمة بن هشام (في ترجمة هشام- فقرة ذكر أولاده) وينظر "الأغاني" ٧/ ٢ - ٤.
(٣) في (ص): يتعرّض.
(٤) في "تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٢٤: مِحْلَبَه. قال ابن عساكر: معناه الإناء الذي يحلب فيه.
[ ١١ / ٢٨٨ ]
وما أتَينا ذاكَ عن بِدْعةٍ … أَحَلَّهُ القرآنُ لي أجْمَعَا (^١)
ولما دخلت سنة ستٍّ وعشرين ومئة زادَ فسادُ الوليد على الحدّ.
[فروى هشام بن الكلبيّ عن أبيه قال:] كان [فاسقًا] سيِّئ الاعتقاد، مستهترًا بأمور الدين، مجتهدًا في هدم قواعد الإسلام، لم يُبقِ قبيحًا إلا ارتكبَه.
ومن شعره:
تلاعبَ بالبريَّةِ (^٢) هاشميٌّ … بلا وَحْيٍ أتاهُ ولا كتابِ
فقُلْ للهِ يمنعُني طعامي … وقُل للهِ يمنعُني شرابي
يُذكِّرُني الحسابَ ولستُ أدري … أحقًّا ما يقولُ من الحسابِ (^٣)
وكان يأمرُ المُغَنِّين يغنون بهذا.
[قال الواقدي:] وابتلاه الله بثلاثة وثلاثين علَّةً، أيسرُها أنه كان يبولُ من سُرَّته، ثم قُتل القِتْلَةَ الشَّنيعة. [قال المبرِّد:] وكان ألحد في شعره، فلم يلبث إلا أيامًا حتى قُتل (^٤).
وذكر أبو القاسم الحافظ في "تاريخه" عن صالح بن سليمان (^٥) قال: حجَّ الوليد بن يزيد، فأراد أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، فهمَّ قومٌ أن يقتلوه، وجاؤوا إلى خالد بن عبد الله القَسْريّ -وكان على مكة- وقالوا: كن معنا، فأبى، وأخبر الوليدَ وقال له: لا تَخْرُجْ، فإنهم قاتلوك، فقال: أخبرني مَنْ هم؟ قال: عاهدتُهم ألا أُخبرَك بهم. فلما وليَ (^٦) الوليد، سلَّم خالدًا إلى يوسف بن عمر (^٧)، فعذَّبه حتى قتلَه.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ٢١٥ - ٢١٦. والأبيات في "الأغاني" ٧/ ١٨ والمصدر السابق.
(٢) في "مروج الذهب" ٦/ ١١: تلعَّب بالخلافة. (وفيه هذا البيت والذي يليه).
(٣) لم يرد البيتان الثاني والثالث في (ص).
(٤) نقله المسعودي في "مروج الذهب" ٦/ ١١ عن المبرِّد بعد إيراده البيتين الأول والثاني من الأبيات السالفة. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٥) في (خ) و(د): وقال صالح بن سليمان. والمثبت من (ص).
(٦) في (خ): جاء. والمثبت من (د) و(ص).
(٧) العبارة في "تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٢٩ (مصورة دار البشير) والخبر منه: قال الوليد: إن لم تخبرني بهم بعثتُ بك إلى يوسف. قال: فبعث به إلى يوسف بن عمر. . . إلخ.
[ ١١ / ٢٨٩ ]
[حديث القبَّة التي صنعها الوليد لينصبها على الكعبة:
قد ذكر الطبريُّ وغيره طرفًا من حديثها، وأنه أراد أن ينصبها على ظهر الكعبة في سنة عشر ومئة لما حجَّ.
وذكر الواقديُّ أنه صنع قبَّةً أخرى لمَّا وليَ الخلافة.
فحكى الواقدي عن أبي الزِّناد قال: كان الوليد بن يزيد قد اتخذ قُبَّةً من ساج ليجعلها مقابل الكعبة].
وذكر جدَّي في "المنتظم" فقال بإسناده عن أصبغ بن الفرج، سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة يُحدِّث (^١) أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، صنع قُبَّةً ليجعلَها مقابل الكعبة، ويطوفَ هو ومن يريدُ فيها، ويطوفَ الناسُ من ورائها، وكان قصدُه خبيثًا، وربَّما شرب الخمر فيها.
وبعث بها من الشام على الإبل، وأرسل معها قائدًا في ألف فارس، وبعث معه مالًا وثيابًا يفرَّق في أهل الحرمين.
فقدِمَ القائد المدينة، ونصبَ القُبَّة في مصلى المدينة، فأفزعَ أهلُ المدينة ذلك، وجاؤوا إلى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف الزُّهْري -وكان قاضيًا على المدينة- فأخبروه، فغضب وقال: أحْرِقُوها. فقالوا: معها ألفُ فارس. فدعا بدِرْعِهِ الذي شهد فيه جدُّه عبد الرحمن بنُ عوف ﵁ بَدْرًا، فلبسَه، وركب فرسه، فما تخلَّف عنه قرشيٌّ ولا أنصاريٌّ وبيده شُعلةٌ من نار، فجاء إلى القُبَّة، فأحرقَها، وانهزمَ القائدُ إلى الشام، وشبع [عبيد] أهل المدينة من النَّاطف (^٢) ممَّا أخذوا من حديدها.
وبلغ الوليدَ، فكتبَ إلى سعد بن إبراهيم: ولِّ القضاءَ مَنْ شئتَ، واقْدَمْ علينا. فقدم الشام، فأقامَ بباب الوليد شهرًا لا يصلُ إليه حتى نَفَدَتْ نفقتُه.
فبينا هو ذات عشيَّة في المسجد؛ إذا بفتًى في مُلاءة صفراء سكران، فقال: من هذا؟ قالوا: خالُ الوليد بن يزيد. فقام سعد وأخذ السَّوطَ، فضربَ به الأرضَ، وحدَّه حدَّ الخمر، وركب راحلته، وكرَّ راجعًا إلى المدينة.
_________________
(١) الخبر في "المنتظم" ١/ ٢٣٧ بغير الإسناد المذكور أعلاه. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٢) الناطف: ضربٌ من الحلوى يصنع من اللوز والجوز والفستق. ولفظة "عبيد" السالفة بين حاصرتين من "المنتظم" ٧/ ٢٣٨. والخبرُ منه، وهو أيضًا في "أخبار القضاة" ١/ ١٦١ - ١٦٢.
[ ١١ / ٢٩٠ ]
ودخل الفتى على الوليد وهو مجهود فقال: من فعل به هذا؟ قالوا: سعد. فقال الوليد: عليَّ به. فلحقوه، فردُّوه من مرحلة. فلما دخل على الوليد قال له: يا أبا إسحاق، لِمَ فعلتَ هذا بابن أخيك؟ فقال: إنك ولَّيتَني أمرًا فرأيتُ منكرًا يجبُ فيه إقامةُ الحدّ [فأنكرتُه] فأقمتُه، وجدتُه سكرانًا في المسجد، وفيه الوفود ووجوهُ الناس، فخفتُ أن ينصرف عنك الناس بتعطيلك (^١) حدود الله. فقال: جزاك الله خيرًا. وأمرَ له بمال، ولم يذكر له حديثَ القُبَّة (^٢).
وقال الهيثم: لما أعلنَ الوليدُ بالفسق؛ عزم هشام على خلعه، فكتبَ إليه الوليد:
خُذُوا مُلْكَكُمْ لا ثَبَّتَ اللهُ مُلْكَكُمْ … ثَباتًا يُساوي ما حَيِيتُ قِبالا (^٣)
ذَرُوا ليَ سَلْمَى والطِّلاءَ وقَينَةً … وكأسًا ألا حَسْبي بذلك مالا (^٤)
إذا ما صَفَا عيشي بكأسٍ رَوَّيةٍ (^٥) … وعانقتُ (^٦) سلمى لا أُريدُ بِدَالا (^٧)
[وقال المرزُباني: هذا الشعر قاله الوليد لأبيه يزيد بن عبد الملك لما بلغ الوليد وبدا منه ما يُوجب الخلع، فأراد خلعه، فقال هذا الشعر (^٨).
قال: وكان أبوه قد بايع له وله إحدى عشرة سنة.
وقال أبو عُبيدة:] ولما تنكَّر الناسُ على الوليد وطعنُوا فيه قال له معاوية بن عَمرو بن عُتبة: يا أمير المؤمنين، يُنطقني الأمن بك، ويُسكتني الهَيبَةُ لك، وأراك ترتكب أشياءَ
_________________
(١) في (ص): بتعطيل. وما سلف بين حاصرتين منها.
(٢) ينظر الخبر في المصدرين السابقين.
(٣) كذا في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٧٥، وفي "الأغاني" ٧/ ٧٩: عِقالا. وقِبال النَّعل: السَّير الذي يكون بين الإصبعين، أو الذي يقع على ظهر الرِّجل من مقدَّم الشِّراك. ينظر "معجم متن اللغة".
(٤) في (ص): وكأسًا لأحسى بكرة وأصالا.
(٥) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٧٥، و"الأغاني" ٧/ ٧٩: برملة عالجٍ.
(٦) في (ص): وعاينتُ.
(٧) أنساب الأشراف ٧/ ٤٧٥. وجاء في "الأغاني" ٧/ ٧٩ أن الناس لما هجموا على الوليد ليقتلوه، دخل القصر وأغلق الباب، وقال هذه الأبيات. ثم عَلَوْا الحائط وقتلوه. وجاء في "العقد الفريد" ٤/ ٤٦٠ أن الوليد قال هذه الأبيات لا أكثر الناس القول فيه.
(٨) لم أقف عليه. وهذا الكلام -وهو ما بين حاصرتين- من (ص).
[ ١١ / ٢٩١ ]
أخافُها عليك، فأسكتُ مطيعًا أم أقولُ مُشفقًا؟ فقال: كلٌّ مقبولٌ منك، وللهِ فينا عِلْمُ غيبٍ نحن صائرون إليه (^١).
