ابن يزيد بن أَسَد بن كُرْز بن عامر البَجَليّ القَسْريّ، [من بَجِيلة، وقَسْر فَخِذٌ منها.
_________________
(١) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٥٢: فكَمْ كمْ إلى كَمْ كلَّ يومٍ نُبايعُ.
(٢) ينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٤٨ - ٥٥٠، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩٩، و"العقد الفريد" ٤/ ٤٦٥ - ٤٦٨، و"تاريخ دمشق" ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٩ (مصورة دار البشير).
(٣) كذا في (د). وفي (خ): عمالها. وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ٢٩٩: وعلى أحداث البصرة المسور. . . ولم ترد هذه العبارة في (ص).
(٤) تاريخ الطبري ٧/ ٢٩٩.
[ ١١ / ٢٦١ ]
وذكره الجوهريّ فقال: وقَسْر بطن من بَجِيلة، وهم رهط خالد بن عبد الله القَسْريّ] (^١).
واسم قَسْر مالك بن عبقر من بَجِيلة.
ويقال: إن خالدًا غير صحيح النسب في بَجِيلة.
[قال: وبَجِيلة حيٌّ من اليمن، والنسبة إليهم: بَجَليّ، بالتحريك. ويقال: إنَّهم من مَعَدّ؛ لأن نزار بن مَعَدّ وَلَدَ مُضرَ وربيعةَ وإيادًا وأنمارًا، ثم أنمارٌ وَلَدَ بَجِيلة وخَثْعم، فصاروا باليمن (^٢).
قال أبو القاسم ابن عساكر: وخالد وأسد من أهل دمشق، وجدُّهما يزيد بن أسد] وفد يزيد بن أسد على النبي ﷺ، ونزل الشام، وروى الحديث عن رسول الله ﷺ.
وكنية خالد أبو الهيثم.
[وقال هشام:] وكنية أبيه عبد الله أبو يحيى، وكان من عقلاء الرجال [وقد ذكرناه فيما تقدّم].
[وقال المبرّد:] قال عبد الملك بن مروان لعبد الله أبي خالد: ما مالُك؟ فقال: شيئان: الرِّضى عن الله، والغِنَى عن الناس. فقيل له بعد ذلك: هلَّا أخبرتَه بمقدار مالِك؟ فقال: لم يَعْدُ أنْ يكون قليلًا فيحتقرني، أو كثيرًا فيحسدني (^٣).
[وقال ابن معين: وأهل خالد بن عبد الله ينكرون أن يكون لجدِّه صحبة، ولو كان له صحبة لعرفوا ذلك] (^٤).
ذكر طرف من أخبار خالد:
[قال خليفة:] وليَ خالد مكة سنة تسع وثمانين، فلم يزل واليًا عليها حتى مات الوليد، فأقرَّه سليمان، ثم عزلَه، وولَّى مكَّة داود بنَ طلحة.
_________________
(١) الصحاح ٢/ ٧٩١ (قسر). والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٢) المصدر السابق ٤/ ١٦٣٠ (يحل) ولم يجوّد النسب في (ص) والكلام منها (وهو ما بين حاصرتين) فأثبتُّه من هذا المصدر.
(٣) الكامل للمبرّد ١/ ٢٧٠.
(٤) الكلام بين حاصرتين من (ص). =
[ ١١ / ٢٦٢ ]
وفي سنة ستٍّ ومئة وَلِيَ خالد العراق، وعُزل سنة عشرين ومئة [ووليَها يوسف بن عمر (^١).
وذكر الهيثم بن عديّ خالدًا في أبناء النصرانيات.
وذكره أبو القاسم ابن عساكر وقال:] وكانت له دار بدمشق، وهي مربَّعة القزّ، ويعرف اليوم بدار الشريف اليزيدي (^٢)، وإليه يُنسبُ الحمَّام الذي مقابلَ قنطرة سنان بباب توما.
و[قال: وروى الحسن بنُ الحسين قال:] حْطبَ [خالد] بواسط فقال: أيُّها الناس، تنافسُوا في المكارم، وسارِعُوا في المغانم، واشترُوا الحمدَ بالجود، ولا تكتسبوا بالباطل (^٣) ذَمًّا، ولا تعتدُّوا بمعروف لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة لا يبلغُ شُكرَها؛ فالله أحسنَ له جزاءً وأجزلَ له عطاءً.
واعلموا أنَّ حوائج الناس إليكم نِعَمٌ من الله عليكم، فلا تَمَلُّوا النِّعم فتُحَوَّلَ نِقَمًا، وإنَّ أفضل المال ما اكتسب به صاحبُه أجرًا، وأورثَ له ذِكْرًا.
ولو رأيتُم المعروفَ رأيتُموه رجلًا حسنًا جميلًا يَسُرُّ الناظرين، ويفوقُ العالمين، ولو رأيتُم البُخْلَ، لرأيتُم رجلًا قبيحًا مُشَوَّهَ الخلق، قبيحَ المنظر، تَنْفِرُ عنه القلوب، وتغضُّ دونَه الأبصار.
أيُّها الناس، مَنْ جادَ ساد، ومن شكرَ ازداد، ومن بخلَ رَذُلَ، وأكرمُ الناسِ مَن أعطى مَنْ لا يرجوه، ومَنْ عَفَا عن قدرة، وأوصلُ الناسِ مَنْ وصلَ مَنْ قطعَه، وما لم يَطِبْ حَرْثُهُ لم يَزْكُ نَبْتُه، والفروعُ عند مغارسِها تنمو، وبأصولها تسمو (^٤).
و[قال أبو القاسم ابن عساكر:] أُتِيَ خالد برجلٍ يدَّعي النبوّة، فقال: ما آية نبوَّتك؟ قال: أُنْزل عليَّ قرآن. قال: وما هو؟ قال: إنَّا أعطيناك الجماهر، فصلِّ لربك وهاجر،
_________________
(١) تاريخ دمشق ٥/ ٤٨٨ - ٤٨٩ (مصورة دار البشير)، وينظر "تاريخ" خليفة ص ٣١٠ و٣١٧.
(٢) في (ص): الزيدي.
(٣) في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٣٧، و"تاريخ دمشق" ٥/ ٤٩١: بالمَطْل.
(٤) تاريخ دمشق ٥/ ٤٩٠. وبعض الخطبة في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٣٧.
[ ١١ / ٢٦٣ ]
ولا تطع كلَّ كافر وفاجر. فأمر به فصُلب. فقال له رجلٌ (^١) وهو يُصلب: إنا أعطيناك العمود، فصل لربِّك على عود، وأنا ضامنٌ لك أن لا تعود (^٢).
