ويعرف بالفارسي البصري (^٥)، من الطبقة الرابعة من التابعين من أهل البصرة.
[واختلفوا في سبب زُهده في الدُّنيا وتخلِّيه عنها، وكان مجابَ الدعوة.
ذكره جدّي ﵀ في "الصفوة" (^٦) وقال: حضر مجلس الحسن البصريّ، فتأثَّر بموعظته، فخرج عمَّا كان فيه.
ثم ذكر القصة فقال: حدثنا محمد بن أبي القاسم بإسناده عن يونس بن محمد قال: سمعت مشيخة يقولون:] وكان الحسن يجلس في مجلسه الذي يُذَكِّر فيه كلَّ يوم، وكان حبيب أبو محمد يجلس في مجلسه الذي يأتيه فيه أهلُ الدنيا والتجار وهو غافل عمَّا فيه الحسن، لا يلتفت إلى شيءٍ من مقالته؛ إلى أن التفتَ إليه يومًا، فذكَّره الحسن بالجنَّة،
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٨/ ٤٣٨.
(٢) في (ب) و(خ) و(د): وأنفق على القرَّاء … والمثبت عبارة (ص) وكل ما سلف وسيأتي بين حاصرتين منها. والكلام في "حلية الأولياء" ٥/ ٦١.
(٣) حلية الأولياء ٥/ ٦١، وصفة الصفوة ٣/ ١٠٧.
(٤) ينظر "طبقات" ابن سعد ٨/ ٤٣٨. وقوله: في هذه السنة، يعني سنة (١١٩).
(٥) بعدها في (ص) ما صورته: "وكنيتُه أبو سعيد". اهـ. ولم أقف على من كنَّاه بهذا، إنما كنيتُه أبو محمد، كما سيرد. لذا لم أثبت هذه الزيادة من (ص) أعلاه.
(٦) صفة الصفوة ٣/ ٣١٥. وهذا الكلام بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٩٩ ]
وخوَّفه من النار، فانصرفَ من عنده، فلم يزل في تبديد ماله حتى لم يبق له شيء، ثم جعل يستقرضُ على الله بعد ذلك (^١).
[وقد ذكر القصة أبو القاسم ابن عساكر بهذا الإسناد عن أبي نُعيم (^٢)، وذكر فيها أن حبيب العجمي وقف على حلقة الحسن وقال: اين همي كوي. ومعناه بالفارسية: أيش يقول هذا؟].
وقال أبو جعفر السائح: كان حبيب تاجرًا يُقرض (^٣) الدراهم، فمرَّ ذات يوم بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الرِّبا. فنكَّس رأسه وقال: يا ربّ، أفشيتَ سِرِّي إلى الصِّبيان، وإنما كنتُ أُعيرُ الدراهم. فرجع إلى بيته، وقدَّم ماله كلَّه بين يديه، ولبس مِدْرَعَةَ شعر، ومرَّ بأولئك الصبيان، فقالوا: اسكتُوا، قد جاء حبيب الزاهد العابد. فبكى وقال: يا ربّ، الكلُّ منك.
[وذكر ابنُ عساكر أنه كان يُعير الدراهم].
[وقرأتُ على شيخنا موفق الدِّين ﵀ من كتاب "التوَّابين" بإسناده قال (^٤):] كان سببُ (^٥) إقبال حبيب على الآجلة، وانتقاله عن العاجلة، حضورَه مجلس الحسن، فوقعت موعظتُه في قلبه، فخرج عمَّا كان فيه، ثقةً بالله، ومستكفيًا (^٦) بضمانه، فاشترى نفسَه من الله ﷿، فتصدَّق (^٧) بأربعين ألف درهم [في] أربع دَفَعات؛ تصدَّقَ بعشرة آلاف درهم في أوَّل النهار، وقال: يا ربّ، قد اشتريتُ نفسي منك بهذه. ثم أَتْبَعَها
_________________
(١) صفة الصفوة ٣/ ٣١٥ - ٣١٦.
(٢) تاريخ دمشق ٤/ ١٦٩ (مصورة دار البشير). وهو في "حلية الأولياء" ٦/ ١٤٩.
(٣) في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٠ (مصورة دار البشير): يُعير (والخبر فيه) وسترد هذه اللفظة آخر الخبر بين حاصرتين من (ص).
(٤) التوابين ص ٢١٤، وهو في "حلية الأولياء" ٦/ ١٤٩. و"المنتظم" ٧/ ١٢٧.