وقال المدائني: واقع الوليد جارية وهو سكران، فلمَّا طلع الفجر قال لها: اخرجي فصلِّي بالناس، فامتنعت، فحلفَ عليها، فخرجت متلثِّمة، فصلَّت بالناس في محراب جامع دمشق وهي على حالها (^٢).
[قال:] وما جرَّأه على الزندقة إلا عبدُ الصمد بنُ عبد الأعلى.
[قال أبو اليقظان:] وحضر جماعة من بني أمية عند هشام بن عبد الملك [فيهم العبَّاس بن الوليد بن عبد الملك، فتذاكروا الوليدَ وفعلَه، ودخل الوليدُ، فقال له العبَّاس بن الوليد: يا وليد، كيف حبُّك للرُّوميَّات؟ قال: كيف [لا] (^٣) أُحبُهُنَّ وهنَّ يَلِدْنَ مثلَك؟! فقال له هشام: يا وليد، ما شرابُك؟ قال: شرابُ أمير المؤمنين.
ثم قام [الوليد] فخرج وجمعَ جراميزَه، ووثبَ على السَّرْج من غير أن يُمسك (^٤) بيده شيئًا، ولا وضعَ رجله في الرِّكاب، ثم التفتَ إلى بعض ولدِ هشام وقال: أيُحسِنُ أبوك أن يفعل مثل هذا؟ فقال: لأبي مئة عبد يصنعون مثل هذا. فقال الناس: لم نُنصفه في الجواب (^٥).
[الجراميز: الأعضاء. قال الجوهري: يقال: جَمَعَ جراميزَه: إذا انقبضَ ليثب] (^٦).
[قال الهيثم:] وكان الوليدُ [بنُ يزيد] شديدَ القُوَى، يضربُ الوتد الحديد في الأرض ويَشُدُّ رِجلَيه معه، ثم يثبُ على الفرس مُسرعًا ما يمسُّ بيده الفرس فِيقلعُ الوتد (^٧).
_________________
(١) بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢٠، و"العقد الفريد" ٤/ ٤٦٠.
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٥١٠، والعقد الفريد ٤/ ٤٦٠، والأغاني ٧/ ٤٧.
(٣) لفظة "لا" بين حاصرتين من "الأغاني" ٧/ ٤. وهو بنحوه أيضًا في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٧٨، و"العقد الفريد" ٤/ ٤٥٠، وما سلف بين حاصرتين من (ص) والخبر في هذه المصادر من غير الطريق المذكور.
(٤) في (ص): يمليه.
(٥) العقد الفريد ٤/ ٤٥٠ - ٤٥١. وبعضه في المصدرين الآخرين السابقين.
(٦) الصحاح ٢/ ٧٦٤ (جرمز). والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٧) بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥١٢، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٥٣ من طريق آخر.
[ ١١ / ٢٩٢ ]
وكان يلقَّب بالبيطار؛ لأنه كان يصيدُ حُمُر الوحش، فَيَسِمُها باسمه، ثم يُطلقها، ورأى السفَّاحُ يومًا حُمُرَ وَحْشٍ في البَرِّيَّة، عليها وَسْمُ الوليد (^١).
[قال هشام:] وفتح الوليد يومًا المصحف ليتفاءل فيه، فخرج في أول صفحة: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ [إبراهيم: ١٥] فغضب، ونصبَ المصحف غرضَّا وَرماه بالنُّشَّاب حتى مزَّقَه وهو يقول:
تُهَدِّدُني بجبَّارٍ عنيدٍ … فها أنا ذاك جبَّارٌ عنيدُ
إذا ما جئتَ ربَّك يومَ حَشْرٍ … فقُلْ يا ربِّ مزَّقَني الوليدُ
فقُتل بعد أيام (^٢).
وكان إذا طربَ يقول للمغنّي: أعِدْ أعِدْ بحقِّ عبد شمس، بحقِّ أمية، ويَعُدُّ أجدادَه الكفار واحدًا بعد واحد (^٣).
[حديث سلمى وسعدى]:
ذكر هشام بن محمد عن أبيه أنَّ الوليد [بن يزيد] قد تزوَّج سُعْدَى بنت سعيد بن خالد بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان، وكان لها أخت اسمها سلمى، فزارت [سلمى] أختها سعدى، فرآها الوليد، فعَشِقَها، وذلك قبل أن يلي الخلافة، فطلَّق أختَها سُعدى، وخطب سلمى من أبيها، فقال: أيريد الوليدُ أن يكونَ فحلًا لبناتي؟! ولم يزوِّجه، وهام الوليدُ بسلمى، وقال فيها الأشعار، فسقطت منزلتُه عند الناس (^٤).
ومن شعره فيها:
شاعَ شعري (^٥) في سليمى وظَهَرْ … ورواه كلُّ بدوٍ وحَضَرْ
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٤٧٤ و٥٠٠ - ٥٥١.
(٢) الأغاني ٧/ ٤٩.
(٣) الأغاني ٢/ ٢٢٦، ومروج الذهب ٦/ ٩. ونُسب الكلام في (ص) لأبي الفرج الأصبهاني، وهو في الأغاني" بالمعنى.
(٤) أنساب الأشراف ٧/ ٤٧٤.
(٥) في (خ): ذكري.
[ ١١ / ٢٩٣ ]
وتهاداه الغواني دائمًا (^١) … وتغنَّينَ به حتى اشْتَهَرْ (^٢)
قلتُ قَوْلِي في سُلَيمى معجَبًا … مثلما قال جميلٌ وعُمَرْ
لو رأينا لسُلَيمى أثرًا … لسجدنا ألفَ ألفٍ للأثَرْ
واتَّخَذْناها إمامًا مُرْتَضًى … ولكانَتْ حَجَّنَا والمُعْتَمَرْ
إنَّما بنتُ سعيدٍ قمرٌ … هَلْ حَرِجْنَا إنْ سَجَدْنا للقَمَرْ (^٣)
ومنه:
أقْصِرَا عن مَلامَتي عَاذِلَيَّا (^٤) … إنَّ عَذْلي يزيدُني اليومَ غَيَّا
لا تَلُوما هُدِيتُما إنَّ قلبي … عَشِقَ اليومَ شادنًا قُرَشِيَّا (^٥)
من أبيات.
وقوله (^٦):
خَبَّروني أنَّ سَلْمَى … خَرَجَتْ يومَ المُصَلَّى
فإذا طَيرٌ مَلِيحٌ … فوقَ غُصْنٍ يَتَفَلَّى
قلتُ يا طَيرُ ادْنُ منِّي … فدنا ثم تدلَّى
[قلتُ هل أبصرتَ سَلْمى … قال لا ثم تولَّى] (^٧)
فنكا في القلب كَلْمًا (^٨) … باطنًا (^٩) ثم تخلَّى
_________________
(١) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٨٨، و"تاريخ دمشق" ص ١٧٦ (تراجم النساء): وتهادته العذارى بينها. وفي "العقد الفريد" ٤/ ٤٥٤: وتهادته الغواني بينها. وفي (ص): ظاهرًا، بدل: دائمًا.
(٢) في المصادر السابقة: انتشر.
(٣) الأبيات في المصادر السابقة.
(٤) في (ص): ملامي عاذلًا.
(٥) لم أقف عليهما.
(٦) في (ص): "ومن شعره وهو يؤكّد كفره". ثم ورد فيها البيتان الأولان من الأبيات التالية. وليس فيهما صريح كفر؛ مقارنة بما سلف من شعره قبل خبر سلمى وسعدى.
(٧) ما بين حاصرتين من المصادر المذكورة لاحقًا، ولا بدَّ منه للسِّياق.
(٨) في (خ) و(د) (والكلام منهما): حزنًا. والمثبت من "العقد الفريد" ٤/ ٤٥٤، و"الأغاني" ٧/ ٣٦، و"تاريخ دمشق" ص ١٧٦ (تراجم النساء). وقوله: نكا، أي: نكأ، سُهِّل للضرورة.
(٩) في (خ) و(د) (والكلام منهما): بالمنا، ولعله تحريف. والمثبت من المصادر السابقة. وينظر أيضًا "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٨٧. وجاء في (ص) البيتان الأوَّلان فقط.
[ ١١ / ٢٩٤ ]
في أشعار كثيرة من هذا الجنس.
وقال الهيثم: طلَّقَ الوليدُ سُعْدَى، وكانت محبوبتَه أولًا، ثم عشقَ أختها [سلمى] ورجعت سُعْدَى إلى المدينة، فتَزَوَّجَها بِشْر بنُ الوليد بن عبد الملك [بن مروان] وندمَ الوليد على طلاقها حيث فاتته أختُها، فقال لأشعب المِضْحاك: هل لك أن تُبلغَ سُعْدَى عني رسالة ولك عشرون ألفَ دينار؟ قال: نعم. عجِّل بالمال. فأعطاه إياه، ثم قال له: إذا دخلتَ عليها فأنْشِدْها:
أسُعْدَى ما إليكِ لنا سبيلُ … ولا حتى القيامةِ من تلاقِ
عسى ولعلَّ دَهْرًا أن يُؤاتي … بموتٍ من خليلٍ أو فراقِ
فقدم أشعب المدينة، ودخل عليها، فأنشدها البيتين، فقالت: ارجع إليه، وقل له:
أتبكي على سُعْدَى (^١) وأنتَ تركتَها … فقد ذهبَتْ سُعْدَى فما أنتَ صانعُ
فرجع إليه إلى دمشق وأنشده الييت، فغضب الوليد وقال: اختر إحدى ثلاث: إمَّا أن أُلقيَك من القصر، أو أقتلَك، أو ألقيَك إلى السِّباع. فقال: حاشاك أن تفعل بي هذا وقد نظرت عيناي إلى سُعْدى. فضحك وأطلقَه (^٢).
وقال أبو اليقظان: لما بلغ هشامًا أنَّ الوليدَ يخطب سلمى؛ كتب إلى أبيها سعيد: أتُزَوِّجُ ابنَتَك عدوَّ الله الفاسق؟! أتريد أن تجعله فحلًا لبناتك؟! وبلغ الوليدَ، فقال: إن تزوَّجْتُ سُلْمى فهي طالق.