[قال:] وحرَّم الغِناء، فجاءه شيخ كبير اسمه حنين، فأخرج عودَه وقال:
أيُّها الشَّامتُ المعيِّرُ بالشَيـ … ـبِ أَقِلَنَّ بالشبابِ افْتِخَارَا
قَدْ لبستُ الشبابَ قبلَك حينًا … فوجدتُ الشَبابَ ثوبًا مُعارا
فبكى خالد، وأطلقَه وقال: لا تُعاشر المُعَرْبِدين (^٣).
وقال خالد (^٤): إني لَأُطْعِمُ كل يومٍ ستَّةً وثلاثين ألفًا من الأعراب التمرَ والسَّويق (^٥).
[وحكى عن الأصمعيّ قال:] وجاءه أعرابيّ فقال: أيُّها الأمير، لم أصُنْ وجهي عن مسألتك، فصُنْ وَجْهَكَ عن رَدِّي، وضَعْني من معروفك حيثُ وضعتُك من رجائي. فأَمَرَ له بما سأل.
ودخل عليه رجل ومعه جِرابٌ، فقال: أيُّها الأمير، إن رأيتَ أن تملأَه لي دقيقًا. فقال: املؤوه دراهم. فخرجَ على الناس، فقالوا: ما صنع الأمير في حاجتك؟ فقال: سألتُه ما أشتهي، فأمرَ لي بما يشتهي (^٦).
[وحكى أيضًا أبو القاسم عن ابن أبي الدنيا قال:] خرج [خالد] يومًا إلى ظاهر الكوفة ومعه الأشراف ووجوهُ الناس، وكان يومًا شديدَ البرد، فقام إليه رجل فقال: ناشدتُك اللهَ أيُّها الأمير لَمَا أمرتَ بضرب عنقي. قال: ولم؟! هل قطعتَ طريقًا، أو قتلتَ نفسًا؟ قال: لا، ولكن الفقر والحاجة. قال: تَمَنَّ. قال: ثلاثين ألفًا. فأمرَ له بها، ثم قال خالد لمن معه: هل علمتُم تاجرًا ربح في ساعةٍ سبعينَ ألفًا؟! قالوا: وكيف؟
_________________
(١) هو في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٣٤: حمزة بن بيض الحنفي، وفي "العقد الفريد" ٦/ ١٤٥: خلف بن خليفة.
(٢) تاريخ دمشق ٥/ ٤٩١ (مصورة دار البشير)، والمصدران السابقان.
(٣) المصدر السابق.
(٤) في (ص): قال: وكان يقول على المنبر.
(٥) أنساب الأشراف ٧/ ٤٢٨، وتاريخ دمشق ٥/ ٤٩١.
(٦) تاريخ دمشق ٥/ ٤٩١ - ٤٩٢.
[ ١١ / ٢٦٤ ]
قال: نويتُ له مئة ألف، فاقترحَ ثلاثين ألفًا، فقد ربحتُ سبعين، فارْجِعُوا بنا، فما ربحَ أحدٌ ما ربحتُ الغداة (^١).
[وحكى أبو القاسم أيضًا عن أبي تمَّام الطائي قال:] قدم عليه أسدُ بنُ عبد الله بأموال خُراسان، فجلس خالد يُفَرِّقُ البِدَرَ، وقال: إنما هذه الأموال ودائعُ لا بدَّ من تفريقها. فقال له [أخوه] أسد: إنَّ الودائعَ تُجمع ولا تُفَرَّق. فقال له خالد: ويحك! إنها ودائعُ المكارم، وأيدينا وكلاؤُها، فإذا أتانا المُملقُ فأغنيناه، والظمآن فأرويناه (^٢)، والملتجئُ فآويناه، فقد أدَّينا فيه الأمانة (^٣).
وقال ابنُ عيَّاش الهَمْدانيّ: بينا أنا ذاتَ يوم واقفٌ بباب أبي جعفر أنتظرُ الإذن؛ إذْ خرجَ الربيعُ بنُ يونس الحاجب، فقال: يقولُ لكم أميرُ المؤمنين: بمن تشبِّهوني من خلفاء بني أميَّة؟ فسكتَ القوم، فقلتُ [للربيع]: أنا أعلمُ مَنْ يُشْبِهُه.
فدخل ثم خرج وقال: يقول لك أميرُ المؤمنين: ليس بك الجواب، وإنَّما تريد الدخولَ للكُدْيَة (^٤). فقلت: ما بنا عن أمير المؤمنين غنىً. قال: فاذكُر الجواب. قلت: حتى أدخل. قال: إنك تُبْرِمُهُ بكثرة السؤال والحوائج. قلت: لا. فدخل ثم خرج، فقال: ادخُلْ.
فدخلتُ، وكان في كُمِّي رُقْعةٌ لآل خالد بن عبد الله يشكُون الضائقة، فقال لي أبو جعفر: ويحك! ما أكثرَ رِقاعَك وحوائجَك ومسألتَك! إنك تُنغِّصُ علينا مجلسَنا بذلك. فقلتُ: لا أَعْدَمَنا اللهُ أميرَ المؤمنين.
قال: بمن تُشَبِّهوني؟ قلت: بعبد الملك بن مروان. قال: وكيف؟ قلت: لأنَّ أوَّلَ اسمِه عين، وأوَّلَ اسمِك عين، وأوَّل اسم أبيه ميم، وأوَّل اسمِ أبيك ميم، وقتلَ ثلاثةً من الجبابرة أوَّلُ أسمائهم عين، وكذا أنت [قال: مَنْ قتل؟ قلت:] قتلَ عبد الله بن الزُّبير، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وعَمرَو بن سعيد الأشدق. قال: وأنا مَنْ
_________________
(١) المصدر السابق ٥/ ٤٩٢.
(٢) عبارة (ص): فأسقيناه أو فأرويناه.
(٣) تاريخ دمشق ٥/ ٤٩٢.
(٤) يعني كثرة السؤال والإلحاح.