(٥) في (ب) و(خ) و(د): وقال شيخنا موفق الدين: كان سبب … والمثبت عبارة (ص) والكلام بين حاصرتين منها.
(٦) في (ص) و"التوابين": مكتفيًا.
(٧) في (ب): وتصدَّق.
[ ١١ / ١٠٠ ]
بعَشَرة آلاف أخرى، وقال: هذه شكرًا (^١) لما وفَّقْتَني له. ثم أخرجَ عَشرة آلاف أخرى، وقال: يا ربّ، إن لم تقبل منّي الأولى والثانية، فاقبل منّي هذه، ثم تصدَّق بعشرة آلاف أخرى، وقال: يا ربّ، إنْ قبلتَ مني الثالثة، فهذه شكرًا لها.
[ذكر طرف من أخباره:
قال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن يونس بن محمد قال: سمعت مشيخة لنا يقولون:] جاء رجل (^٢) إلى حبيب، فشكا إليه دينًا عليه، فقال: اذهب واستقرض وأنا ضامن. فأتى رجلًا، فأقرضَه خمس مئة درهم، وضمنَها حبيب، ثم جاء الرجل فقال: يا أبا محمد، دراهمي، فقد أضرَّ بي حَبْسُها. فقال: نعم، غدًا. فتوضَّأ أبو محمد، ودخلَ المسجد، ودعا الله تعالى. وجاء الرجل، فقال: اذهب، فإن وجدتَ في المسجد شيئًا فخُذْهُ.
فذهب، فإذا في المسجد صُرَّةٌ فيها خمس مئة درهم وزيادة، فرجع إليه وقال: يا أبا محمد، قد زادت الدراهم. فقال: اذْهَبْ فهي لك، مَنْ وَزَنَها، وَزَنَها راجحةً.
[وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن جعفر بن سليمان قال: سمعت حبيبًا يقول:] أتانا سائل (^٣) وقد عجنَتْ عَمْرَةُ (^٤) وذهبت تجيءُ بنارٍ لتخبزه، فقلت للسائل: خذِ العجين. فاحتملَه، فجاءت عَمْرةُ، فقالت: أين العجين؟ فقلتُ: ذهبوا به يخبزونه (^٥). فلما أكثرَتْ عليّ؛ أخبرتُها، فقالت: سبحان الله! لابدّ لنا من شيء نأكلُه (^٦). وإذا برجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزًا ولحمًا، فقالت عَمْرة: ما أسرعَ ما خبزُوه وجعلوا معه لحمًا!
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية و"الحلية" (في الموضعين). وفي "التوابين": شكر. وهو الوجه. وفي "المنتظم": شكرانُها.
(٢) في (ب) و(خ) و(د): وجاء رجل … والمثبت عبارة (ص) والكلام بين حاصرتين منها. والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٠، و"تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٣ (مصورة دار البشير).
(٣) في (ب) و(خ) و(د): وقال حبيب: أتانا سائل … والمثبت عبارة (ص)، والكلام بين حاصرتين منها. والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٢، و"تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٢.
(٤) هي زوجة حبيب، من العابدات، لها ترجمة في "صفة الصفوة" ٤/ ٣٥.
(٥) في (خ): ليخبزوه. والمثبت من النسخ الأخرى.
(٦) من قوله: يخبزونه … إلى هذا الموضع، سقط من (خ).
[ ١١ / ١٠١ ]
[وقال عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن جعفر قال:] كان حبيب (^١) من أكثر الناس بكاءً؛ بكى ذاتَ ليلة بكاءً كثيرًا، فقالت له عَمْرةُ بالفارسية: كم (^٢) تبكي! فقال: دعيني، فإني أُريد أن أسلك طريقًا لم أسلكه قبل.
قال: [وسمعتُه يقول:] إن الشيطان ليلعب بالقرَّاء كما يلعب الصبيان بالجَوْز.
[قال:] ولو دعاني الله تعالى يومَ القيامة وقال: يا حبيب، هل جئتَني بصلاة يوم، أو صوم يوم، أو ركعة، أو تسبيحة، أو سجدة، سَلِمَتْ من إبليس؟ ما استطعتُ أقول: نعم (^٣).
[وروى أبو نُعيم عن أحمد بن أبي الحواريّ قال: سمعتُ أبا] سليمان الداراني [يقول:] كان حبيب (^٤) يأخذ متاعًا من التُّجَّار يتصدَّق به، فأخذ مرَّةً، فلم يجد شيئًا يُعطيهم، فقال: يا ربّ، ينكسر (^٥) وجهي عندهم. فدخلَ بيتَه فإذا جُوالقُ شعر (^٦) من أرض البيت إلى السقف مملوءةٌ دراهم، فقال: يا رلث، ليس هذا أردتُ [أو ليس أريد هذا. قال:] فأخذ حاجته وترك الباقي.