وقال ابنُ عساكر (^٣): كان هشام قد تزوَّج أمَّ سلمة (^٤) بنت سعيد بن خالد بن عمرو ابن عثمان بن عفَّان، ثم خلفَ عليها الوليدُ بنُ يزيد، وهي التي حلف بطلاقها قبل الدخول بها، واستقدَمَ الفقهاء لأجلها، وكانت عنده أختُها لأبويها أمُّ عبد الملك، وهي سُعْدى بنت سعيد، وأمُّها أمُّ عَمرو بنت مروان بن الحكم، وأمُّها زينب بنت عُمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد.
_________________
(١) كذا رواية البيت في "العقد الفريد" ٤/ ٤٥٣. وفي "الأغاني" ٧/ ٢٧ و١٩/ ١٧٠: أتبكي على لُبْنَى. . . وجاء صدر البيت بهذا اللفظ لقيس بن ذَريح كما في "الأغاني" ٩/ ٢١٧.
(٢) المصدران السابقان، والتذكرة الحمدونية ٧/ ٢٣٥.
(٣) في "تاريخ دمشق" ص ١٧٢ (تراجم النساء- طبعة مجمع دمشق). ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٤) هي كنية سلمى، كما في المصدر السابق.
[ ١١ / ٢٩٥ ]
قال المصنّف ﵀: والمشهورُ أن التي حلف الوليد بطلاقها قبل نكاحها سلمى (^١) أخت سُعْدَى قال: يوم أتزوَّجُ سلمى بنت سعيد فهي طالق. وكتب إلى فقهاء الأمصار فقالوا: لا طلاقَ قبل النكاح، منهم ابن طاوس اليماني، وسِمَاك بن الفَضْل اليماني؛ قالوا: إنَّما النكاح عقدٌ يُعْقَد، والطلاق تحلَّة، وكيف يُحَلُّ عقدٌ قبل أن يُعقد؟! فأعجبَ الوليدَ قولُ سِمَاك، فولَّاه قضاء اليمن.
وقال البخاري (^٢): كتب إلى فقهاء المدينة يسألُهم عن هذا، فكتبوا إنه لا يقع، منهم عبدُ الرحمن بنُ القاسم، وربيعة، وأبو بكر بنُ محمد بن عَمرو بن حَزْم، وأبو الزِّناد، وغيرُهم.
وقد ذكرنا في ترجمة عبد الرحمن بن القاسم أنه مات بالفَدَّين (^٣) بالشام، والوليدُ إنَّما استقدمه ليسألَه عن هذا.
قال المصنِّف ﵀: وقد اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق قبل النكاح، فقال أبو حنيفة: يقع، وهو قولُ عمر، وابن مسعود، والحسن، والزُّهْري، والنَّخَعيّ، والشعبيّ، وسالم بن عبد الله، في آخرين.
وعند الشافعيّ وأحمد لا يقع، وهو مذهب من سَمَّينا من فقهاء المدينة. وكذا تعليق العِتاق بالمِلْك. وقال مالك: إن خَصَّ صحَّ، وإن عمَّ لا يصحّ (^٤).
وقال هشام بن محمد: كان سعيدُ بنُ خالد بن عَمرو بن عثمان بن عفَّان نازلًا بالفَدَّين، فخرج الوليد قبل أن يليَ الخلافة، فنزل قريبًا منه، فمرَّ زيَّاتٌ على حمار يسوقُه وعليه زيت، فأخذ ثيابَ الزَّيَّات، فلبسَها وساق الحمار حتى دخل قصر سعيد
_________________
(١) وكنيةُ سلمى أمُّ سلمة كما ذكرت. فلا معنى لتعقُّب المصنِّف. وينظر ما بعده في "تاريخ دمشق" ص ١٧٥.
(٢) في "التاريخ الصغير" ١/ ٣٢٢، وأخرجه من طريقه ابن عساكر في "تاريخه" ص ١٧٧ (تراجم النساء- طبعة مجمع دمشق).
(٣) من أرض حوران بالشام، ينظر "معجم البلدان" ٤/ ٢٤٠. وسلفت ترجمة عبد الرحمن بن القاسم قريبًا. وتحرفت لفظة الفَدَّين في (خ) و(د) (والكلام منهما) إلى: القدس.
(٤) من قوله: وقال البخاري: كتب إلى فقهاء المدينة … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
[ ١١ / ٢٩٦ ]
وهو ينادي: من يشتري الزيت؟ فخرج الجواري ينظرن إليه، فقالت جارية منهنّ لسلمى: يا مولاتي، ما رأيتُ إنسانًا أشبهَ بالوليد من هذا الزَّيَّات! فاطَّلعت سلمى، فرأَتْه، فعرفَتْه، فقالت: ويحك! واللهِ إنه الوليد، وقد رآني، فقولي له: يا زيَّات، اخْرُجْ، فإنَّا لا نريد زيتَك. فخرجَ وقد لمحها (^١).
واختلفت الروايات في تزويجه بها، فقال البلاذري: أكرهَ الوليدُ أباها لما وَلِيَ الخلافة على تزويجها منه، فحملَها من المدينة إلى الشام، فمرضت، وماتت ليلة دخل بها (^٢). وقيل: أقامَتْ عنده شهرًا. وقيل: أربعين ليلة. فلما ماتت بكاها ورثاها (^٣).
وقال لها يومًا: خطبتُكِ إلى أبيك وأنا وليُّ العهد، فلم يفعل، وأطاع هشامًا، أكان أبوك يطمع في الخلافة؟ وأنشد يقول:
وإنك والخلافةَ يا سعيدُ … لكالحادي وليس لَهُ بعيرُ
فقالت له سلمى: ولِمَ لا يطمعُ فيها وهو ابنُ أمير المؤمنين، وعنه أخذتُموها (^٤)؟!
ورُويَ أن أباها مات قبل أن يليَ الوليد الخلافة، وكانت تحته سعدى أختها، فلما مات أبوها خرجت سلمى مُسفرةً في ثياب بياض (^٥)، فقالت له وهي لا تعرفُه: ويحك، مات أبي! فوقَعَتْ في نفسه، فطلَّق أختَها وخطَبَها إلى وليِّها (^٦)، فلم يزوِّجوه، فهامَ بها وقال الأشعار، ثم تزوجها بعد ذلك (^٧).
وأرسل الوليد إلى المدينة، فجمع المغنِّين، فلما وصلُوا كره أن يُدخلهم العسكر نهارًا لئلا يراهم الناس، فأدخلهم ليلًا، وكان ساخطًا على محمد بن عائشة، فكلَّمه فيه مَعْبَد، فأمر بإحضاره فغنَّاه:
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٤٨٦، وبنحوه في "الأغاني" ٧/ ٢٨ - ٢٩.
(٢) الكلام بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٧٥.
(٣) أنساب الأشراف ٧/ ٥٠٠، والأغاني ٧/ ٣٠ و٣١ و٦٥. وقوله: وقيل أربعين ليلة … إلخ، ليس في (ص).
(٤) أنساب الأشراف ٧/ ٤٩٩، وتاريخ دمشق ص ١٧٣ (تراجم النساء- طبعة مجمع دمشق) ولم يرد البيت في (ص).
(٥) في (ص): بيض.
(٦) في (ص): أوليائها.
(٧) تاريخ دمشق ص ١٧٣ (تراجم النساء).
[ ١١ / ٢٩٧ ]
أنتَ ابنُ مُسْلَنْطِحِ (^١) البِطاحِ ولم … تُطْرَقْ عليك الحُنُيُّ والوُلُجُ
طُوبَى لفَرْعَيكَ من هنا وهنا … طُوبى لأعراقِكَ التي تَشِجُ
لو قُلْتَ للسَّيل دَعْ طريقَك والـ … ـمَوْجُ عليه كالهَضْبِ يعتلجُ
لارْتَدَّ أوْ سَاخَ أو لكان له … في سائر الأرضِ عنك مُنْعَرَجُ
فرضيَ عنه ووصلَه (^٢).
[قال الأصمعي:] ومن شعر الوليد:
علِّلاني واسقياني … من شرابٍ أصفهاني (^٣)
من شرابِ الشيخِ كِسْرى … أو شرابِ الهرمزانِ
إنَّ في الكأس لَمِسْكًا … أو بكَفَّي مَن سقاني
[إنما الكأسُ ربيعٌ … يُتعاطَى بالبَنَانِ]
شَغَلَتْني نغمةُ العِيـ … ـدانِ عن صوتِ الأذانِ
وتعوَّضْتُ عن الحو … رِ عجوزًا في الدِّنانِ
هذا البيت ليزيد بن معاوية [وقد ذكرناه] وربَّما وقع تضمينًا (^٤).
[ذكر قصته مع النصرانية]:
روى الحافظ ابنُ عساكر عن محمد بن الحسين بن دريد، عن أبي حاتم، عن العُتبي قال: نظر الوليد إلى جارية نصرانية يقال لها: سَفْرى، فجُنَّ بها، وجعل يُراسلها وتأبى
_________________
(١) المُسْلَنْطِح: الفضاء الواسع.
(٢) الخبر في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٠٦، و"العقد الفريد" ٤/ ٤٥٥، وجاء فيهما البيت الأول فقط. وجاءت هذه الأبيات لطُرَيح بن إسماعيل؛ في مدح الوليد بن يزيد، كما في "الشعر والشعراء" ٢/ ٦٧٨، و"الأغاني" ٤/ ٣١٦، و"تاريخ دمشق" ٨/ ٥٠٧ - ٥٠٨ (مصورة دار البشير- ترجمة طريح). وسيرد البيت الرابع في ذكر طُريح (فقرة الوافدين على الوليد) وجاءت الأبيات في "العقد الفريد" ٥/ ٢٩٣ في مدحه لأبي جعفر المنصور. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٣) في (خ) و(د): الأصفهاني. والمثبت من (ص)، وهو موافق لما في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٠٣، و"العقد الفريد" ٤/ ٤٥٨.