[ ١١ / ٢٦٥ ]
قتلتُ؟ قلتُ: عبد الرحمن بن مسلم، وعبد الجبَّار بن عبد الرحمن. قال: هيه. فأردتُ أن أقول: وعمَّك عبدَ الله بنَ علي، فأدركني ذهني فقلت: وسقط البيت على عبد الله بن عليّ، فقتلَه. فقال: وسقطَ عليه البيتُ فقتلَه، فما ذنبي؟ قلت: لا شيء، إنما أردتُ أن أُخبرك. فآنستُ منه لينًا، فقلتُ: وهذا الآخر حائطُه مائلٌ؛ إن لم تدعموه بشيء، خفتُ أن يسقط عليه فيقتلَه. [أعني عيسى بن موسى]، وكان عيسى محبوسًا عنده ليخلعَ نفسَه ويولّيها المهديّ. فضحك، ووضع كُمَّهُ على وجهه، واستترَ، وتغافل كأنه لم يفهم.
وتخشخشت الرُّقعةُ في كُمِّي، فقلتُ لها: استَتِري، فليس هذا يومُكِ. فقال: دَعْها مكانَها. فقلت: إنْ رأى أميرُ المؤمنين أنْ ينظرَ فيها بما أراه الله، فهي لآل خالد القَسْرِيّ، أصبَحُوا عالةً يتكفَّفُون الناس على الطرق، فأخَذَها وقال: لأُحَدِّثَنَّك عن خالد بحديث تأكلُ به الخبز.
إني لما تزوّجتُ أمَّ موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد؛ كان مَهْرُها ثلاثين ألفَ درهم، [ففدَحَني] فقلتُ: آتي الكوفةَ، فإنَّ لنا بها شيعةً، فركبتُ حمارًا، وركب مولًى لي حمارًا آخر، وسِرْنا، فلما قَرُبْنا من سَواد الكوفة؛ مررنا بقرية على شيخ في مستشرف على باب بيت، فسَلَّمْنا عليه، فما حَفَلَ بنا، فدلَّنا إلى دار واسعة، فنزَلْنا بها، فسألَ بعضُ أهل الدار مولايَ عني وعن اسمي ونسبي، فأخبره، فمضى وقعدنا مُتَحَيِّرِين.
وإذا برسولٍ قد جاء ومعه رُقْعَةٌ، فسألني فيها المصير إليه ويقول: بي علَّةٌ تمنعُني من القيام، فهممتُ بالقيام، فقال لي مولاي: إلى مَنْ تريد؟ [إلى] رجل ما رآنا أهلًا لردِّ السلام؛ نمشي إليه؟! قلت: نعم. فمشَيتُ إليه، فرحَّب بي، وأخذَ يعتذرُ بمرضه، وسألَني عن سبب مخرجي، فاستَحْيَيتُ أن أذكرَ له حاجتي وقلت: يكون في مجلس آخر. فمدَّ يده إلى الدَّواة، فكتب رُقْعَةً وختمَها، ورمى بها إلى مولاي وقال: اِلْقَ وكيلي بها.
فأخَذْنا الرُّقْعَةَ، ودعوتُ له، وقمتُ، فأتينا الدار، وأتينا بما نحتاج إليه، ولم نَحْفِلْ بالرُّقْعَة، وحَقَرْنَاها، ورمى بها مولاي في زاوية البيت، وإذا بوكيله قد غدا علينا وقال:
[ ١١ / ٢٦٦ ]
ألا تُوصلون إلينا الرُّقْعَة وتقبضون مالكم قبل أن يَفْرَغَ ما عندنا؟ فناوَلْناه الرُّقعة، فإذا فيها مئةُ ألف درهم. قال: وهو يستقلُّها لكم، فلم أُصدِّق وقلتُ: حميرُنا ضعيفة، فأَعْطِنا ثلاثين ألفًا، وندخلُ الكوفة، فنقبض الباقي. فقال: وأين تريدون؟ قلنا: الشام إلى الحِمَّة. فغابَ ورَجَع وقال: يأمركم أبو الهيثم أن تَلْقَوْا وكيلَه بالشام في قرية كذا. وكتبَ لنا ورقةً أخرى، وأخذَ الأولى. فقلتُ: مَنْ هذا الشيخ؟ قال: خالد بن عبد الله القَسْرِيّ الأمير، به علَّةٌ، وهو ها هنا يشربُ اللبن.
قال: ودخلنا الكوفة، ثم خَرَجْنا إلى الشام، فقلتُ لمولاي؛ قد حصلَ لنا الذي كنَّا نريد، وهو المهرُ ثلاثون ألفًا، أفلا نمضي إلى الحِمَّة؟ فقال: وما علينا أن نجتمع بوكيله في القرية التي سمَّاها؟
وأتَينا القريةَ، ونزلنا على وكيله، وأعطيناه الرُّقعة، فوقف عليها وقال: إلى أين أحملُ المال؟ فظنَنَّاه سبعين ألفًا تمامَ المئة ألفِ درهم، وإذا به ثلاثُ مئة ألفِ درهم (^١)، وطِيبٌ وثيابٌ، وطُرَفٌ وهدايا، وقال: قد أمرني أنْ أحملَها إلى مَأْمَنِكم. فجهَّز معنا قومًا إلى مأمننا، فوَصَلْنا الحِمَّة بخيرٍ كثير.
ثم قال: يا ابن عيَّاش، فما جزاءُ ولدِ هذا مني؟ ثم قرأ الرُّقْعةَ، ووقَّع عليها بردِّ ضِياعهم وأموالهم وأشيائهم، وكان شيئًا كَثيرًا.
و[كان] ولَّى محمد بنَ خالد المدينة (^٢)، ثم نقم عليه بسبب إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن حسن بن حسن، فغضبَ على محمد، واستصفَى أمواله.
وحكى القاضي التنوخي عن الأصمعي قال: دخل [رجل] أعرابيٌّ على خالد، فقال: قد قلتُ فيكَ بيتين [من الشعر] قال: قُلْ. فقال:
لَزِمْتَ نَعَمْ حتى كأنَّك لم تَكُنْ … سمعتَ من الأشياءِ شيئًا سوى نَعَمْ
_________________
(١) في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٩٤: مئة ألف درهم، وكذا في "مختصره" ٧/ ٣٧٦.
(٢) لفظة "كان" بين حاصرتين زيادة من عندي لضرورة السياق. وعبارةُ "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٩٥: وكان سببُ سخطه على محمد بن خالد بن عبد الله القَشري أنه حين ولّاه المدينة تقدَّم إليه في أخذ محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن حتى يُنفذهما إليه موثقين أو يقتلهما، فقصَّر محمد بن خالد حتى عزل وخرجا عليه، فحقد ذلك عليه أبو جعفر فعزله واستصفى أموالهم. والخبر بتمامه في المصدر المذكور، وما سلف بين حاصرتين منه، ولم يرد هذا الخبر في (ص).