[وقال أبو بكر بن عبيد المعروف بابن أبي الدنيا: حدثني أبو إسحاق الأدمي (^٧) قال: سمعتُ] مسلم بن إبراهيم [يقول:] إن رجلًا (^٨) أتى حبيبًا [أبا محمد] فقال: إن لي عليك ثلاث مئة درهم. قال: من أين؟ قال: لي عليك. فقال له حبيب: اذهبْ إلى
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د): وكان حبيب. والمثبت عبارة (ص) والكلام بين حاصرتين منها. والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٤.
(٢) في "حلية الأولياء": لِمَ.
(٣) في (ص): أني أقول نعم، وفي "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٣، و"تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٦ (والكلام فيه): أن أقول نعم أي ربّ. وفي "صفة الصفوة" ٣/ ٣١٧ بنحوه.
(٤) في (ب) و(خ) و(د): وقال أبو سليمان الداراني: كان حبيب … والمثبت عبارة (ص). والكلام الواقع بين حاصرتين منها. والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٣، و"تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٥.
(٥) في "الحلية": يا ربّ. كأنه قال إنه ينكسر … إلخ. وبنحوه في "تاريخ دمشق".
(٦) الجُوالق وعاء خَيْش ونحوه، يوضع فيه عادةً القمح ونحوه.
(٧) هو إبراهيم بن راشد بن سليمان. ينظر "تاريخ بغداد" ٦/ ٥٨٦. وتحرفت لفظة "الأدمي" في (ص) (والكلام منها) إلى الأدري.
(٨) في (ب) و(خ) و(د): وقال مسلم بن إبراهيم إن رجلًا … والمثبت عبارة (ص). والكلام بين حاصرتين منها.
[ ١١ / ١٠٢ ]
غد. فلما كان من الليل توضَّأ وصلَّى وقال: اللهمَّ إنْ كان صادقًا فأدِّ إليه، وإن كان كاذبًا فابتله في بَدَنه. [قال:] فجيء بالرجل من الغد وقد ضَرَبَ شِقَّه الفالج (^١)، فقال: ما لك؟ فقال: أنا الذي جئتُك بالأمس ولم يكن لي عليك شيء، وإنما قلتُ: تستحيي من الناس فتعطيني. فقال له: تعود؟ فقال: لا. فقال. اللهمَّ إن كان صادقًا فألْبِسْهُ العافية. فقام الرجل كأنَّه لم يكن به شيء.
وقال [ابن أبي الدنيا عن] السَّريّ (^٢) بن يحيى: اشترى حبيبٌ طعامًا في مجاعة أصابت الناس، فقسَمَه على المساكين، ثم خاط أكيسةً، فجعلها تحت فراشه، ثم دعا الله، فجاء أصحابُ الطعام يتقاضَوْنه، فأخرج تلك الأكيسة، فإذا هي مملوءةٌ دراهم، فوزنَها، فإذا هي حقوقهم، فدفعها إليهم.
[وروى ابن أبي الدنيا عن السريّ أيضًا قال:] كان حبيب (^٣) يُرى يوم التروية بالبصرة، ويرى يوم عرفة بعرفات.
[وروى ابن أبي الدنيا عن] عبد الواحد بن زيد [قال:] كنا عند مالك (^٤) بن دينار ومعنا محمد بن واسع وحبيب أبو محمد، فجاء رجل فكلَّم مالكًا وأغلظَ له في قِسْمَةٍ قَسَمَها فقال: وضعتَها في غير موضعها، وتبعث بها إلى أهل مجلسك ومن يغشاك لتكثر غاشيتك وتصرفَ وجوه الناس إليك. فبكى مالك وقال: واللهِ ما أردتُ هذا. قال: بلى، أردتَ هذا. ومالك يبكي والرجل يُغلظ له، فلما كثَّر الرجلُ رفع حبيب يديه إلى السماء وقال: اللهم إنَّ هذا قد شغلَنا عن ذكرك، فأرِحْنا منه كيف شئت. [قال:] فسقَطَ الرجلُ ميِّتًا، فحمله أهله على سرير.
وكان أبو محمد مستجابَ (^٥) الدعوة.
_________________
(١) في (ص): بالفالج.