(٤) الأبيات في المصدرين السابقين دون البيتين الأخيرين، ولم أقف عليهما في المصادر التي بين يديّ. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٢٩٨ ]
عليه، حتى بلغَه أن عيدًا للنصارى قد قرُب، وأنها ستخرجُ فيه، وكان في موضع العيد بستانٌ، وكان النساء يدخلنه، فصانَع الوليدُ صاحب البستان أن يدخل فينظر إليها، فأجابه، فتقشَّف الوليد وغَيَّرَ حليته، ودخل البستان.
وجاءت سَفْرَى فجعلت تمشي حتى انتهَتْ إليه، فقالت لصاحب البستان: مَنْ هذا؟ فقال: رجل مصابٌ. فجعَلَتْ تُمازحه وتُضاحكه حتى اشتفى من حديثها والنظر إليها، ثم خرج، فقال صاحب البستان لسفرى: أتدرين مَن الرجل؟ قالت: لا. قال: الوليد بن يزيد، وإنما غيَّر حليته لينظر إليك. فجُنَّت به بعد ذلك، فكانَتْ عليه أحرصَ منه عليها، فقال الوليد في ذلك [هذه الأبيات]:
أَضْحَى فؤادُك يا وليدُ عميدا … صَبًّا قديمًا للحِسانِ صَيُودَا
من حُبِّ واضحةِ العوارضِ طَفْلَةٍ … بَرَزَتْ لنا نحو الكنيسةِ عِيدا
ما زلتُ أرمُقُها بعَينَيْ وامقٍ … حتى بَصُرْتُ بها تُقَبِّلُ عُودا
عُود الصليبِ فوَيْحَ نفسي مَنْ رأى … منكم صليبًا مثلَه معبُودا
فسألتُ ربي أن أكونَ مكانَه … وأكونَ في لهبِ الجحيم وَقُودا
قال المُعافى بن زكريا: لم يُدرك مُدْرِكُ الشيبانيُّ هذا الحدَّ من الخلاعة إذ قال في عَمرو النصرانيّ:
يا ليتني كنتُ له صَلِيبًا … فكنتُ منه أبدًا قريبا
أُبْصِرُ حُسنًا وأَشَمُّ [طِيبا] … لا واشيًا أخشى ولا رَقِيبا (^١)
قال: ولمَّا ظهر أمر الوليد وعلمه الناس، قال:
ألا حبَّذا سَفْرَى وإن قيل إنني … كَلِفْتُ بنصرانيَّةٍ تشربُ الخمرا
يهونُ عليَّ أن نظلَّ نهارَنا … إلى الليل لا أُولَى أُصَلِّي ولا عصرا (^٢)
ورُوي عن القاضي المُعافى [يعني في كتابه المسمَّى بالجليس والأنيس] وذكر فيه أن الوليد [بن يزيد] خرج من دمشق ومعه راكبان، فسار إلى الحِيرَة عند الكوفة؛ بلغَه أن
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٧/ ٩٢٨ (مصورة دار البشير)، وينظر أخبار مدرك الشيباني في "معجم الأدباء" ١٩/ ١٣٥. ومن قوله: عود الصليب (البيت الثالث) … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٢) تاريخ دمشق ١٧/ ٩٢٨ (مصورة دار البشير) ولم يرد البيت الثاني في (ص).
[ ١١ / ٢٩٩ ]
بها خمَّارًا موصوفًا بجودة الخمر، فسلك طريق السَّماوة حتى نزلَ عليه، فشرب عنده خمسة أقداح، وأعطاه خمس مئة دينار، وعاد من وقته إلى دمشق (^١).
[ثم قال القاضي المعافى عقيب هذه الحكاية: أخبار الوليد بن يزيد كثيرة، قد أتينا على معظمها في كتابنا، وذكرنا من سيرته وسفاهته وحماقته وهزله ومجونه وسخافة دينه وما صرَّح به من الإلحاد في القرآن].
[وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن الوليد بن مسلم قال:] كتب الوليد إلى المدينة يحمل إليه أشعب الطامع، فدخل عليه في سراويل من جلد قردٍ وله ذنب، فقال له: غَنِّ، فغنَّى صوتًا ورقَّص، فأعطاه ألف درهم ونادمَه (^٢).
[حديث ابن مَلِك دُنباوند (^٣) مع الوليد:
ذكر علماء السير -منهم الهيثم- قال:] بلغَ الوليدَ أن ابنَ مَلِك دنباوند مستحسن الصورة، وكان أمردَ مفرط الجمال، فكتب إلى يوسف بن عمر بأن يحمله إليه، فقال يوسف: أعلى كِبَر سنِّي أصيرُ قَوَّادًا؟! ثم تعلَّل عليه، وقال: أخافُ عصيان الله (^٤). فألحَّ عليه، فاحتال يوسف على أبيه بحيلة، وكتب إليه: قد بلغ أميرَ المؤمنين عنك خلافه (^٥)، فابْعَثْ إليه بالهدايا مع أعزّ الناس عندك، وهو ولدُك، فبعث به إليه، فأقام عندَه حتى قُتل، وكان الغلام يقول: لو حبل رجلٌ من رجل لحبلتُ من الوليد بعدَّة أولاد (^٦).
[ذكر نزوله إلى البركة وفيها الخمر]:
قال المدائني: كان الوليد يملأ البِرْكة خمرًا، وينزل بثيابه، فيغبُّ (^٧) فيها، ويصعد والجواري يرقصن ويغنّين حوله حتى يقع مغشيًّا عليه.
_________________
(١) الخبر في "الجليس الصالح"، و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٢٨ - ٩٢ مطول، وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٥٠٨، والأغاني ٧/ ٤٦. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٣) دُنباوند -أو: دَباوند- صِقْع واسع بين الرّي وطبرستان. ينظر "معجم البلدان" ٢/ ٤٣٦ و٤٧٥.
(٤) في (ص): عضيان أبيه.
(٥) في (ص): خلافًا.
(٦) لم أقف على هذا الخبر. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٧) في (ص): فيعيث، وسيرد الخبر مفصّلًا. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٣٠٠ ]
وقال الهيثم: ألفى نفسه يومًا في البِرْكة وعنده مَعْبَد المغنّي، فأعطاه ألف دينار، وقال: اكتُمْ عليَّ (^١).
وقال أبو الفرج الأصفهاني: دخل عليه يومًا عَطَرَّدُ المغنِّي وهو قاعد على شَفِير بِرْكةٍ مُرَصَّصَةٍ (^٢) مملوءةٍ خمرًا، ليست بالكبيرة، ولكن يدورُ الرجلُ فيها سِباحةً، فقال له: غَنِّ: حَيِّ الحُمُولَ.
فقال عَطَرَّدُ:
حَيِّ الحُمولَ بجانبِ العَزْلِ (^٣) … إذْ لا يُلائمُ شكلُها شَكْلي
إنِّي بِحَبْلِكِ واصلٌ حَبْلِي … وبِريشِ نَبْلكِ رَائشٌ نَبْلِي
وشمائلي ما قد علمتِ وما … نبحَتْ كلابُكِ طارقًا مثلي
قال: فشقَّ ثيابه -وكان عليه بُرْدَة صنعانية لا يُدْرَى ما قيمتُها- حتى خرج منها كيومَ ولدَتْه أمُّه، ثم رمى بنفسه في البِرْكة، فشربَ منها حتى عُرف فيها النُّقصان، وأُخرج ميِّتًا سَكِرًا، وضَمَمْتُ البُرْدة إليّ ومضيتُ إلى منزلي.
ثم دعاني في اليوم الثاني وقال: غنِّ، فغنَّيتُ:
أيذهبُ عمري هكذا لم أَنَلْ به … مجالسَ تَشْفي قَرْحَ قلبي من الوَجْدِ
وقالوا تداوى إنَّ في الطب (^٤) راحةً … فعزَّيتُ (^٥) نفسي بالدواء فلم يُجْدِي
فشَقَّ بُرْدَةً عليه مثلَ تلك، وألقى نفسَه في البِرْكة، فنهل منها حتى أُخْرِج ميِّتًا سَكِرًا.
فلما كان في اليوم الثالث دعاني وفعل كذلك، فلما أفاقَ دفعَ إليَّ خمس مئة دينار، وقال: كأنِّي بك وقد قدمتَ المدينة وقلتَ: فعلَ الوليد كذا وكذا. والله لئن قلتَ كلمةً لأقتلنَّك.
_________________
(١) الأغاني ١/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) في (ص): مرصَّعة.
(٣) العَزْل: ماءٌ بين البصرة واليمامة. ذكره ياقوت في "معجم البلدان" ٤/ ١١٩، وأورد عنده هذا البيت، ونسبه لامرئ القيس. (وينظر الكلام بعد تعليقين). والحُمول: جمع حِمْل، وهو الهَوْدَج.
(٤) في (ص): القلب.
(٥) في "الأغاني" ٣/ ٣٠٨: فعلَّلْتُ.
[ ١١ / ٣٠١ ]
قال عَطَرَّد: فواللهِ ما أَخبرتُ بشيء من ذلك حتى قُتل الوليد (^١).
وقال عَطَرَّد: رأيتُ الوليدَ يشربُ سبعين قَدَحًا من الخمر ولا يسكر.
وسكر ليلة فقام إلى ابن عائشة، فقبَّل كلَّ عضو فيه حتى ذكره (^٢).
وكان ينزل في البِرْكة في اليوم مرارًا ويغيِّر ثيابَه.
[وقد نسبه أبو الفرج فقال:] وعَطَرَّد: كنيتُه أبو هارون، مولى عَمرو بن عوف الأنصاري، كان عَطَرَّد ينزلُ قُباء، وكان جميل الوجه، حَسَن الصوت بالغناء، فقيهًا قارئًا لكتاب الله، عَدْلًا في شهادته، أدرك أيام بني أمية وصدرًا من دولة بني هاشم، وانقطع إلى سليمان بن عليّ، ومات في أيام المهديّ [محمد بن أبي جعفر المنصور] (^٣).
قال المصنف ﵀: وكيف يكون عَدْلًا وهو يشهد مجالس الوليد؟! فإن كان قبل ذلك يحتمل.