[ ١١ / ٢٦٧ ]
وأنكرتَ لا حتى كأنَّك لم تكن … سمعتَ بها في سالفِ الدَّهْرِ والأُمَمْ
فأعطاه عشرين ألفًا (^١).
[قال:] ودخلَ عليه أعرابيٌّ، فأنشدَه وقال:
قد كانَ آدمُ قبلُ حينَ وفاتِهِ … أوصاكَ وَهْوَ يجودُ بالحَوْبَاءِ
ببنيهِ أَنْ تَرْعَاهُمُ فَرَعَيتَهُمْ … وكَفَيتَ آدَمَ عَيلَةَ الأبناءِ
فقال له: احتكم. فقال: عشرين ألفًا. فأمر له بها، وجلَدَهُ خمسين، وأمر أن يُنادَى عليه: هذا جزاءُ من لا يعرفُ قيمةَ الشِّعْر (^٢).
وقال خالد (^٣) [بن عبد الله]: إنما يحتجبُ الوالي لثلاث خصال: إمَّا لِعِيٍّ فيه، فهو يكرهُ أن يَطَّلعَ عليه الناس فيظهرَ جهلُه، وإمَّا رجلُ سوء، فيكره أن يطَّلع الناس على عورته، وإمَّا بخيل يكرهُ سؤال الناس إيَّاه.
[وقال الزُّبير بن بكَّار:] وكانت له جارية [يحبُّها] اشترى لها فَصَّ ياقوت بعشرين ألفًا، فوقع الخاتم من يدها في الخلاء، فقالت له: أحْضِرْ مَنْ يُخرجُه، فقال: لا، أنتِ عندي أعزُّ من أنْ يقعَ في ذلك الموضع (^٤) ويعود إلى أصبعك، فاشترى لها فَصًّا بخمسين ألفًا (^٥).
[حديث خالد مع الفتى السارق:
قال الخرائطي بإسناده عن ابن عيَّاش قال: عرض خالد بن عبد الله السجون، فكان في محبسه يزيدُ بن فلان البجليّ. فقال له خالد: على أيّ شيءٍ حُبِستَ؟ قال: في تُهمة. قال: تعود إن أطلقتُك؟ قال: نعم. وكره أن يُصرِّحَ بالقصة أو يُومئَ إليها، فتفتضح
_________________
(١) تاريخ دمشق ٥/ ٤٩٦، وفي آخره: قال خالد: يا غلام، عشرة آلاف، وخادمًا يحملها.
(٢) الخبر في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٩٧ وفيه أن خالدًا أمر للأعرابي بعشرين ألفًا قبل أن ينشده البيتين، وبعشرين ألفًا بعدها. وذكر البلاذري البيتين في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٣٦ ونسبهما لابن بيض.
(٣) في (ص): وقال ابن معين: قال خالد. . . إلخ. وهو خطأ، وإنما نقل قول خالد هذا الهيثم بنُ عدي، كما في "تاريخ دمشق" ٥/ ٥٠٠ وغيره. وقد تكرر مثل هذا الخطأ في النسخة (ص).
(٤) في (ص): المكان.
(٥) بنحوه في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٩٥.
[ ١١ / ٢٦٨ ]
معشوقتُه لكي لا ينالها أهلُها بمكروه. فأمر خالد بقطع يده، فكتب إليه أخٌ كان ليزيد، فقال:
أخالدُ قد أُعطيتَ واللهِ عشوةً … وما العاشقُ المسكينُ فينا بسارقِ
أقرَّ بما لم يأتِهِ المرءُ إنَّهُ … رأى القَطْعَ خيرًا من فضيحة عاشقِ (^١)
ولولا الذي قد خفتُ من قطع كفِّهِ … لألفيتَ في أمر الهوى غيرَ ناطقِ
إذا بدت الغاياتُ (^٢) في السَّبْقِ للعُلى … فأنتَ ابنَ عبدِ اللهِ أوَّلُ سابقِ
فلما قرأ خالد الأبيات؛ فهمَ، فأرسل إلى أولياء الجارية وقال: زَوِّجُوها منه.
فقالوا: لا؛ بعد ما ظهر عليه ما ظهر، فلا. فقال: زَوِّجُوها طائعين، وإلا زوَّجتُه وأنتم كارهين (^٣). فزوَّجوه، ونقدَ خالد المَهْرَ من عنده.
وهذه رواية الخرائطي (^٤).
وذكرها القاضي التَّنُوخي (^٥) أتمَّ من هذا عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عيَّاش قال: كان لِعَمرو (^٦) بن دُويرة السحمي أخ (^٧) قد كَلِفَ بابنة عمٍّ له كَلَفًا شديدًا، وكان أبوها (^٨) يكرهُ ذلك، فشكاه إلى خالد -وهو أمير العراق- فحبسه خالد، ثم سُئل، فأطلقَه، فحملَه الحبُّ على أن تسوَّر عليها الحائط.
فقبض عليه أبوها، وأتى به خالدًا، وادَّعى أنه سرقَ، وجاء بجماعة، فشهدوا عليه، فسأل خالدٌ الفتى، فاعترف أنه دخل المنزل ليسرق، ولم يسرق؛ يدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمِّه.
_________________
(١) في "اعتلال القلوب" ص ٢٣٨، و"تاريخ دمشق" ٥/ ٤٩٦: عاتق. والعاتق: الجارية أول ما تدرك، أو التي لم تتزوّج.
(٢) في المصدرين السابقين: الرايات.
(٣) كذا في (ص) (والكلام منها). والجادة: كارهون. وعبارة المصدرين السابقين: لئن لم تزوّجوه طائعين لَتُزَوِّجُنَّهُ كارهين.
(٤) في "اعتلال القلوب" ص ٢٣٧ - ٢٣٨، وأخرجها ابن عساكر من طريقه في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٥) في "نشوار المحاضرة" ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، و"الفرج بعد الشدة" ٤/ ٣٠٦.
(٦) في (ص): لعمر. والتصويب من المصدرين السابقين.
(٧) في (ص) (والكلام منها): ابنٌ. والمثبت من المصدرين السابقين، وهو الصواب؛ لقوله آخر الخبر: فكتب إليه أخوه، وعبارة المصدرين السابقين: فرفع عَمرو أخوه إلى خالد. . .
(٨) في (ص): أبوه. والمثبت من المصدرين السابقين لصحة السياق.