(٢) في (ب) و(خ) و(د): وقال السريّ … والمثبت عبارة (ص). والكلام بين حاصرتين منها. والخبر في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٣ (مصورة دار البشير).
(٣) في النسخ المذكورة: وقال السري: كان حبيب … والمثبت عبارة (ص) وما بين حاصرتين منها. والخبر في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٥.
(٤) في النسخ: وقال عبد الواحد بن زيد: كنا عند مالك ..، والمثبت عبارة (ص). وما بين حاصرتين منها. والخبر في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٧١.
(٥) في (ص): مجاب.
[ ١١ / ١٠٣ ]
[وروى أبو نُعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال:] كان (^١) حبيب: يقول: من لم يُقِرَّ عينَه (^٢) بك فلا قرَّت، ومن لم يأنس بك فلا أنِس.
[وروى ابنُ أبي الدنيا عن عبد الواحد بن زيد قال:] كانت عَمْرَةُ (^٣) زوجة أبي محمد حبيب سيِّئةَ الخُلُق؛ قالت له يومًا: قد أخرجتَ كلَّ ما كان عندك، وهَبْ أني وأنت نصبر (^٤)، ما تصنع بهؤلاء الصبيان؟ فقُم واخْرُجْ وتسبَّبْ.
فخرج إلى المقابر، وأقام يصلي طوال النهار (^٥)، ثم رجع آخر النهار إلى بيته، فقالت: أين كنت؟ فقال: أجَّرْتُ نفسي من (^٦) مستعمل أعمل معه. ثم فعل ذلك أيَّامًا، فقالت له: فأين أجرتُك؟ اطْلُبْ من مستعملك القُوت.
فلما غدا إلى الجَبَّان (^٧) قام فصلَّى على عادته، ثم قال: إلهي قد علمتَ الحال، وأنت مطَّلعٌ على السرائر، وقد قالت عَمْرَةُ ما قد علمتَ، ولولاها ولولا الصِّبيان (^٨) لصبرت.
ثم أقام إلى الليل، وجاء بعد العشاء الآخرة، وإذا بمائدة قد نُصبت والصبيان يلعبون حولَها والمرأة مسرورة، فدخل البيت وإذا بأكياس فيها دراهم وثياب كثيرة، فقال (^٩): من أين هذا؟ فقالت عمرة: بعث به مستعملُك إلينا مع غلمان صِباح الوجوه، ما رأيتُ في الدُّنيا أحسنَ من وجوههم، وقالوا: سلِّمي على حبيب، وقولي له: يقولُ
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د): وكان. والمثبت عبارة (ص) والكلام بين حاصرتين منها. ولم أقف على الخبر عند أبي نُعيم. وهو في "تاريخ دمشق" ٥/ ١٧٧، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢٠.
(٢) في (ب) و(د): عينيه.
(٣) في (ب) و(خ) و(د): وقال عبد الواحد بن زيد: كانت عمرة. والمثبت عبارة (ص). والكلام بين حاصرتين منها.
(٤) كلمة: نصبر، ليست في (ص).
(٥) في (خ): الليل، وهو خطأ.
(٦) في (ص): إلى.
(٧) في (ص): الجبَّانة. وهما بمعنى، يعني المقبرة.
(٨) في (ب): ولولا هي والصبيان. وفي (ص): ولولا هؤلاء الصبيان.
(٩) في (ص): فقالوا.
[ ١١ / ١٠٤ ]
لك مستعملك: ما منعتُك الدنيا بُخلًا (^١)، ولكن ليستكمل نصيبُك من كرامتي، فطِبْ نفسًا، وقَرَّ عينًا، فعندي كلُّ ما تؤمِّلُ.
فبكى بكاءً شديدًا، فقالت: مالك؟! فقال: ويحك! إنما هو إلهى. فبكت المرأة وقالت: واللهِ لا عُدْتُ لمثلها (^٢).
[وحكى أحمد بن أبي الحواري قال: مرَّ حبيب بمصلوب، فوقف عليه وقال: بأبي ذلك اللسان الذي كنت تقول به: لا إله إلَّا الله. اللهم هَبْ لي ذنبَه. قال: وكان قد صلب ووجهه إلى الشرق، فأصبحت خشبتُه قد استدارت إلى القبلة] (^٣).
[ذكر وفاته]:
وتوفي بالبصرة في هذه السنة.
[وروى ابن أبي الدنيا عن أبي زكريا قال:] وقالت امرأته: كان يقول: إن مِتُّ اليوم، فأرسلي إلى فلان يغسّلني، وافعلي كذا وكذا. يقول ذلك كلَّ يوم (^٤).
وقال عبد الواحد بنُ زيد: جزع حبيب عند الموت جَزَعًا شديدًا، فكان يقول بالفارسية: أريدُ أن أسافر سفرًا ما سافرتُه قطّ، وأسلكَ طريقًا ما سلكتُه قطّ، وأزورَ سيِّدي ومولاي ما (^٥) رأيتُه قطّ، وأدخلَ تحت التراب، فأبقى فيه إلى يوم القيامة، ثم يُوقِفُني بين يديه، فأخاف أن يقول: يا حبيب، هل جئتَني بتسبيحة واحدة في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء؟ فماذا أقول وليس لي حيلة؟ أقول: ها يا ربّ قد أتيتُك مقبوضَ اليدين إلى عنقي.
قال عبد الواحد بن زيد: فهذا عَبَدَ اللهَ ستين سنةً لم يشتغل بغير العبادة، ولم يتلبَّس من الدنيا بشيء قطّ، فكيف يكون حالُنا نحن؟ واغوثاه بالله (^٦)!.
_________________
(١) كلمة "بخلًا" ليست في (ص).
(٢) لم أقف على هذا الخبر.
(٣) الكلام بين حاصرتين من (ص)، وهو في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٧ (مصورة دار البشير).
(٤) تاريخ دمشق ٤/ ١٧٨ (مصورة دار البشير).
(٥) في (ب) و(خ) و(د): وما. والمثبت من (ص). وهو موافق لما في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٦) تاريخ دمشق ٤/ ١٧٧ - ١٧٨، وصفة الصفوة ٣/ ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ١١ / ١٠٥ ]
[قلت: روى جدّي ﵀ في "الصفوة" عن أبي نُعيم الأصفهاني أنه قال: كان حبيب مشغولًا بالتعبُّد، ولا نعرف له حديثًا مسندًا.
قال: وقيل: إنه أسند عن الحسن وابن سيرين (وهو وهمٌ من قائله، فإنَّ حبيبًا الذي أسندَ عنهما) (^١) حبيب المعلِّم].
وروى عنه جعفر بن سليمان، وصالح بن بِشْر المُرِّيّ، ويزيد الخثعمي، وغيرهم (^٢).
[وله مع الفرزدق الشاعر حكاية:
قال:] وقدم حبيب [العجمي] الشام، ودخل دمشق، ولقي الفرزدق الشاعر وغيره.
قال حبيب: لقيتُ الفرزدق بالشام، فقال: قال لي أبو هريرة (^٣): إنه (^٤) سيأتيك أقوام يؤيسونك من رحمة الله، فلا تأيس (^٥).
[وحكى أبو القاسم ابن عساكر أن] الحسن البصري أتاه هاربًا (^٦) من الحجَّاج، فقال: يا أبا محمد، احفظني من الشُّرَط، فهم على إثري. فقال حبيب: يا أبا سعيد، ليس بينك وبين ربِّك من الثقة ما تدعو فيسترَك من هؤلاء؟! ادْخُل البيت. فدخل، ودخلَ الشُّرَط على إثره، فقالوا: يا أبا محمد، دخل الحسن ها هنا؟ قال: ادخُلوا. فدخلوا، فلم يروا الحسن، فخرجوا، وذكروا ذلك للحجَّاج، فقال: بلى كان في بيته، ولكنَّ الله طمس على أعينكم فلم تروه.
[انتهت سيرة حبيب العجمي، رحمه الله تعالى].
_________________
(١) قوله: وهو وهم من قائله … إلخ (وهو ما بين قوسين عاديين) من "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٤ - ١٥٥، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢١ وسقط من (ص) والكلام منها وهو الواقع بين حاصرتين.
(٢) قوله: وروى عنه جعفر بن سليمان … إلخ، ليس في (ص).
(٣) في (ب) و(خ) و(د) (والخبر منها): فقال لي قال أبو هريرة. والمثبت من "تاريخ دمشق" ٤/ ١٦٩، و"مختصره" ٦/ ١٨٦.
(٤) في (خ): إنك.
(٥) في المصدرين السابقين: تيأس، وهما بمعنى.
(٦) في (ب) و(د) و(خ): وأتاه الحسن البصري هاربًا … والمثبت عبارة (ص) والكلام بين حاصرتين منه، والخبر في "تاريخ دمشق" ٤/ ١٧٠ (مصورة دار البشير).
[ ١١ / ١٠٦ ]