قال أبو الفَرَج: حبس والي المدينة جماعةَ المغنِّين وفيهم عَطَرَّد، فأُخبِرَ بدينه ومروءته، فدعاه وأطلقه، فقال: أيها الأمير، لِمَ حبستَ هؤلاء؟ قال: على الغِناء. قال: ظلمتَهم، فواللهِ ما أحسنوا منه شيئًا قطّ. فضحك الوالي وأطلقَهم (^٤).
ذكر مقتل الوليد:
[ذكر علماء السير كالواقدي وهشام وأبي مِخْنَف والمدائني والحافظ ابن عساكر في "تاريخه" قالوا:] كان الوليد بن يزيد قبل أن يلي الخلافة على استهتار (^٥) بالدين وقلة المبالاة به، فلما وليَ الخلافة ازداد من اللهو والركوب إلى الصيد وشربِ الخمر ومنادمةِ الفُسَّاق، فثقُل أمرُه على الرعيَّة والجند وكرهوه.
_________________
(١) الأغاني ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٩، وتاريخ دمشق ٤٨/ ٤٥ - ٤٦ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة عطرَّد). قال أبو الفرج الأصبهاني ٣/ ٣٠٤: الشعرُ لامرئ القيس بن عابس الكندي، هكذا روى أبو عَمرو الشيباني وقال: إن من يرويه لامرئ القيس بن حُجْر يغلط.
(٢) الأغاني ٢/ ٢٢٦.
(٣) الأغاني ٣/ ٣٠٣. وينظر "تاريخ دمشق" ٤٨/ ٤٥. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٤) الأغاني ٣/ ٣٠٧.
(٥) في (خ) و(د): قد استهان. والمثبت من (ص).
[ ١١ / ٣٠٢ ]
وكان من أعظم ما جَنَى على نفسه إفسادُه أهلَه وبني أعمامه أولاد الوليد وأولاد هشام واليمانية، وهم أعظم جند خُراسان (^١)، وكان يكره المواضعَ التي فيها الناس، فكان ينتقل من مكان إلى مكان.
واشتدَّ على أولاد هشام ضربُ سليمان بن هشام مئة سوط، وحَلْقُ رأسه ولحيته، وتغريبُه إلى عمَّان، وحبسُه بها إلى أن قُتل الوليد [وقد ذكرناه].
ومن ذلك جارية كانت لآل الوليد فأخذَها، فكلَّمه عمُّه فيها، فقال: لا أردُّها. فقال عمُّه: إذن تكثر الصواهل حول عسكرك (^٢).
ومنها: حبسُ يزيد بن هشام، ويقال له: الأفقم.
ومنها: أنه حبسَ سعيدَ بن بَيْهس حتى مات في الحبس، وكان قد استشارَه الوليدُ في البيعة لابنَيه الحَكَم وعثمان، فقال: لا أرى ذلك، فإنهما غلامان لم يحتلما. فنَقَم عليه (^٣).
ومنها: أمرُه يوسف بن عمر بقتل خالد بن عبد الله القَسْري، وكان قد كتب إلى خالد أن يُبايع لابنَيه الحَكَم وعثمان، فامتنع وقال: ويحكم كيف أُبايع من لا أصلي خلفَه. ولا أقبلُ شهادتَه. قيل: فالوليد مع فسقه يُصلَّى خلفَه! قال: فسقُ [الوليد] غائبٌ عني ولا أتيقَّنُه، وإنَّما هو أخبارُ الناس.
وبلغ الوليدَ، فغضبَ عليه، ثم إن خالدًا بايعَ بعد ذلك، وبقي في قلب الوليد، فأمرَ يوسفَ بنَ عمر بقتله، فثارت اليمانيَّة حميةً لخالد (^٤).
ومنها: أن بني هشام وبني الوليد شهدوا عليه بالكفر وغشيان أمَّهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتَّخذَ مئة جامعة، وكتبَ على كلِّ واحدة اسم رجل من بني أمية ليقتله بها،
_________________
(١) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٣١ (والكلام فيه بنحوه): وهم عُظْم جند أهل الشام.
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٥١٥، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٣١ - ٢٣٢. والصواهل: جمع صاهل، وهو الفرس.
(٣) أنساب الأشراف ٧/ ٥١٦، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٣٢.
(٤) المصدران السابقان.
[ ١١ / ٣٠٣ ]
ورمَوْه بالزَّندقة، وأنه مُباح الدم، وأنه تجرّأ على بيت الله الحرام، وشربَ فيه الخمر لما حجَّ، وعملَ القُبَّة ليضاهيَ بها الكعبة.
وكان أشدَّهم عليه يزيدُ بنُ الوليد بن عبد الملك، وكان الناس يسمعون منه لزهده ونُسُكِه وعبادته، وكان يقول: ما يسعُنا السكوتُ عن الفاسق وكفرِه وفجورِه، ويأمرُ الناس بجهادِه وسفكِ دمه (^١).
فأجمع (^٢) على قتل الوليد عامَّةُ جنده ورعيَّته، ومُعظمُهم من قُضاعةَ واليمانيَّة، فاجتمع الأشرافُ، وأُمراء القبائل: منصور بن جمهور، وحُرَيث، وشبيب بن أبي مالك، وغيرهم، واجتمعت اليمانية إلى يزيد بن الوليد [بن عبد الملك] وأرادوه على البيعة، فقال له عُمر (^٣) بن يزيد الحَكَمي: شاوِرْ أخاك العبَّاس، فإنْ وافقك على البيعة لم يخالفك أحد، فإنه سيِّدُ بني مروان.
وكان العام قد أجدب، ونزل الطاعون بالبلاد، وخرج بنو أميَّة إلى البرِّيَّة، وكان العبَّاس [بن الوليد] نازلًا بالقَسْطَل (^٤)، وأخوه يزيد قريبًا منه، فأتى يزيدُ أخاه العبَّاس، فشاورَه، فقال له العبَّاس: مهلًا يا يزيد، فإنَّ في نقض عهد الله فسادَ الدين والدنيا، فلا تفعل.
فعاد يزيد إلى منزله، ولم يسمع من أخيه، وجاء إليه الناس أرسالًا يُبايعونه سرًّا، فلما كثَّروا عليه أتى أخاه العبَّاس، فأخبره فقال: واللهِ لئن عُدْتَ إلى هذا لأشُدَّنَّك وَثاقًا، وأبعثُ بك إلى أمير المؤمنين. وكان مع يزيد قَطَن [مولاهم] (^٥). فلما خرجا من عنده أرسل العباس إلى قَطَن فجاء فقال له: ويحك يا قَطَن! أترى يزيدَ جادًّا في قوله؟
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٥١٥ و٥١٧، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٣٢.
(٢) في (ص): فاجتمع.
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٣٧: عَمرو.
(٤) يطلق هذا الاسم على أكثر من موضع، المشهور منها اثنان: أحدهما قرب البلقاء من أرض دمشق في طريق المدينة، والثاني بين حمص ودمشق، ولعله المراد هنا، فقد قال ابن الأثير في "الكامل" ٥/ ٢٨٣: وكان العباس بالقسطل، ويزيد بالبادية أيضًا، بينهما أميال يسيرة.
(٥) في (د): قطن بن خليفة. ولم أقف على من نسبه كذلك. ولفظة "مولاهم" بين حاصرتين من المصدر السابق.
[ ١١ / ٣٠٤ ]
فقال له: ما أظنُّ ذلك، ولكنّه قد دخلَه ما صنع (^١) الوليد بأهلك وببني هشام، واستخفافُه بالدِّين وتهاونُه بالإسلام. فقال له: ازْجُرْه عن ذلك (^٢).
وبلغ مروانَ بنَ محمد بأرمينية أن يزيد يُؤلِّبُ الناس على الوليد، فكتب إلى سعيد بنِ عبد الملك يأمرُه أن ينهى يزيد والناس، ويكفَّهم عن ذلئا، وكان سعيد متألِّهًا ناسكًا، وكان في كتاب مروان:
أما بعد، فإنَّ الله جعلَ لكلِّ أهل بيت أركانًا يعتمدون عليها، ويتَّقون بها المخاوفَ، وأنت -بحمد الله- ركنٌ من أركان بيتك، وقد بلغني أن قومًا من سفهاء أهل بيتك قد أسَّسُوا (^٣) أمرًا؛ إن تَمَّتْ لهم رؤيتُهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم، افتتَحوا بابًا لن يُغلقه اللهُ عنهم حتى تُسفَكَ دماءُ كثيرٍ منهم، وأنا مشتغلٌ بأعظم ثغور المسلمين، ولو اجتمعتُ بهم لَرَمَّمْتُ فسادَ أمرهم بيدي ولساني.
وذكر كلامًا طويلًا، وقال في آخره: فإنَّ فيما سَعَوْا فيه تغييرَ الدول، وكفرَ النعم، فبادِر الأمر وحبلُ الأُلفة مشدود، والناس سكونٌ، والثُّغور محفوظة، والسلام.
فبعث سعيد بكتابه إلى العبَّاس بن الوليد، فدعا العبَّاسُ يزيدَ بنَ الوليد، فنهاه وتهدَّدَه وخوَّفه، فأنكر ذلك.
وقال العباس:
إني أُعيذُكُمُ باللهِ من فِتَنٍ … مثلَ الجبالِ تَسَامَى ثم تندفعُ
إنَّ البَرِيَّةَ قَدْ مَلَّتْ سياسَتَكُمْ … فاسْتَمسِكُوا بعمودِ الدينِ وارْتَدِعُوا
لا تُلْحِمُن ذئابَ الناسِ أنفسَكُمْ … إنَّ الذِّئابَ إذا ما أُلْحِمَتْ رَتَعُوا
لا تَبْقُرُونَ بأيديكم بطُونَكُمُ … فثَمَّ لا حَسْرَةٌ تُغْني ولا فَزَعُ (^٤)
_________________
(١) في (ص): صنعه.
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٥١٨ - ٥١٩، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٣٧.
(٣) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٣٨: استنُّوا.