[ ١١ / ٢٦٩ ]
فأراد خالد قَطْعَ يده، فكتب إليه أخوه بالأبيات، فأحضرَ الجاريةَ، وأمر بتزويجها منه، فامتنع [أبوها] وقال: ليس لها بكُفْؤ. فقال له خالد: وكيف لا يكون لها كُفْؤًا وقد بذلَ يدَه دونَها؟! واللهِ لئن لم تُزوِّجْهُ؛ لأُزوِّجَنَّه وأنت كاره. فزوَّجَه إياها أبوها، وساقَ خالد المَهْرَ من عنده عشرة آلاف درهم.
وزاد فيها بيتًا آخر (^١) فقال:
ومثلُ الذي في قلبه حَلَّ (^٢) قلبَها … فكُنْ أنتَ تَجْلُو الهَمَّ (^٣) عن قلبِ عاشقِ]
وكان خالدٌ يقول: مَنْ أصابَه غُبار موكبي فقد وجبَ حقُّه عليَّ (^٤).
ذكر قتلِ خالد الجَعْدَ بنَ درهم:
وكان يقول بخلق القرآن، ولمَّا أظهر هذه المقالةَ طلبَه بنو أميَّة، فهرب إلى الكوفة، فأقام بها، وبلغَ خالدًا خبرُه، فأرسلَ مَنْ أوثقَه وحبسَه.
فلما كان يوم عيد الأضحى؛ أحضرَه إلى تحت المنبر، وخطب وقال: أيُّها الناس، إنَّ الأُضْحية سنَّةُ نبيكم، وهذا الجَعْد يقول: إن الله ما كلَّم موسى تكليمًا، وإنَّما كلَّمَتْه الشجرة، ولا اتخذَ اللهُ إبراهيم خليلًا، فانْصَرِفُوا وضَحُّوا، فإني مُضَحٍّ بالجعد. ثم نزل فذبَحَه.
والجَعْدُ أوَّلُ من قال بخلق القرآن. وقيل: إنَّما أخذَ هذه المقالةَ من أبان بن سمعان، وأبان أخَذَها عن طالوت ابن أخت لَبِيد بن الأعصم اليهودي الذي سحرَ رسولَ الله ﷺ، وكان زِنْدِيقًا (^٥).
ومن الجَعْد تعلَّم جَهْمُ بنُ صفوان الذي يُنسب إليه الجَهْميَّة، ثم سافر جَهْمُ بنُ صفوان إلى خُراسان، ونزل التِّرمِذ وأظهرها، فقتله سَلْم بنُ أَحْوَز بمَرْو، لأنَّ جَهْمًا كان صاحبَ جيش الحارث بن سُرَيج.
_________________
(١) البيت في "الفرج بعد الشدة" ولم يرد في "نشوار المحاضرة".
(٢) في (ص): مثل، والمثبت من "الفرج بعد الشدة".
(٣) في "الفرج بعد الشدة": فُمنَّ لتجلو الهمَّ. وذكر محقِّقُه في حاشيته رواية البيت أعلاه من بعض نسخه، وهذا الخبر بتمامه من (ص) وهو بين حاصرتين.
(٤) لم أقف على هذا القول.
(٥) وأخذها طالوت من لَبِيد اليهودي، ينظر "الكامل" ٧/ ٧٥ (أحداث سنة ٢٤٠) و"مختصر تاريخ دمشق" ٦/ ٥١.
[ ١١ / ٢٧٠ ]
ثم أخذ هذه المقالةَ عن جَهْم بِشْرٌ المَرِيسيّ، وأخذها عنه أحمد بنُ أبي دُؤاد القاضي.
وكان الجَعْد يسكنُ دمشق، وله بها دارٌ ملاصقة كنيسةَ النصارى، وهو الذي يُنسب إليه مروان بنُ محمد الجَعْديّ، لأنه كان يعلِّمُه لمَّا كان صبيًّا بهذه الدار.
وقُتل الجَعْد بالكوفة سنة ثلاث ومئة أو اثنتين ومئة (^١).
ويقال: إنه كان من أهل حرَّان، وكان مولى ابن مروان.
وقيل: مولًى لسُوَيد بن غَفَلَة الجُعْفيّ، شهد عليه ميمون بن مِهْران [وغيره] بأنه زنديق، فبعث به هشام إلى خالد القَسْريّ، وأمرَه بقتله، فحبسه زمانًا، فرفعت امرأتُه قصة بسببه، فقال هشام: أحيٌّ هو؟! قال: نعم. فكتب إلى خالد يلومُه ويعزمُ عليه أن يقتلَه، فضحَّى به. وقيل: صلبه (^٢).
وقيل: كان ذلك بواسط، وقيل: بمكة، وقيل: بالكوفة.
وسأل رجل خالدًا حاجة، فاعتلَّ عليه، فقال الرجل: واللهِ لقد سألتُك من غير حاجة. قال: وما دعاك إلى ذلك؟! قال: رأيتُك تحبُّ من لك عنده حسنُ بلاء، فأردتُ أن أتعلَّق منك بحبل مودَّة. فوصلَه وحباه (^٣).
ذكر ما نُقل عنه من الهَنَات:
[قال الهيثم:] كانت أمُّه نصرانيَّة [سوداء قبيحة المنظر، وهو يعدُّ من أبناء النصرانيات].
_________________
(١) المثبت من (خ) و(د) واختلف السياق فيهما عن (ص) بتقديم وتأخير مع إحالة لبعض الكلام إلى ابن عساكر. وينظر "مختصر تاريخ دمشق" ٦/ ٥٠ - ٥١ ووقعت ترجمة الجعد بن درهم ضمن خرم في "تاريخ دمشق".
(٢) ينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٢١.
(٣) كذا في "العقد الفريد" ١/ ٢٥٥، والخبر في "عيون الأخبار" ٣/ ١٢٦ و"تاريخ دمشق" ٢/ ٨٠٠ لأخيه أسد بن عبد الله. وجاء لفظ العبارة آخر الخبر في (خ): فوصله وأجزل حباه، وهي غير واضحة في (د) لطمس وقع في بعض الأسطر، ولم يرد الخبر في (ص)، والمثبت من "العقد الفريد" وعبارته: فوصله وحباه وأدنى مكانه.
[ ١١ / ٢٧١ ]
ولم يأمرها بالإسلام (^١)، وبنى لها بالكوفة بِيعةً، وساقَ إليها الأقساء، وأقام الناقوس يُضرب قبل أذان المسلمين عند صلاتها، فتكلَّم الناس في هذا، وأنكروا عليه، وبلغه فقال: كان دينهم خير من دينها (^٢).