(٤) أنساب الأشراف ٧/ ٥٢٠ - ٥٢١، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩. وينظر "الأغاني" ٧/ ٧٥. ومن قوله: وبلغ مروان بن محمد … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
[ ١١ / ٣٠٥ ]
[قال هشام:] ويقال للوليد بن يزيد بعضُ هذا من غير تصريح، ولا يلتفت، بل هو منهمكٌ على لذَّاته وفسادِه.
[قال:] وبايع يزيدَ خلقٌ كثير، فأقبل [يزيد] من البادية إلى دمشق متنكّرًا في سبعة نفر على حُمُر، فنزلوا بِجَرُود (^١) -على مرحلة من دمشق (^٢) - فنزل فنام.
وقام فدخل دمشق ليلًا وقد بايعَه أكثرُ أهل دمشق وأهل الضِّياع، ولم يبق ممَّن لم يُبايعه من أهل المِزَّة إلا معاوية بن مَصَاد، وكان سيِّدَ أهلِ المِزَّة، فمضى يزيد إلى المِزَّة من ليلته -وبين دمشق والمزة ميل أو أكثر- ووقع مطرٌ شديد، فدقُّوا على معاوية، ففتحَ لهم، ودخلُوا، فقال معاوية ليزيد: اجلس على الفراش، فقال: إن في رجلي طينًا، وأكره أن أُفسد عليك فراشَك، فقال: ما تَنْدُبُنا إليه أفسدُ، وكلَّمه يزيدُ، فبايعَه معاويةُ، وعاد يزيد إلى دمشق.
وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجَّاج بن يوسف، وكان قد خافَ من الطاعونَ، فخرج فنزلَ قَطَنا (^٣)، واستخلفَ ابنَه على دمشق، وعلى شرطته أبو العاج (^٤) كثير بن عبد الله السلميّ.
وواعدَ يزيدُ أصحابَه أن يخرج ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء، فدخل المسجدَ في أصحابه، وأوَّلُ من بايعَه بإمرةِ المؤمنين يزيدُ بنُ عنبسة، وقال له: أبشِرْ بنصر الله وعَوْنِه، فقال يزيد: اللهمَّ إنْ كان هذا لك رِضًا؛ فأعنِّي عليه وسَدِّدْني له، وإن كان غيرَ رِضًا؛ فاصْرِفْه عنّي (^٥).
واستولى على دمشق والأموال، وجاءه أصحابه من كل مكان، فأرسل من ليلته إلى عبد الملك بن محمد (^٦) بن الحجَّاج بن يوسف، فأخَذَه، وأخَذَ كلَّ من يُخافُ منه.
_________________
(١) في (خ) و(د) و(ص): فنزلوا بحردة. وهو خطأ. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٣٩، و"الأغاني" ٧/ ٧٥.
(٢) واسمُها الآن جَيرُود، تقع في القلمون، من أعمال دمشق. والمرحلة، هي المسافة التي يقطعها المسافر في نحو يوم.
(٣) منطقة إلى الجنوب الغربي من دمشق. (حوالي ٢٤ كم عنها).
(٤) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: أبو العلاج.
(٥) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٠: فاصرفه عني بموت.
(٦) في النسخ الخطية: محمد بن عبد الملك، وهو خطأ، والمثبت من المصادر المذكورة لاحقًا، وقد سلف الاسم قريبًا على الصواب.
[ ١١ / ٣٠٦ ]
ولما أصبح جاءه أهلُ الضِّياع، فدخل أهلُ المِزَّة من باب الجابية، والسَّكاسك من الباب الشرقيّ، وأهلُ داريَّا يَقْدُمُهم يعقوبُ بنُ عُمير العبسي، فدخلُوا من الباب الصغير، وأقبل أهلُ حَرَسْتا ودُوما يَقْدُمُهم عيسى بن شبيب العجلي (^١)، فدخلوا من باب توما، وجاء أهل دَير مُرَّان والأَرْزَة وسَطْرَا (^٢) ومعهم حُميد (^٣) بن حبيب اللَّخْمي، فدخلوا من باب الفراديس، وجاءت القبائل من كلِّ ناحية ومكان، وقد وصفَهم بعضُ الشعراء، فقال:
فجاءَتْهُمُ أنصارُهُمْ حين أصبحوا … سَكاسِكُها أهلُ البيوتِ الصَّنادِدِ
وكلبٌ فجاؤوهم بِخَيلٍ وَعُدَّةٍ … مِن البِيضِ والأبدانِ ثُمَّ السَّواعدِ (^٤)
وجاءتهمُ شعبانُ والأَزْدُ شُرَّعًا … وعَبْسٌ ولَخْمٌ بين حامٍ وذائدِ
وغسَّانُ والحيَّانِ قيسٌ وتَغْلِبٌ … وأحْجَمَ عنها كلُّ وانٍ وزاهدِ
فما أصبحوا إلا وهم أهلُ مُلْكِها … قد استَوْثَقُوا من كلِّ عاتٍ ومارِدِ
فأكْرِمْ بهم أنصارَ سيِّدِ قَوْمِهِ … تَوَالى على حُرْماتها كلُّ جاحدِ (^٥)
ونادى منادي يزيد بن الوليد: هلمُّوا إلى عطائكم. وفتحَ بيت المال، وفرَّق ما فيه [على الناس] (^٦)، ومن لم يكن له عطاءٌ أعطاه ألف درهم.
ثم نادى مناديه: مَنْ يَنْتَدِبْ لقتال الفاسق وله ألفُ درهم؟ [فاجتمع إليه أقلُّ من ألف رجل، فأمر رجلًا فنادى: مَنْ ينتدب إلى الفاسق، وله ألف وخمس مئة؟] (^٧). فانتدبَ ألفٌ وخمس مئة، وعليهم منصور بن جُمْهُور، ويعقوب بن عبد الرحمن الكلبي، وهَرِم
_________________
(١) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤١: التغلبي.
(٢) داريّا وحَرَسْتا ودُوما ودَيْر مُرَّان وسَطْرا، من قرى دمشق، ذكرها محمد كرد علي في "غوطة دمشق"، وذكر ياقوت أكثرها في "معجم البلدان".
(٣) في النسخ الخطية: أحمد، والمثبت من "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢٤، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٢.
(٤) في (خ) و(د) (والكلام منهما): شم السواعد، والمثبت من "تاريخ" الطبري. والبِيض جمع الأبيض، وهو السيف.
(٥) الخبر بتمامه أطول منه في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٣٩ - ٢٤٢. وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢١ - ٥٢٤، و"الأغاني" ٧/ ٧٥ - ٧٧. وينظر أيضًا ترجمة رزيق (أو رزين) بن ماجد في "تاريخ دمشق" ٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥ (مصورة دار البشير) ففيه خبر قتل الوليد. ولم يرد في (ص) من الأبيات إلا الأول منها.
(٦) ما بين حاصرتين من (ص).
(٧) ما بين حاصرتين من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٣، وهو بنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢٥.
[ ١١ / ٣٠٧ ]
ابن عبد الله بن دِحْية، وحميد (^١) بن حبيب اللخمي، كلُّ واحد على طائفة، وقدَّم على الجميع عبدَ العزيز بنَ الحجَّاج بن عبد الملك بن مروان (^٢).
وخرج من دمشق مولًى للوليد بن يزيد، فأتى الوليد (^٣) وهو بالأَغْدَق (^٤) من أرض عمَّان البَلْقاء في يومه على فرس، فنفق فرسه، وأخبرَه الخبر، فضربَه مئةَ سَوْط وحبسَه (^٥).
وقال يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية -وقيل: بَيهَس بن زُمَيل الكِلابي (^٦) - للوليد [بن يزيد]: سِرْ بنا إلى حمص، فإنَّها حصينةٌ، وتبعثُ الجيوش إلى يزيد. فقال عبدُ الله بنُ عَنْبَسَة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يَدَعَ عسكرَه ونساءه قبل أن يُقاتِل (^٧). فقال يزيد بن خالد: وماذا يخاف على حُرَمه ونسائه؟ وإنَّما يأتيهنَّ (^٨) عبدُ العزيز بنُ الحجَّاج، وهو ابنُ عمِّهنَّ.
وقال الأبرش الكلبي للوليد: سِرْ يا أمير المؤمنين إلى تدمر، فهي حصينةٌ، وبها بنو عمِّي. فقال الوليد: بها بنو عامر، وقد خرجوا عليّ، ولكن دلَّني على مكان حصين. فقال: أرى أن تنزلَ الهَزِيم. قال: أكره اسمَه. قال: فالبَخْرَاء، قصر النعمان بن بشير. فقال: ما أقبحَ أسامي منازِلِكم ومياهكم!
وقال له بَيهَس بنُ زُمَيْل: أمَّا إذْ أبَيْتَ أن تنزل حمص أو تدمر؛ فهذا حصن البَخْراء فانْزِلْه. فقال: أخافُ الطاعون. فقال: الذي يُرادُ بك أشدُّ من الطاعون. فنزل البَخْرَاء.
_________________
(١) في (خ) و(د) (والكلام منهما): وعقد لحميد بدل: وحميد! والتصويب من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٣.
(٢) من قوله: وعليهم منصور بن جمهور .. إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٣) في (خ) و(د): فأتاه. والمثبت من (ص).
(٤) في (خ) و(د): الأغدف، والمثبت من (ص)، وهو موافق لما في "تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣١ (مصورة دار البشير- ترجمة الوليد). وسلف بهذا اللفظ أيضًا في خبر وفاة هشام. وذكر الطبري ٧/ ٢١١ أن الأغدق ماء بالأزرق بين أرض بَلْقين وفَزَارة. (ووقع في مطبوعه: الأغدف).
(٥) تاريخ الطبري ٧/ ٢٤٣. وقوله: فنفق فرسه … إلخ، ليس في (ص).
(٦) قوله: وقيل بيهس بن زُميل الكلابي، ليس في (ص).
(٧) في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٣: قبل أن يُقاتِل ويُعذر.
(٨) في المصدر السابق: أتاه.
[ ١١ / ٣٠٨ ]
وسار عبدُ العزيز بنُ الحجَّاج يقصد الوليدَ بنَ يزيد، فوصلَ إلى ذَنَبة، فلقيَ ثَقَل الوليد، فأخذَه، ونزل قريبًا من البَخْراء، وجاء الوليدَ رسولُ العبَّاسِ بن الوليد وهو بالقَّسْطَل (^١) يقول: أنا واصلٌ إليك.
ثم زحف إليه عبدُ العزيز، وعلى ميمنته حُوَيّ بن عَمرو (^٢) السَّكْسَكِيّ، وعلى ميسرته يعقوبُ الكلبيّ، وعلى مقدِّمته منصور بنُ جمهور، فجلس الوليد على سريره وقال: أتتوثَّب الرجالُ عليَّ وأنا أثبُ على الأسد وأتخصَّرُ الأفاعي؟! وكان ينتظر العباسَ بنَ الوليد.
فبعث عبدُ العزيز إلى أصحاب الوليد زيادَ بنَ حُصين السَّكْسَكِيّ يدعوهم إلى كتاب الله وسنَّةِ رسوله، فَطَعنَه قَطَريّ مولى الوليد فقتلَه، وحملُوا على عبد العزيز، فقتلوا من أصحابه عِدَّة، وحُملت رؤوسهم إلى الوليد وهو جالس على باب حصن البَخْراء، وعلى رأسه لواء مروان بن الحكم الذي عُقد بالجابية (^٣).
وقال الوليد: مَنْ جاء برأس فله خمس مئة [درهم]. فجاءه رجلٌ برأس، فقال: اكتبوا اسمَه. فقال: يا أميرَ المؤمنين، ليس هذا يومٌ يُعمل فيه بنسيئة (^٤).
وبلغ عبدَ العزيز مجيءُ العباس لنُصرة الوليد، فأرسلَ إليه منصورَ بنَ جُمهور، فلقيَه قريبًا من البَخْراء وهو في ثلاثين من بنيه، فقال له منصور: اعْدِلْ إلى عبد العزيز. فشتمه [العبَّاس]، فقال له منصور: واللهِ لئن تقدَّمْتَ لأفعلنَّ بك ولأصنعنَّ. وأغلظَ له، وعدلُوا به إلى عسكر عبد العزيز كُرهًا وهو يسترجعُ وكان في بنيه، ولم يكن معه أحد من أصحابه، وكان قد تقدَّمَهم.
ولما أتَوْا به عبد العزيز قال له: بايع أخاكَ يزيد. فخاف منهم، فبايع، وقال: هذه خُدعة من خُدَع الشيطان، هلك بنو مروان.
_________________
(١) في (د): القُسيطل. وقد سلف ذكر القسطل قريبًا.
(٢) كذا في النسخ (وتحرَّف فيها إلى عمر)، و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣١ (مصورة) وله ترجمة فيه ١٩/ ٣٦٨ (طبعة مجمع دمشق). وفي "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢٧، و"تايخ" الطبري ٧/ ٢٤٤: عَمرو بن حُوَيّ. والله أعلم.
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥، وتاريخ دمشق ١٧/ ٩٣١. وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢٧ - ٥٢٨.
(٤) الأغاني ٧/ ٧٩.
[ ١١ / ٣٠٩ ]
ونصبوا له رايةً، ونادَوْا: قد بايعَ العباسُ. فلما رأى أصحاب الوليد ذلك تفرَّقوا عنه.
فظاهر الوليدُ بين دِرْعين (^١)، وركبَ فرسَه السِّنديّ، وقاتلهم (^٢)، فصاح رجلٌ: اقتُلُوا الفاسقَ عدوَّ الله قَتْلَ (^٣) قوم لوط، أرْمُوهُ بالحجارة.
فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلقَ البابَ، وأحدقَ عبدُ العزيز وأصحابُه بالقصر، فدنا الوليد من الباب فقال: أما فيكم رجل شريفٌ له حَسَبٌ أُكلِّمُه؟ فقال له يزيد بن عنبسة السَّكْسَكيّ: تَكَلَّمْ. فقال: مَنْ أنت؟ قال: فلان. قال: يا أخا السَّكاسِك، ألم أَزِدْ في أُعْطِياتكم (^٤)؟! ألم أَرْفَعِ المُؤَنَ عنكم؟! ألم أُعْطِ فقراءَكم؟! ألم أفعل كذا وكذا؟ فقال له يزيد: نحن ما نَقَمْنا عليك في أنفسنا، ولكنَّا نَقَمْنا عليك انتهاكَ حُرُماتِ الله، وشربَ الخمر، واللِّواط، والفسقَ، ونكاحَ أمَّهات أولاد أبيك، واستخفافَك بأمرِ الله. فقال: حَسْبُك، فقد أكثرتَ، فواللهِ لا يُرْتَقُ فَتْقُكُم، ولا تُجمع كلمتُكم، ولا يُلَمُّ شَعَثُكُم بعد اليوم.
ثم عاد إلى القصر، فجلس ونشر المصحف في حِجْرِهِ وقال: يومٌ كيومِ عثمان، فتسوَّرُوا عليه الجدار، فكان أوَّلَ من نزل يزيدُ السَّكْسَكيّ هذا، وسيفُ الوليد إلى جنبه، فقال له: نحِّ سيفَك. فقال الوليد: لو أردتُ السيفَ لكان لي ولكم حالٌ غيرُ هذه. فأخذ يزيدُ بيد الوليد وهو يريد حَبْسَهُ، وأن يؤامِرَ فيه. فنزل من الحائط عَشَرَةٌ، منهم منصور بن جُمهور، والسَّريّ بن زياد بن [أبي] كبشة، وعبد السلام اللخمي (^٥)، فضربَه عبدُ السلام على رأسه والسَّرِيّ على وجهه، واحتزَّ رأسَه أبو علاقة القُضاعي، وجاؤوا به إلى عبد العزيز، فبعث به إلى يزيد مع رَوْح بن مُقبل، فوافاه وهو باللؤلؤة ظاهر باب الجابية، فسجدَ يزيدُ وقال: الحمد لله على قتل الفاسق (^٦).
_________________
(١) في (ص): ولما رأى الوليد ذلك ظهر بين درعين …
(٢) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢٨، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٥: وأتوه بفرسيه: السِّندي والزائد، فقاتلهم قتالًا شديدًا. وفي "تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣٢، و"مختصره" ٢٦/ ٣٧٦: وأتوه بفرسين … إلخ.
(٣) في (ص): مثل، وفي المصادر المذكورة سابقًا، و"الأغاني" ٧/ ٧٩: قِتْلَةَ.
(٤) في (ص): عطائكم.
(٥) في (خ) و(د) و(ص): السلمي. والمثبت من "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٦، و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣٢، و"مختصره" ٢٦/ ٣٧٧.
(٦) ينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٢٦ - ٥٢٧، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٧، و"الأغاني" ٧/ ٧٨ - ٨١ و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣٠ - ٩٣٢. وليس فيها قوله: فوافاه وهو باللؤلؤة ظاهر باب الجابية.
[ ١١ / ٣١٠ ]
وقال ابن عمَّار: قاتلَ الوليد حتى قُطعت يدُه، فدخل بعد ذلك إلى القصر، فضربَه يزيدُ بنُ خالد القَسْريّ تسع ضربات، وكان محبوسًا عنده، فأخذ بثأر أبيه خالد (^١).
وقيل: إنه قُتل وكان مُصْطَبحًا، وحُمِلَ جسدُه سرًّا، فدُفن بباب الفراديس (^٢).
وقال نوح بن عَمرو (^٣): رأيتُ خَدَم الوليد [بن يزيد] وحَشَمَه يومَ قُتل يأخذون بأيدي الرجال، فيُدخِلُونهم (^٤) عليه ليقتلوه (^٥).
وقال عَمرو بنُ مروان الكلبي: قُطعت كفُّ الوليد، فبعث بها عبدُ العزيز إلى يزيد بن الوليد قبل الرأس؛ قُدم بها ليلةَ الجمعة، وأُتِيَ بالرأس من الغد، فأمر يزيد بنصب الرأس، فقال يزيد بن فَرْوَة (^٦): إنَّما تُنصَبُ رؤوسُ الخوارج، وهذا ابنُ عمِّك وخليفة، ولا آمنُ إن نصبْتَه أن ترقَّ قلوبُ الناس، ويغضبَ له أهلُ بيته، فلم يلتفت [إليه] وطاف به (^٧)، ثم نصبه، وبعثَ به إلى أخيه سليمان بن يزيد، فنظو إليه [سليمان] وقال: بعدًا له وسُحْقًا، أشهدُ أنه كان فاسقًا شَرُوبًا للخمر، ولقد راودني [أو أرادني] على نفسي (^٨).
[وكان الرأسُ مع ابن فَرْوَة مولى بني مروان، فخرج به من دار سليمان، فتلقَّتْهُ مولاة للوليد، فأخبرها ابنُ فَرْوَة بقول سليمان، فقالت: كذب -واللهِ- الخبيث، ما فعل، ولو كان أراده على نفسه؛ ما كان يمتنع عليه] (^٩).
_________________
(١) الخبر في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٣٦ مختصر.
(٢) ينظر المصدر السابق ٧/ ٥٣٦ و٥٣٧، وتاريخ دمشق ١٧/ ٩٣٧.
(٣) هو نوح بن عَمرو بن حُوَيّ السكسكي، أخو حُوَيّ بن عَمرو. ينظر "تاريخ دمشق" ١٩/ ٣٩٨ (طبعة المجمع).
(٤) في (خ): فيدخلوا بهم، وفي (د): فدخلوا بهم. والمثبت من (ص)، وهو موافق لما في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٤٧، و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣٢، والخبر فيهما.
(٥) في النسخ: ليقتلونه، وأثبتُّ اللفظة على الجادة، وهي لم ترد في المصدرين السابقين.
(٦) تحرَّف في النسخ و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣٤ إلى: قُرَّة. وأثبتُّ اللفظة على الصواب لأنها سترد في النسخ و"تاريخ دمشق" كذلك في تتمة الخبر. وينظر أيضًا "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٣٢، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٥٠ - ٢٥١، و"مختصر تاريخ دمشق" ٢٦/ ٣٧٨. وليزيد بن فروة ترجمة في "تاريخ دمشق" ١٨/ ٣٦١.