وقال الهيثم: وكانت [أمُّه] قَلْفاءَ سوداءَ قبيحة المنظر، فعُيِّرَ بها، فكان يقال: ابن القَلْفَاء (^٣)، فختَنَها على كبر سنِّها (^٤). فقال ابن أعشى هَمْدَان:
لعمرُك ما أدري وإني لسائلٌ … أقلفاءُ أمْ مختونةٌ أمُّ خالدِ
فإنْ كانتِ المُوسَى جَرَتْ فوقَ بَظْرِها … فما خُتِنَتْ إلا بمَرِّ الحدائدِ (^٥)
[وقال الفضل بن دُكين:] بنى [خالد] بجامع الكوفة فَوَّارة للماء، ثم دعا بقَسِّ من قُسُوس النصارى وقال له: ادْعُ لها بالبركة، فإن دعاءك أرجى من دعاء أبي تُراب. يعني أمير المؤمنين علي ﵇، وكان ينالُ منه أعظم منال (^٦).
[قال الهيثم:] وكان خالد بخيلًا على الطعام، فكان إذا أراد رجلٌ تضييع حقِّ أحدٍ؛ أدخله سِماط خالد ويقول له: كُلْ وأكثِرْ، فإذا أكلَ وأكثرَ أبطل [خالد] حقَّه.
[وحكى أبو القاسم ابنُ عساكر عن يحيى بن معين قال (^٧): كان خالد رجل سوء، وكان يقع في عليّ بن أبي طالب، ويذكره بما لا يحلُّ ذِكْرُه.
_________________
(١) ذكر البلاذري في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٠٨ أنه كتب إليها يدعوها إلى الإسلام فلم تستجب له.
(٢) كذا في (د). وفي (ص): خير دينها، وفي (خ): خير من ديننا! ولم تتبيّن. وجاء في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٠٩ أن خالدًا كتب إلى بلال بن أبي بُردة أن يبنيَ بِيعةً بالبصرة، فكتب إليه بلال: إن أهل البصرة لا يُقارُّوني على ذلك، فكتب إليه خالد: ابْنِها لهم، فلعنة الله عليهم، إن كانوا شرًّا منهم دينًا. وفيه في ص ٤٠٥: نعم يبنونها فلعنهم الله إن كان دينها شرًّا من دينكم!
(٣) في "الأغاني" ٢٢/ ١٤: ابن البظراء.
(٤) في (ص): على كُرهٍ منها. وفي "الأغاني": وهي كارهة.
(٥) ينظر "الأغاني" ٢٢/ ١٤ - ١٥ وفيه البيتان مع بيت ثالث، وعجز الثاني برواية أخرى، وهما أيضًا في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٠٦.
(٦) أنساب الأشراف ٧/ ٤٠٨.
(٧) تاريخ دمشق ٥/ ٥٠١ (مصورة دار البشير)، والكلام بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٢٧٢ ]
قال:] وهو القائل في زمزم: لا تُنزح ولا تُذمّ. بلى والله تُنزح وتُذمّ، ولكن أميرَ المؤمنين الوليد بن عبد الملك قد ساقَ إليكم قناةً بمكة لا تُنزح ولا تُذمّ، ولا تُشبه أمَّ الخنافس. يعني زمزم (^١).
[وحكى عن أبي عاصم النبيل قال:] لما أخذ خالد سعيد بنَ جُبير وطَلْقَ بنَ حبيب، وبعث بهما إلى الحجَّاج؛ أنكر الناسُ عليه، فخطب فقال: أنكرتُم عليَّ ما فعلتُ، واللهِ لو أمرَنى أميرُ المؤمنين -وأشار إلى الكعبة- أن أنقضَها حجرًا حجرًا لفعلتُ (^٢).
[وحكى ابن عساكر أيضًا عن شبيب بن شبَّة قال: وليَ خالد العراق من قبل هشام بن عبد الملك في سنة سبع عشرة ومئة، وكان سبب عزله] أن امرأةً وقفت له فقالت (^٣):
تغلَّب عليَّ غلامُك النصرانيّ [أو المجوسي] وأكرهني على الفجور، فقال لها [خالد]: فكيف وجدتِ قُلْفَتَه؟ فكتب حسان النَّبَطيّ إلى هشام بذلك -وكان واجدًا عليه- فعزلَه وولَّى يوسف بنَ عمر (^٤).
[وذكر أبو الفرج الأصبهاني أن] منشأ خالد (^٥) بالمدينة، وكان يتبع المخانيث، ويصحب المُغنِّين، ويمشي بين عُمر بن أبي ربيعة وبين النساء بالرسائل (^٦) وكان يقال له: الخِرِّيت [أي: الدليل] وكلُّ ما ذكر عُمر في شعره: فأرسلتُ الخِرِّيتَ، فإنَّما يريد خالدًا، لأنه كان حاذقًا في الجمع بين عُمر والنساء.
وكان خالد أجبن الناس وأذلَّهم، وأقساهم قلبًا.
_________________
(١) أنساب الأشراف ٧/ ٤٠٤، وتاريخ دمشق ٥/ ٥٠١.
(٢) الخبر في أنساب الأشراف ٧/ ٤٠٥ عن أبي عاصم النبيل عن عمر بن قيس. وفي "تاريخ دمشق" ٥/ ٥٠١: عن أبي عاصم عن عَمرو بن قيس. وهو بنحوه في "الأغاني" ٢٢/ ١٧. وما سلف بين حاصرتين من (ص).
(٣) في (خ) و(د): ووقفت له امرأة فقالت. . . إلخ. والمثبت عبارة (ص) والكلام بين حاصرتين منها.
(٤) أنساب الأشراف ٧/ ٤٤١ - ٤٤٢، وتاريخ دمشق ٥/ ٥٠١.
(٥) في (خ) و(د) وكان منشأ خالد. . . إلح. والمثبت من (ص) وهو ما بين حاصرتين. والكلام في "الأغاني" ٢٢/ ٦ - ٧.
(٦) في (ص): بالمراسل.
[ ١١ / ٢٧٣ ]
ذكر هلاكه:
ولمَّا وليَ خالدٌ مكةَ للوليد بن عبد الملك؛ ضربَ حُبابة جاريةَ ابنِ سُهيل، وكانت قَينةً، وتسمَّى العالية، فلمَّا صارت إلى يزيد بن عبد الملك؛ خاف خالدٌ منها، وكانت تُراعي عُمر بن هُبيرة، ويسمِّيها بنتي (^١).
فدخلَ خالد على عُمر، وسألَه أن يترضَّاها، فأهدى لها ابنُ هُبيرة هدايا، وسألها أن ترضى عن خالد، فرضيت عنه، وقالت لابن هُبيرة: قد وهبتُه لك. فلم يشكر خالد ذلك.
وكان ابنُ هُبيرة عاملًا ليزيد بن عبد الملك على العراق، فعزلَه هشام لما وَلِيَ، وولَّى خالدًا على العراق (^٢).
وقال إياس بن معاوية: كنتُ جالسًا عند ابن هُبيرة في يوم جمعة وقد أذَّن المؤذِّنُ بواسط؛ إذا بغلام يعدو، فقال: إن قومًا قدموا على البريد، وإذا به خالد، فدخلَ المسجد، فصلَّى بالناس، وحبسَ ابنَ هُبيرة، وضيَّق عليه، فقال الفرزدق:
لَعَمْري لئن نابَتْ فَزَارةَ نَوْبَةٌ … لَمِنْ حَدَثِ الأيام تسجُنُها قَسْرُ
لقد حَبَسَ القَسْريُّ في سجنِ واسطٍ … فتىً شَيْظَمِيًّا لا يُنَهْنِهُهُ الزَّجْرُ
فتًى لم تُوَرِّكْهُ الإماءُ ولم يَكُنْ … غداءً له لحمُ الخنازيرِ والخمرُ
يعرِّضُ بخالد؛ لأن أمَّه كانت نصرانيَّة.
فقال ابنُ هُبيرة: ما رأيتُ أكرمَ من الفرزدق، هجاني أميرًا، ومدحنى أسيرًا (^٣).
وكان الفرزدق قد هجا عُمرَ بنَ هُبيرة في أيام يزيد بن الوليد، فقال:
أميرَ المؤمنين وأنتَ عَفٌّ … كريمٌ ليس بالطَّبِعِ الحريصِ
أَأَطْعَمْتَ العراقَ ورَافِدَيهِ … فَزاريًّا أحَذَّ يدِ القميصِ
_________________
(١) كذا رسم هاتين الكلمتين في (خ) و(د) (والكلام منهما). وقال ابن قتيبة في "المعارف" ص ٤٠٨: كانت تدعوه أبي. وذكر البلاذري في "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٧٧ أن عمر بن هبيرة تبنّى حُبابة، وكذا قال صاحب "الأغاني" ١٥/ ١٢٧. وسلف الكلام على حبابة سنة (١٠٥) في ترجمة يزيد بن عبد الملك.
(٢) ينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٣) المصدر السابق ٧/ ٣٧٨ - ٣٧٩. قوله: شيظميًّا، أي: طويلًا، ويُنَهْنِهُهُ: يُحرِّكُه. ينظر "الكامل" للمبرّد ٢/ ٩٨٨ - ٩٨٩.
[ ١١ / ٢٧٤ ]
ولم يكُ قبلَها راعي مخاضٍ … ليأمَنَهُ على وَرِكَي قَلُوصِ
تَفَهَّقَ بالعراق أبو المثنَّى … وعَلَّمَ قومَهُ أَكْلَ الخَبِيصِ
وأرادَ بالرَّافدَين الفراتَ ودِجْلَة (^١).
ثم عذَّب خالدٌ ابنَ هُبيرة، وهرب منه إلى الشام، واستجارَ بمسلمة بنِ عبد الله، فأجارَه، ورضيَ عنه هشام.
فلما وفد خالد على هشام أمر الناسَ بتلقِّيه، فخرج معهم عُمر بنُ هُبيرة، فلما رآه خالد قال له: أبَقْتَ إباقَ العبد. فقال له ابنُ هُبيرة: لمَّا نِمْتَ نَوْمَ الأَمَة (^٢).
ثم مات هشام، ووَلِيَ الوليدُ بنُ يزيد، وكان يوسف بن عمر باليمن، فكتب إليه الوليد بولاية العراق وتعذيبِ خالد، فأخذَ خالدًا فعذَّبه.
وقال الهيثم: ولمَّا ولَّى الوليدُ يوسفَ بن عمر العراق، دفع يوسفُ بنُ عمر في خالدِ وأصحابه خمسين ألفَ ألفِ درهم، فقال الوليد: أبلغوا خالدًا ذلك. فقال خالد: متى عهد (^٣) العرب تبيعُ الأحرار؟! ثم أقام (^٤) يوسفُ بنُ عمر خالدًا في عَباءة، وضربه ضربًا مُبَرِّحًا، ووضعَ الحْشبَ على ساقيه وقدميه، وأقام عليه الرِّجال، فكسَرُوا أعضاءه عضوًا عضوًا، ولم ينطق [خالد] بحرف حتى مات، وذلك بالحِيرَة، فلفُّوه في عَباءة، وألْقَوْه في حفرة، واستخرجَ يوسفُ منه ومن أصحابه تسعين ألفَ ألفِ درهم (^٥).
_________________
(١) ينظر "الكامل" للمبرّد ٢/ ٩٨٥. قال: الطَّبع: الشديدُ الطمع الذي لا يفهم من شدة طمعه. والأحذّ: الخفيف. وقال ابن قتيبة في "المعارف" ص ٤٠٨: يريد أنه خفيف اليد، نسبهُ إلى الخيانة. اهـ. وتفهَّق، أي: امتلأ مالًا. ووقع في "المعارف": تفتَّق. وقال المبرّد في معنى البيت الثالث: كانت بنو فَزارة تُرمى بغشيان الإبل. وأورد بيتًا في هذا المعنى. وقوله: أبو المثنّى، هو عمر بن هبيرة المهجوّ، والخَبِيص: حلواء مخبوصة من التمر والسمن.
(٢) أنساب الأشراف ٧/ ٣٨١، والعقد الفريد ٢/ ١٨٥. ومن قوله: ذكر هلاكه (أول الفقرة). . . إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٣) في (ص): عهدت.
(٤) في (ص): لفَّ.
(٥) ينظر الخبر مطولًا في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٥٣ - ٤٥٥، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٢٥٩ - ٢٦٠، و"البداية والنهاية" ١٣/ ١٩٦.
[ ١١ / ٢٧٥ ]
وقال البخاريّ: كان خالد بواسط، ثم قُتل بالكوفة قريبًا من سنة ستٍّ وعشرين ومئة (^١)، وروى خالد عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ (^٢).
[وقد ذكرنا أنه لم تكن لجدّه صحبة (^٣). وروى عن خالدٍ حُميدٌ (^٤) الطويل وغيره].
وكانت وفاته في محرَّم.
وقال الهيثم: عقرَ عامرُ بنُ سهلة على قبره فرسه، فضربه يوسف بن عمر سبع مئة سوط (^٥).
وحكى أبو القاسم ابن عساكر، عن أبي عبيدة قال: لما هلك خالد لم يرثِهِ أحد من العرب مع كثرة أياديه عندهم إلا أبو الشَّغْب العَبْسيّ (^٦)، قال:
ألا إنَّ خيرَ الناسِ حيًّا وهالكًا (^٧) … أسيرُ ثقيفٍ عندهُمْ في السلاسلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ أعْمَرْتُمُ السِّجْنَ خالدً … وأوْطَأْتُموه وَطْأَةَ المُتَثَاقِلِ
فإنْ تَسْجُنُوا القَسْرِيَّ لا تَسْجُنُوا اسْمَهُ … ولا تَسْجُنُوا مَعْرُوفَهُ في القَبائلِ (^٨)
ذكر أولاد خالد:
كان له عِدَّةُ أولاد، والمشهور منهم يزيد ومحمد [ابنا خالد].
فأمَّا يزيد فحبسه الوليد بن يزيد، فلما قُتل الوليد خَلَصَ من الحبس، وكان مع يزيد بن الوليد، فلما مات [يزيد بن الوليد] ودخل مروان بنُ محمد الشام؛ اختفى يزيد بن خالد بدمشق، فلما وثب أهلُ دمشق بزامل بن عَمرو عامل مروان بن محمد؛ وَلَّوْا
_________________
(١) في "التاريخ الكبير" ٣/ ١٥٨: سنة مئة وعشرين، ونقله عنه المزِّي في "تهذيب الكمال" ٨/ ١١٧.
(٢) المصدران السابقان، وتاريخ دمشق ٥/ ٤٨٦ - ٤٨٧ (مصورة دار البشير).
(٣) ذكر المزيّ في "تهذيب الكمال" ٨/ ١٠٨ أن لجدّه صحبة.
(٤) في (ص) (والكلام منها، وهو ما بين حاصرتين): بن حميد، وهو خطأ.
(٥) أنساب الأشراف ٧/ ٤٥٤، وتاريخ الطبري ٧/ ٢٦٠، وتاريخ دمشق ٥/ ٥٠٢.
(٦) واسمُه عِكرشة بن أربد، ينظر: طبقات ابن سعد ١/ ٢٥٦، والإكمال ٦/ ٢٤٩. وتحرف لفظ: أبو الشَّغْب في (خ) و(د) و(ص) إلى: الأشعث.
(٧) في (ص): وميتًا.
(٨) تاريخ دمشق ٥/ ٥٠٢، وشرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٩٢٧ - ٩٢٨ (البيتان الأول والثاني). وذكر البلاذُري في "أنساب الأشراف" ٧/ ٤٥٠ - ٤٥١ البيتين الأول والثالث بنحوهما.
[ ١١ / ٢٧٦ ]
عليهم يزيدَ بنَ خالد، فبعث مروانُ جيشًا من حمص إلى دمشق، فاستولى عليها، واختفى يزيد عند رجل من أهل المِزَّة، فدُلَّ عليه فقتلوه (^١).
واختلفوا في كيفية قتله، فقال خليفة: قتله رجل من بني صعصعة يقال له: نُمير بن فلان (^٢). في سنة سبع وعشرين ومئة.
وروى أبو القاسم ابنُ عساكر عن إسحاق بن مسلم العُقيلي أن مروان (^٣) بن محمد كان جالسًا يأكل الطعام، فقيل له. يزيد بن خالد بالباب. فقال: يدخل. فدخل (^٤) بين أربعة قد أمسكوه، فاستدناه مروان حتى مسَّتْ ركبتاه ركبتَيه، فأدخلَ مروان يدَيْه في عينيه، فقلَعهما، ثم مسح [مروان] يديه، وعاد إلى أكل الطعام، ثم صلبه [مروان] بعد ذلك (^٥).
وكان ليزيد بن خالد ولد اسمُه خالدُ (^٦) بن يزيد، كنيتُه أبو الهيثم.
حدَّث عن [عبد العزيز بن] عمر بن عبد العزيز، وهشام بن عروة، وعبد الله بن عون (^٧)، وغيرهم. وروى عنه الوليد بنُ مسلم وغيرُه، إلا أن أبا أحمد بنَ عديّ قال لا يُتابَع على حديثه.
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٨/ ٢٧٠، وينظر "أنساب الأشراف" ٧/ ٥٧٢ - ٥٧٣، و"تاريخ" الطبري ٧/ ٣١٣ - ٣١٤.
(٢) انقلب الكلام على المصنف، وصواب العبارة: قتلَه رجل من بني نُمير يقال له: صعصعة، وهو صعصعة بن الفرات، ويقال: يزيد بن الفرات النميري، من أهل دمشق، ذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٨/ ٣١٦. وقد وقع في "تاريخ" خليفة ص ٣٧٤، و"تاريخ دمشق" ١٨/ ٢٧١ (ترجمة يزيد بن الوليد): تميم، بدل: نمير، وهو تحريف. وجاءت العبارة على الصواب في "مختصر تاريخ دمشق" ٢٧/ ٣٣٩. واقتصرت عبارة (خ) و(د) على لفظ: قتله نمر بن فلان من بني صعصعة. والمثبت من (ص).
(٣) في (خ) و(د): وقيل: إن مروان. . . إلخ. والمثبت من (ص).
(٤) في (ص): فأُدخل.
(٥) تاريخ دمشق ١٨/ ٢٧٠ - ٢٧١ (مصورة دار البشير)، وقد قدَّم راوي الخبر إسحاقُ بنُ مسلم العقيلي لهذا الكلام بقوله: لقد رأيتُ من مروان فعلًا ما رأيت لعربيّ ولا عجميّ أختي منه ولا أرذل. . .، وذكر الخبر.
(٦) في (ص): وقال ابن عساكر: وكان ليزيد بن خالد. . . إلخ. وهو منقول بالمعنى، وإنما ترجم له ابنُ عساكر في "تاريخه" ٥/ ٥٧٠ (مصورة دار البشير).
(٧) في (خ) و(د): عمر، والتصويب من المصدر السابق. ولم يرد هذا الكلام في (ص) ووقع بدلًا منه: حدث عن محمد بن الكلبي صاحب التفسير والسير.
[ ١١ / ٢٧٧ ]
وأما محمد بنُ خالد [القسريّ] فولَّاه أبو جعفر المدينة واتَّهمه ببني عبد الله بن حسن (^١) [وسنذكره إن شاء الله تعالى].