(٧) يعني يزيد بن فروة، حيث أمره يزيد بن الوليد بذلك، كما في المصدرين السابقين، وكما سيرد من (ص) بين حاصرتين.
(٨) المصادر السابقة، وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٩) أنساب الأشراف ٧/ ٥٣٢ - ٥٣٣، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٥١، وتاريخ دمشق ١٧/ ٩٣٥، وهذا الكلام بين حاصرتين من (ص)، وتحرف فيها: ابن فروة، إلى: أبي فروة.
[ ١١ / ٣١١ ]
وقال ابن عساكر: بذل يزيد بن الوليد في رأس الوليد مئة ألف (^١)، فلما حضر بين يديه سجد، ونصبَه على حائط دمشق، وبقيَ دمُهُ على الحائط حتى دخلَ المأمون دمشق سنة خمس عشرة ومئتين، فأمر بحكّه (^٢).
ولما قتل الوليد نهبَ (^٣) الناسُ خزائنَه وأمواله ومتاعَه.
قال الزِّياديّ (^٤): قدم برأس الوليد على يزيد عَشَرَة، منهم منصور بن جمهور، ورَوْح بنُ مُقْبل، وعبدُ الرحمن وَجْهُ الفَلْس (^٥)، فأعطى كلَّ واحدٍ منهم عَشَرَة آلافِ درهم.
وقال المدائني: كان الوليد صاحبَ لهوٍ وصَيد ولذَّات، فلما وليَ الأمرَ كره (^٦) الأماكن التي يراه الناس فيها، فلم يدخل مدينة من مدائن الشام حتى قُتل.
[وقال هشام بن عمَّار -فيما حكاه عنه أبو القاسم بن عساكر (^٧) - إن العباسَ بنَ الوليد قاتل مع الوليد بن يزيد حفظًا لبيعته، فطعنه رجل من أصحاب عبد العزيز، فرماه (^٨) وأخذه أسيرًا إلى عبد العزيز].
وقال يزيد بن خالد القَسْرِيّ:
تَرَكْنَا أميرَ المؤمنين مجدَّلًا … مُكِبًّا على خَيشُومِهِ غيرَ ساجدِ
وإنْ تقطعُوا منَّا مَنَاطَ قِلادَةٍ … قَطَعْنَا بها منكم مَنَاطَ قَلائدِ
وإن تَشْغَلُونا عن أذانٍ فإنَّنا … شَغَلْنَا الوليدَ عن أذانِ الوَلَائدِ
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٧/ ٩٣٤.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ص) و(د): انتهب. وينظر المصدر السابق.
(٤) هو أبو عاصم الزيادي، ونقل الكلام الآتي عن الحكم بن النعمان مولى الوليد بن عبد الملك، كما في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٥١ - ٢٥٢. ووقع في (ص): وقال هشام الزِّيادي.
(٥) هو عبد الرحمن بن ميمون بن صَلَّتان، له ترجمة في "تاريخ دمشق" ٤٢/ ٥٢ - ٥٣ (طبعة مجمع دمشق).
(٦) في (ص): جعل يكره، وهو كذلك في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥١٥، والخبر فيه عن المدائني، وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٣١ عن المنهال بن عبد الملك.
(٧) كذا في (ص) (والكلام منها وهو ما بين حاصرتين) ولم أقف عليه عند ابن عساكر، ولعله وهم، وقد سبق مثل هذه الأوهام في هذه النسخة، وهو في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٣١.
(٨) كذا في (ص)، وجاء بدلها في المصدر السابق: فأرداه عن فرسه.
[ ١١ / ٣١٢ ]
من أبيات (^١).
[وقال الوليد وأبو معشر وهشام بن محمد:] قُتلَ الوليد [بن يزيد] يوم الخميس لليلتَين بقيتا من جمادى الآخِرة سنة ستٍّ وعشرين ومئة بناحية من نواحي دمشق.
وقيل: بقرية [يقال لها:] البَخْراء فيها قصرُ النُّعمان بن بشير.
وقيل: هي من أعمال ذَنَبَة والمَاطِرُون.
واختلفوا في سنِّهِ على أقوال:
أحدُها: أنه قُتل وهو ابنُ ثمانٍ وثلاثين سنة (^٢).
والثاني: ابنُ ستٍّ وثلاثين سنة.
والثالث: ابنُ اثنتين وأربعين سنة.
والرابع: ابنُ خمس وأربعين سنة.
والخامس: ابنُ إحدى وأربعين سنة.
والسادس: ابن ستٍّ وأربعين سنة (^٣).
[قلت: وهذا الاختلاف إنَّما نشأ من اختلافهم في مولده. وقد ذكرنا في خلافته؛ منهم من قال: وُلد في اثنتين وتسعين، أو في سنة تسعين، أو سنة أربع -أو خمس- وثمانين] (^٤).
_________________
(١) الأبيات في (خ) و(د)، ولم ترد في (ص)، وهي في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٦٠ - ٢٦١، و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣٧ باختلاف يسير، ولفظ صدر البيت الأخير فيهما: فإن تشغلونا عن ندانا فإننا. والشطر الثاني فيهما وفي "العقد الفريد" ٤/ ٤٦٣ بلفظ: شَغَلْنا الوليدَ عن غناء الولائد. وهو الأشبه. ونسبت الأبيات في هذه المصادر لخلف بن خليفة.
(٢) بعدها في (ص) (والكلام منها): قاله الواقدي، وهو خطأ، وإنما هذا قول هشام الكلبي، والقول بعده للواقدي كما في "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٥٣.
(٣) من قوله: واختلفوا في سنه على أقوال … إلى هذا الموضع؛ لفظُه من (ص)، وجاء في (خ) و(د) مختصرًا، ودون نسبة الأقوال لأصحابها. وينظر المصدر السابق (والكلام منه)، و"أنساب الأشراف" ٧/ ٥٣٧، و"تاريخ دمشق" ١٧/ ٩٣٥ - ٩٣٧.
(٤) ما بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٣١٣ ]
واختلفوا في أيَّامه، فقال أبو معشر: كانت أيَّامُه سنة وثلاثة أشهر.
وقال هشام بن محمد: سنة وشهرين واثنين وعشرين يومًا (^١).
[وهذا الاختلاف على حسب ما اختلفوا في بيعته. وقد ذكرتُه هناك] (^٢).
وكان له من الولد: عثمان، وأمُّه عاتكة بنتُ عثمان بن محمد [بن عثمان بن محمد] (^٣) بن أبي سفيان بن حَرْب، والحَكَم لأمِّ ولد، وهما اللذان عهد إليهما، فلما قُتل؛ دَخَلَا في سِرْب القصر، فأخَذَهما عبدُ العزيز بنُ الحجَّاج، فأتى بهما يزيدَ بنَ الوليد، فدَفَعهما إلى عمِّهما سليمان، فبقيا عنده أيَّامًا، ثم ردَّهما إلى يزيد بنِ الوليد وقال: قد كَثُرَ اختلافُ الناس إليهما، ولهما بيعةٌ في أعناقهم، وأخافُ الوثوبَ معَهما، فحبسهما يزيدُ في الخضراء في القصر (^٤).
وسعيدٌ؛ أمُّهُ أمُّ عبد الملك بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفَّان، والعباسُ، ويزيدُ، وفِهْر، ولُؤيّ، وقُصَيّ، والعاص، وواسط (^٥)، والفتح (^٦)، وذُؤابة، وأمُّ الحجَّاج؛ لأمَّهات أولاد شتَّى.
وأمُّ الحجَّاج تزوَّجها محمد بن [يزيد بن] (^٧) الوليد بن عبد الملك، ثم خَلَفَ عليها يحيى بن عبد الله (^٨) بن مروان بن الحكم. وأَمَةُ الله بنتُ الوليد، تزوَّجها عبدُ العزيز بنُ الوليد بن عبد الملك (^٩).
_________________
(١) قوله: واختلفوا في أيامه …، لفظُه من (ص)، وجاء في (خ) و(د) مختصرًا.
(٢) ما بين حاصرتين من (ص).
(٣) ما بين حاصرتين من "نسب قريش" ص ١٦٧، و"جمهرة أنساب العرب" ص ٩١.
(٤) أنساب الأشراف ٧/ ٥٣٧.
(٥) في (خ) و(د) (والكلام منهما): وواصل ودولة. أما واصل فهو محرَّف عن واسط، والمثبت من المصادر الثلاثة السابقة و"تاريخ دمشق" ٤٧/ ٤١ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة عثمان بن الوليد). وأما دولة فلم أجد من ذكر ذلك، ووقع في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٧٦: ذؤالة، ولعله محرف عن ذؤابة الآتي.
(٦) في المصادر السابقة: فتح، بدون أل التعريف.
(٧) ما بين حاصرتين من "نسب قريش" ص ١٦٧، و"جمهرة أنساب العرب" ص ٩٢ وعبارته: تزوَّجها محمد بن أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، وجاء في "تاريخ دمشق" ٤٧/ ٤١ (الطبعة المذكورة سابقًا): محمد بن يزيد بن محمد بن الوليد بن عبد الملك.
(٨) في "جمهرة أنساب العرب" و"تاريخ دمشق": عُبيد الله.
(٩) ذُكر في المصادر السابقة من أولاد الوليد أيضًا: موسى والوليد. ومن قوله: وكان له من الولد عثمان … إلى هذا الموضع، لم يرد في (ص).
[ ١١ / ٣١٤ ]
ولم يحجَّ الوليد سوى حَجَّةٍ واحدة في سنة ستّ عشرة ومئة، ونَقْشُ خاتَمِه: يا وليد احذر الموت (^١).
وكاتبه العاص (^٢) بن مسلم، وحاجبُه قَطَريّ مولاه، وقاضيه محمد بن صفوان الجُمحي، وعلى شرطته أحمد بن محمد الكلبي (^٣).
ذكر جماعة من الوافدين عليه
منهم: