ابن عليّ بن أبي طالب ﵁.
قد ذكرنا سبب [مُقامه و] خروجه [بالكوفة (^٦).
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٢) حلية الأولياء ٥/ ٣٢.
(٣) وكَفَ الماء وغيرها: سال وقطر قليلًا قليلًا.
(٤) حلية الأولياء ٥/ ٣١.
(٥) كذا قال وإنما روايةُ زُبيد عن التابعين. وقال ابن الجوزي في "المنتظم" ٧/ ٢٢١: أدرك ابنَ عُمر وأنسًا. ولم ترد هذه الترجمة في (ص).
(٦) سلف في أحداث السنة (١٢١).
[ ١١ / ١٥٧ ]
قال هشام:] ولما عزم [زيد] على الخروج وشاع ذلك؛ خرج سليمان بن سراقة البارقي (^١) إلى يوسف بن عمر وهو بالحِيرة، فأخبره الخبر وقال: إنه يختلف إلى منزل رجل يقال له: طُعمة، من بني تميم، ورجل آخر يقال له: عامر، وكلاهما من بارق، فأرسلَ إليهما، فأحضرَهما عنده وسألهما عن زيد، فاتَّضَحَ له أمرُه لما كلَّماه. وخاف زيد أن يُؤخذ، فتَعجَّل الأجل (^٢) الذي بينه وبين الذين (^٣) بايعوه.
ولما علم جماعةٌ من الشيعة ذلك اجتمعوا إلى زيد وقالوا: ما تقولُ في أبي بكر وعمر؟ فقال زيد: رحمهما الله وغفرَ لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهل بيتي تبرَّأَ (^٤) منهما ولا يقول فيهما إلَّا خيرًا.
[ذكر مناظرته للشيعة:
قال هشام:] فلما قال لهم ذلك، قالوا: هما وَثَبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم. فقال لهم زيد: إنهما وإن كانا قد دفعانا عن حقِّنا واستأثرا به دونَنا غير أنهما قد وَلِيَا فَعَدَلَا، وعملا بالكتاب والسُّنَّة. قالوا: فلمن تُقاتل إذا كانوا أولئك ما ظلموك، فهؤلاء الذين تريد قتالهم ما ظلموك أَيضًا؟! فقال لهم: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إنهم ظالمون لي ولنفوسهم وللأمة، وإنما أدعوكم إلى كتاب الله وسُنَّة رسولِه، وإحياء السُّنن وإماتة البدع، فإنْ وافقتموني سعدتُم، وإنْ أبيتُم فلست عليكم بوكيل (^٥).
[وقال الهيثم:] قالوا له: ما نقاتل معك حتَّى تتبرَّأَ منهما، فقال: معاذَ الله، واللهِ لا فعلتُه أبدًا. ففارقوه ورفضوا الحقَّ، فسمَّاهم (^٦) الرافضة (^٧).
_________________
(١) في (ص): والبارقي. وفي النسخ الأخرى: المارقي، والصواب ما أثبتُّه. وينظر "تاريخ" الطبري ٧/ ١٨٠.
(٢) في (ب) و(خ): الأمر، بدل: الأجل. والمثبت من (ص) و(د)، وهو موافق لما في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٨٠.
(٣) في (ب) و(خ) و(د): الذي. والمثبت من (ص)، وهو موافق لما في المصدر السابق.
(٤) في (ص): يتبرَّأ.
(٥) تاريخ الطبري ٧/ ١٨٠ - ١٨١، وينظر "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٦) في (ص): فسُمُّوا.
(٧) بنحوه في المصدر السابق، و"أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩.
[ ١١ / ١٥٨ ]
[وقال هشام:] وكانوا قد اجتمعوا بأبي جعفر محمَّد بن عليّ وقالوا: ما تقولُ في زيد بن علي؟ قال: سيِّدُنا وأفضلُنا، بايِعُوه (^١). فلما قال لهم ما قال في الشيخين رضوان الله عليهما؛ تركوه.
ذكر خروجه ومقتله:
[قال هشام:] اتفق زيد مع من بايعه أنَّه يخرجُ ليلةَ الأربعاء أول [ليلة من] صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة (^٢) [وهذا قول هشام. أما المدائنيّ فإنَّه قال: كان خروجُه في صفر سنة إحدى وعشرين ومئة. وكذا قال الواقدي. فقد اتفقوا على أن مقتله في صفر، وإنما اختلفوا في السنة. ورُوي أنَّه قُتل يوم عاشوراء، والأول أصح] (^٣).
وبلغ يوسفَ بنَ عُمر وهو بالحِيرة، فبعث إلى الحَكَم بن الصَّلْت -وكان على شرطته- أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم ويَحْصُرَهم فيه، فبعث الشرطة (^٤) والعُرفاء والمقاتلة، فأدخلهم المسجد ونادى مناديه: من أدركناه في رَحْلِهِ فقد برئت منه الذِّمَّة.
فأتى النَّاسُ المسجدَ يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بليلة، فلما جنَّ الليل؛ خرج زيد من دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصحاري وكانت ليلةً شديدة البرد، وأوقدوا النيران على الجرادي، وهو قصب مجتمع [والعامَّة تقول: الهرادي، بالهاء، وهو خطأ] ولما أوقدوا الجرادي نادَوْا بشعارِهِ: يَا منصور أمِت أمِتْ.
فلما أصبحوا خرجوا إلى صحراء عبد القيس، فلقيَهم جعفر بن العبَّاس الكنديّ، فحمل عليه القاسم الحضرميّ من أصحاب زيد، فأُخذ (^٥) وقد ارْتُتَّ (^٦)، فجيء به إلى الحَكَم بن الصَّلْت، فقتله، وهو أوَّلُ من قُتل من أصحاب زيد، وأمر الحَكَم بالدروب فأُغلقت، وبأبواب المسجد وأهلُ الكوفة فيه.
_________________
(١) بنحوه في "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٩. وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ١٨١ أن القصة مع جعفر بن محمَّد بن عليّ،
(٢) تاريخ الطبري ٧/ ١٨١.
(٣) من قوله: وهذا قول هشام … إلى هذا الموضع، من (ص). وجاء بدله في (ب) و(خ) و(د) ما صورتُه: وقيل: سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثلاث وعشرين.
(٤) في (ص): الشرط.
(٥) أي: القاسم، وفي (ص): فأخذه.
(٦) أي: أُثخن بجراحه وأشرف على الموت.
[ ١١ / ١٥٩ ]
وأرسل [الحكم] إلى يوسف بن عمر، فأخبره، فأقبل من الحِيرة ومعه أهلُ الشَّام ووجوه قريش، فنزل قريبًا من الكوفة، وبعث الزُّبير بن سليم (^١) الأراشي في ألفين، وزيدُ بنُ علي مكانَه لم يأته سوى مئتي رجل، وثمانية عشر رجلًا، فقال: سبحان الله! فأين الذين (^٢) بايعوني؟! فقيل له: في المسجد الأعظم محصورون. فقال: ما هذا ممَّن بايَعَنا بعذر.
ثم أقبل زيد من جَبَّانة سالم حتَّى انتهى إلى جَبَّانة الصيَّادين وبها خمس مئة من أهل الشَّام، فحمل عليهم زيد وأصحابُه -وتحت زيد بِرْذَون أدهم اشتراه من بني نَهْد بخمسة وعشرين دينارًا، فلما قُتل أخذه الحكم بن الصَّلْت صاحب الشرطة (^٣) - فهزمَ أهلَ الشَّام، ثم مرَّ على دار رجل من الأزد يقال له: أنس بن عمرو، وكان ممَّن بايعه، فناداه زيد: يَا أنس، اخرج فقد جاء الحقّ وزهق الباطل. فلم يجبه، فناداه مرارًا ولم يخرج، فقال زيد: اللهُ حسيبُكم.
ولما خذله أهلُ الكوفة؛ جعل يقول: قد حذَّرني داود بن عليّ منكم، فلم أحذر (^٤).
ثم سار زيد حتَّى انتهى إلى الكُناسة وبها جماعة من أهل الشَّام، فحمل عليهم، فانهزموا، وخرج إلى الجبَّانة ويوسف بنُ عمر على تل في مئتي رجل، فلو حملَ عليه زيد لقتله، فقال نصر بن خزيمة لزيد: اذهب بنا إلى المسجد، فإنَّ النَّاس الذين بايعوك به فلتخلِّصهم (^٥).
فذهب إلى المسجد، فلما انتهى إليه أقبل أصحابُ زيد يُدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يَا أهل الكوفة اخرجوا، وجعل نصرُ بن خُزيمة يناديهم: أخرجوا من الذُّلّ إلى العزّ. وأشرفَ أهلُ الشَّام عليهم من سطوح المسجد يرمونهم بالحجارة،
_________________
(١) في "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٣١: الريان بن سليمة، وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ١٨٢: الريان بن سليم.
(٢) في (ب) و(خ) و(د): الذي. والمثبت من (ص).
(٣) قوله: فلما قتل أخذه الحكم بن الصلت صاحب الشرطة، ليس في (ص).
(٤) قوله: ولما خذله أهل الكوفة … إلى هذا الموضع، وقع في (ص) بنحوه في موضع لاحق.
(٥) في (خ): فتخلصهم. والمثبت من النسخ الأخرى.
[ ١١ / ١٦٠ ]
واقتتلوا، وحال بينهم الليل، ورجع الفريقان، ونزل زيد بن عليّ دار الرزق، وبات يوسف بنُ عمر على التلّ.
فلما كان صباح يوم الخميس جهَّز يوسف بنُ عمر العبَّاسَ بنَ سعد (^١) المُزَنِيّ -وكان على شرطته بالحِيرة- فبعثَه في أهل الشَّام، فساروا (^٢) حتَّى انتهَوْا إلى دار الرزق، فخرج إليه زيد في أصحابه، واقتتلوا، فهزمهم زيد، وقتلَ من أهل الشَّام نحوًا من سبعين رجلًا، وانصرفوا وهم بشرِّ حال.
ثم بعث إليهم يوسف جيشًا آخر، فقاتلوهم في الليل إلى أن تهوَّر [الليل] فجاء زيدَ بنَ عليّ سهمٌ في جبهته (^٣)، فثبتَ فيها، ووصلَ إلى دماغه، فرجعَ ورجعَ أصحابه، ولا يظنُّ أهلُ الشَّام أنَّهم رجعوا إلَّا بسبب المساء والليل.
وجاء أصحابُه بطبيب يقال له: سفيان (^٤) -مولًى لبني رُؤاس- فانتزع النَّصْل من جبهته (^٥)، فصاح ومات. فقال أصحابُه: أين ندفنه؟ واختلفوا فيه، فقال بعضهم: نُلبسه درعه ونلقيه في الماء، وقال آخرون: بل نحزُّ رأسَه ونرميه بين القتلى. فقال ابنُه يحيى: لا والله، لا تأكل الكلاب لحم أبي. فدفنوه في حفرة، وسكَّروا ماء النهر، وأجْرَوْا عليه الماء.
وأصبح يوسف بن عمرو قد تفرَّق أصحاب زيد، فعلم أنَّه قد قُتل، فجعل يفتِّشُ القتلى عليه، وكان معهم لما دُفن غلامٌ سِنْديّ، فدلَّهم على مكانه، فاستخرجَه يوسف، فقطع رأسَه، وبعث به إلى الشَّام، وصلبَ بدنَه بالكُناسة [هو] وجماعةٌ ممن كان معه: نصر بن خُزيمة، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأَنْصَارِيّ وغيرُهما (^٦).
_________________
(١) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٨٥: سعيد.
(٢) في (ب) و(خ) و(د): فسار. والمثبت من (ص)، وهو الأنسب للسياق.
(٣) في (خ): جنبه، وهو تحريف، وفي (ب) و(د): جبينه، والمثبت من (ص) لمناسبة السياق. وعبارة الطبري ٧/ ١٨١: فأصاب جانب جبهته اليسرى.
(٤) كذا في "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٣٥. وفي "تاريخ" الطبري ٧/ ١٨٦: شُقير.
(٥) في (ب) و(د): جبينه.
(٦) ينظر الخبر مفصّلًا في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٨١ - ١٨٨. وبنحوه في "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢٩ - ٥٣٦. وجاء في (ص) بعد هذا الكلام ما صورتُه: وفي رواية أن زيدًا لما خذله أهل الكوفة جعل يقول: قد حذَّرني داود بن عليّ فلم أحذر. وسلفت هذه العبارة بنحوها من باقي النسخ، وأشرفُ إليها في التعليقات.
[ ١١ / ١٦١ ]
والذي نبشَ زيدًا وقطع رأسه وصلبه خِراش بنُ حَوْشب بن يزيد الشَّيبانِيّ. وقد أشار إليه السيِّد (^١) الحميري في مرثيَّة يرثي بها زيدًا فقال:
بتُّ لَيلِي مُسَهَّدًا … ساهرَ العينِ مُقْصَدا (^٢)
ولقد قلت قولةً … وأطَلْتُ التَّلَدُّدا (^٣)
لعنَ الله حَوْشَبًا … وخِراشًا ومَزْيدا
ويزيدًا فإنَّهُ … كان أعتى وأعندا (^٤)
ألفَ أَلْفٍ وألفَ أَلـ … فٍ من اللَّعْنِ سَرْمَدا
إنهم حاربوا الإلـ … ـهَ وآذَوْاءَ محمَّدا
شَرَكُوا في دم المُطَهَّـ … رِ زيدٍ تعمُّدا (^٥)
ثم عالوه (^٦) فوق جِذْ … عٍ صريعًا مُجَرَّدا
يَا خِراشَ بنَ حَوْشَبٍ … أنتَ أشقى الوَرَى غدا (^٧)
[وقال هشام:] لما وصل الرأس إلى هشام؛ نصبَه على درج دمشق، ثم بعثَ به إلى المدينة، وأقام البَدَنُ مصلوبًا حتَّى مات هشام ووليَ الوليد بن يؤيد، فأمر به فأُحرق (^٨).
[وقال أبو عُبيدة معمر:] لما قُتل زيد قال رجل من بني أسد لابنه يحيى (^٩): الرأي أن تخرج إلى خُراسان، فلكم بها شيعة. قال يحيى: ومن لي بذاك؟ فقال: تتوارى حتَّى يكفَّ عنك الطلب، ثم تخرج. فواراه عنده ليلة، ثم خاف، فأتى عبدَ الملك بنَ بشر بن
_________________
(١) في (ص): الشريف.
(٢) قوله: مُسَهَّدًا، أي: لم أنم، يقال: سَهدَهُ الهَمُّ ونحوُه، أي: نفى عنه النَّوم. والمُقْصَد: من يمرض فيموت سريعًا. "معجم متن اللغة".
(٣) في المصدر السابق: التبلُّدا.
(٤) في (ص): وأعتدا.
(٥) في "تاريخ" الطبري ٧/ ١٩٠: تعنُّدا.
(٦) رُسمت اللفظة في (ب) و(خ) و(د): فاعلوه (؟) والمثبت من (ص)، وهو موافق لما في المصدر السابق.
(٧) تاريخ الطبري ٧/ ١٩٠. وفي "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٣٩ ثلاثة أبيات (الثالث والسادس والتاسع). وقولُه: والذي نبش زيدًا … إلخ مع الأبيات، وقع في (ص) آخر هذه الفقرة (قبل فقرة: فصل يتعلق يزيد).
(٨) تاريخ الطبري ٧/ ١٨٩.
(٩) يعني يحيى بن زيد. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ١٦٢ ]
مروان بن الحكم فقال له: إنَّ قرابة زيد بك قريبة، وحقُّه عليك واجب، قال: أَجل، ولقد كان العفوُ عنه أقربَ للتقوى قال: وهذا ابنُه غلامٌ حَدَث لا ذنبَ له، وإن علمَ به يوسف بنُ عمر قتلَه، فتُجِيرُه وتُواريه عندك. قال: نعم وكرامة. فأتاه به، فواراه، وبلغَ يوسفَ بنَ عمر، فبعث إلى عبد الملك يقول: ابعثْ إليَّ بالغلام، وإلا كتبتُ فيك إلى أمير المُؤْمنين. فبعثَ إليه: كيف أُواري من ينازعُني سلطاني ويدَّعي أن له فيه أكثرَ من حقي؟! وما بلغك باطلٌ وزُور. فصدَّقه يوسف، ثم خرج يحيى في نفر يسير من الزيدية إلى خراسان (^١).
[وقال هشام وأبو عُبيدة:] ثم خطب يوسف بن عمر فقال: يَا أهل الكوفة إن يحيى بن زيد يتنقَّل في حِجال نسائكم كما كان يفعل أبوه، واللهِ لو أبدى لي صفحته لفعلتُ به كما فعلتُ بأبيه (^٢).
[وقال أبو مِخْنَف:] ولما [قُتل زيد] دخل يوسف الكوفة [و] صعد المنبر وقال: يَا أهل هذه المَدَرَة الخبيثة، أبشروا بالصَّغار والهَوَان، لا عطاءَ لكم عندنا ولا رزق، ولقد هممتُ أن أهدم دوركم وأسلبكم أموالكم، وواللهِ ما صعدتُ المنبر إلَّا لأُسمعَكم ما تكرهون، فإنكم أهل بغي وشقاق، وخلاف ونفاق، ما منكم إلَّا من قد حارب الله ورسولَه، ولو أذنَ لي أميرُ المُؤْمنين فيكم لقتلتُ مقاتلتكم، وسبيتُ ذراريكم (^٣).
فصل يتعلق بزيد بن عليّ:
كنيتُه أبو الحسين، وقيل: أبو الحسن، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: فتاة (^٤)، وقيل: جيداء.
وهو من الطَّبقة الثالثة من التابعين من أهل المدينة (^٥)، رأى في المنام كأنَّه أضرمَ نارًا بالعراق أُطفئت ومات، فقال لابنه يحيى: قُتلتُ يَا بُنيّ وربِّ الكعبة (^٦).
_________________
(١) تاريخ الطبري ٧/ ١٨٩.
(٢) المصدر السابق. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(٣) تاريخ الطبري ٧/ ١٩١، وما سلف بين حاصرتين من (ص). وجاء فيها بعد هذا الكلام قوله: والذي نبش زيدًا وقطع رأسه … إلخ، مع أبيات للسيد الحميري، وسلف في الصفحة السابقة من النسخ الأخرى.
(٤) فتاة، ليس اسمًا لها، وإنما يعني أنها أمُّ ولد كما ذكر.
(٥) طبقات ابن سعد ٧/ ٣١٩.
(٦) بنحوه في "أنساب الأشراف" ٢/ ٥٢١، و"تاريخ" الطبري ٧/ ١٦٢. دون قوله: فقال لابنه يحيى … إلخ.
[ ١١ / ١٦٣ ]
وذكر المسعودي أن زيدًا أقام مصلوبًا (^١) بالكوفة خمس سنين -وقيل: أربع سنين- لم تُرَ له عورةٌ سترًا من الله عليه [فلما كان الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالكوفة أن أحرق زيدًا بخشبته، فحرقه، وأذرى رماده في الفرات (^٢).
وقال الواقديّ:] وصلبوه عُريانًا بغير سراويل، فجاءت عنكبوت، فنسجت على عورته.
[وحدثني عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ رؤي مستندًا إلى خشبة زيد يبكي ويقول: هكذا تفعلون بولدي!
قلت: وقد أخرج هذه الآثار أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" فروى عن إسماعيل بن عليّ الخطبي قال: كان كنية زيد بن عليّ أبو الحسين، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: جيداء. ظهر بالكوفة في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان سنة إحدى وعشرين ومئة، وقُتل ليومين خلوا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة وهو ابنُ اثنتين وأربعين سنة، وصُلب بالكوفة، وفي تاريخ قتله خلاف، ولم يزل مصلوبًا إلى سنة ستّ وعشرين ومئة، ثم أنزل بعد أربع سنين من صلبه (^٣).
قال: وسئل سفيان بن عُيينة: متى مات الزُّهريّ؟ قال: سنة ثلاث وعشرين ومئة، وفيها قُتل زيد بن عليّ ﵁.
وروى أبو القاسم أَيضًا أن زيدًا صُلب ووجهُه ناحية الفُرات، فأصبح وقد دارت خشبتُه نحو القبلة، ففعلوا به ذلك مرارًا، وعمدت عنكبوت فنسجت على عورته، وكانوا صلبوه عُريانًا (^٤).
وروى أبو القاسم أَيضًا بإسناده إلى جرير بن حازم قال: رأيتُ النَّبِيّ ﷺ في النَّوم مسندًا ظهره إلى خشبة زيد وهو يبكي ويقول: هكذا تفعلون بولدي (^٥)؟!
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د): وأقام مصلوبًا … والمثبت من (ص).
(٢) مروج الذهب ٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣، وهذا الكلام بين حاصرتين من (ص).
(٣) تاريخ دمشق ٦/ ٦٥٦ (مصورة دار البشير).
(٤) المصدر السابق، وما قبله منه.
(٥) المصدر السابق.
[ ١١ / ١٦٤ ]
وقال ابنُ سعد بإسناده (إلى سَحْبَل بن محمَّد) قال: ما رأيت أحدًا من الخلفاء أشدَّ عليه من الدِّماء من هشام، ولقد دخله من مقتل زيد بن عليّ ويحيى بن زيد أمرٌ شديد، وقال: وددتُ أني كنت فَدَيتُهما (^١).
قلت: وذِكْرُ يحيى في هذا الحْبر وهمٌ من ابن (سعد) فإنَّ يحيى قُتل بعد موت هشام في أيام الوليد لما نذكر.
وقال ابنُ سعد (^٢): قُتل زيد يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين ومئة -وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومئة -وهو ابن اثنتين وأربعين سنة.
وقال أبو نُعيم -يعني الفضل بنَ دُكَيْن-: إن زيدًا قُتل يوم عاشوراء.
وقال أبو القاسم ابن عساكر: كان زيد يسمَّى ذا الدمعة؛ لكثرة بكائه (^٣).
قال: وسمع الحديث من أَبيه، وأخيه محمَّد، وأبان بن عثمان.
وروى عنه ابنُ أخيه جعفرُ الصادق، والزُّهْرِيّ، وشعبة، وغيرهم.
قال أبو القاسم ابن عساكر.] (^٤) وسأله آدم بن عبد الله الخثعميّ عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]: مَنْ هم؟ قال: أبو بكر وعمر. قيل له: فأنت تقول هذا؟! قال: لا أنالني الله شفاعة محمَّد ﷺ إن لم أُوالهما (^٥). ﵁.
ومن شعر زيد رحمة الله عليه:
مُنْخَرِقُ الخُفَّينِ (^٦) يشكو الوَجَى … يُدمينَهُ (^٧) أطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ
شرَّدَه الخوفُ وأزْرَى بِهِ … كذاك مَنْ يكرهُ حَرَّ الجِلادْ
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٧/ ٣٢٠ (وما بين قوسين عاديين منه).
(٢) المصدر السابق.
(٣) تاريخ دمشق ٦/ ٦٥٤ (مصورة دار البشير).
(٤) من قوله: وحدثني عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ رؤي مستندًا إلى خشبة زيد … إلى هذا الموضع من (ص). وجاء مختصرًا في (ب) و(خ) و(د)، ووقع فيها أخطاء في أسماء من روى عنهم، ومن رَووْا عنه. لذا أثبتُّ نسخة (ص).
(٥) تاريخ دمشق ٦/ ٦٤٧.
(٦) في (خ): الكعبين. والمثبت من (ب) و(د) والكلام ليس في (ص).
(٧) في المصادر الآتية: تنكبُه.
[ ١١ / ١٦٥ ]
قد كانَ في الموت له راحةٌ … والموتُ حَتْمٌ في رقابِ العبادْ (^١)
وهذا قاله لمَّا كان يتردَّد من البصرة إلى الكوفة متخفّيا، ومن قبيلة إلى قبيلة.
وكان يتمثَّل بهذين البيتين ويقول:
وكنتُ إذا قومٌ غَزَوْني غَزَوْتُهمْ … فهل أنا في ذا يال هَمْدانَ (^٢) ظالمُ
متى تجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارمًا … وأنفًا حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ المظالمُ
وهما لعَمرو بنِ برَّاقة الهَمْدانيّ؛ أغار عليه رجل من هَمْدان اسمُه حُريم، فاستاقَ إبلَه، فأغار عليه عَمرو، فاستاقَ إبلَه. وهي من أبيات منها:
ومَنْ يطلبِ العزَّ الممنَّعَ بالقَنا … يَعِشْ ماجدًا أو تخترمْهُ المخارِمُ (^٣)
ذكر أولاد زيد:
فولدَ [زيدُ بنُ علي] يحيى بنَ زيد المقتول بخراسان، وأمُّه رَيطة بنتُ أبي هاشم عبدِ الله بنِ محمَّد بن الحنفيَّة، بعث إليه نصرُ بنُ سيار سَلْم بنَ أحْوَز فقتله، وعيسى، وحُسينًا، ومحمدًا، وهم لأمِّ ولد (^٤).
وهذا حسين يقال له: المكفوف كُفَّ بصرُه، وكنيتُه أبو عبد الله، وكان له من الأولاد: مُلَيكَة، وميمونة؛ وتزوَّجَ ميمونةَ مُحَمَّد المهدي بن المنصور، فتوفي عنها، فخلفَ عليها عيسى بن جعفر الأكبر ابن أبي جعفر المنصور، فلم تلد له، وعُليَّة بنت حسين، وأمُهنَّ كَلْثم بنت عبد الله بن عليّ بن الحسين بن عليّ ﵇، ويقال لها: الصَّمَّاء، ويحيى بن حسين، وسُكينة بنت حسين لم تبرز، وفاطمة بنت حسين، تزوَّجَها محمَّد بنُ إبراهيم الإمامِ، فولدَتْ له حَسَنًا، وسليمان، وخديجة، وزَينب، والحُسين، بني (^٥) محمَّد بن إبراهيم [بن محمَّد] بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس (^٦).
_________________
(١) البيان والتبين ١/ ٣١١ و٣/ ٣٥٩، والعقد الفريد ٤/ ٤٨٣ و٥/ ٨٩، وقال الحصري في "زهر الآداب" ١/ ٧٨: رُويت هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وقد رُويت لأخيه موسى.
(٢) أي: يَا آل هَمْدان. وتحرف قوله: ذا يال همدان في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها) إلى: ذياك هذان.
(٣) ينظر "الأغاني" ٢١/ ١٧٥ - ١٧٧، و"العقد الفريد" ١/ ١١٩.
(٤) طبقات ابن سعد ٧/ ٣١٩. وما بين حاصرتين منه للإيضاح.
(٥) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): بنو. وأثبتُّ اللفظة على الجادَّة.
(٦) طبقات ابن سعد ٧/ ٦١٢. وما سلف بين حاصرتين منه.
[ ١١ / ١٦٦ ]
وقال أبو الفرج الأصفهاني (^١): كان محمَّد بن يحيى بن زيد بن عليّ (^٢) قد قام بطبرستان بعد مقتل أبيه في أيام بني العباس واستولى عليها، فكان يُفَوِّقُ الخَراجَ وبيتَ المال في القبائل؛ قريشٍ أولًا، ثم في الأنصار، ثم في العلماء وأهل القرآن وسائر الطبقات حتَّى لم يُبق درهمًا.
وإنه جلس يومًا على عادته، ففرَّق المال، فقام إليه رجلٌ، فسأله: أَمِنْ بني عبد مناف أَنْتَ؟ قال: نعم. قال: أَمِنْ بني أميَّة أَنْتَ؟ قال: نعم. قال: من أيِّ ولده؟ فأمسك. قال: لعلَّك من ولد يزيد بن معاوية؟ قال: نعم. فقال: بئس الاختيارُ اخترتَ لنفسك حيث قصدتَ بلدًا ولاتُه آلُ أبي طالب، وعندك ثأرُهم في سيِّدهم، وقد كان لك منصرفٌ إلى الشَّام، أو إلى العراق، ولقد جهلتَ وخاطرتَ بنفسك. فنظر إليه العلويُّون نظرًا منكرًا، فصاح بهم محمَّد، فسكنوا، فقال: هل تظنُّون في قتل هذا دَرَكًا لقتل الحسين؟! أيُّ جُرم لهذا؟ إن الله يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وهذا ما قتل، وواللهِ لئن تعرَّضَ إليه أحد لأُقِيدنَّه به (^٣).
ثم قال: اسمعوا حديثًا يكون لكم قدوةً: عُرض على أبي جعفر سنةَ حجَّ جوهرٌ فاخر، وقيل له: هذا كان لهشام بن عبد الملك، وقد بقيَتْ منه بقيَّة عند محمَّد بن هشام، وهو معك بمكة، فأمر بغلق أبواب الحرم، وأمرَ الربيعَ (^٤) أن يقفَ على بابِ يعترضُ النَّاس، وكان محمَّد بن هشام في المسجد قد تنكّر، وكان في المسجد عمِّي محمدُ بن زيد، فرأى محمَّد بنَ هشام متحيِّرًا ولم يعرفه، فقال له: يَا هذا ما الذي بك؟ قال: ولي الأمان؟ قال: نعم. قال: أنا محمَّد بن هشام، فمن أَنْتَ؟ قال: محمَّد بن
_________________
(١) روى التنوخيُّ الخبر في "الفرج بعد الشدة" ٢/ ٣٣٤ عن أبي الفرج الأصفهاني، ورواه ابن حمدون في "التذكرة الحمدونية"٢/ ٢١٣ عن التنوخي.
(٢) كذا قال. ولعله وهم، ففي المصدرين السابقين: محمَّد بن زيد الداعي. ثم إنّ المصادر لم تذكر ليحيى بن زيد بن عليّ ابنًا اسمُه محمَّد، مع أنَّ المصنف سيذكره في ترجمة أَبيه يحيى بنّ زيد، آخر السنة (١٢٥). فلعل الوهم تكرّر، والله أعلم.
(٣) في النسخ المذكورة: لأقصدنه به. وأثبتُّ اللفظة على الجادَّة مستفيدًا من عبارة المصدرين السابقين، وفيهما: واللهِ لا يعرضُ له أحد إلَّا أقدتُه به.
(٤) هو الرَّبيع بن يونس وزير أبي جعفر المنصور.
[ ١١ / ١٦٧ ]
زيد بن عليّ بن الحسين. فقال: عند الله أحتسبُ نفسي. فقال: يَا ابنَ العمّ، لا بأس عليك، أنا أُخلِّصُك، ولكن لا بدَّ من مكروه أنالُك به يكون سببًا لخلاصك. قال: افعل. فجعلَ عِمامتَه في عنقه، وأقبلَ يجزُه ويَلْطِمُه إلى باب الحرم، والربيعُ قائم على الباب، فقال له: يَا أَبا الفضل (^١)، إنَّ هذا جمَّالٌ خبيثٌ من أهل الكوفة، أكراني جِمالًا ذاهبًا وراجعًا، وقد هرب مني، وأكراها لبعض الخُراسانية، ولي عليه بيِّنة، فضُمَّ إليَّ حَرَسِيَّيْن يقدِّمانه إلى القاضي، ويمنعان الخُرَاسَانِيّ من إعزازه. فضمَّ إليه حَرَسِيّين وقال: اذهبا معه. فلما خرج من المسجد قال: تؤدِّي إليَّ حقِّي؟ قال: نعم يَا ابنَ رسول الله ﷺ فقال للحَرَسِيّينِ: انْصَرِفا فقد اعترف. فانصَرَفا.
فقَبَّلَ ابنُ هشام يدَ محمَّد وقال: بأبي أَنْتَ وأمي، اللهُ أعلمُ حيث يجعلُ رسالاتِه. ثم أخرج جوهرًا له قيمة، فدفعَه إليه وقال: شَرِّفْني بقبوله. فقال له: يَا ابن عمّ، نحن أهلُ بيت لا نأخذُ على المعروف أجرًا وقد تركتُ [لك] (^٢) أعظمَ من هذا وهو دمُ زيد بن علي، فانصرفْ راشدًا، ودارِ شخصَك حتَّى يخرجَ هذا الرجلُ من البلد، فإنَّه مُجِدٌّ في طلبك. فمضى وتوارى.
قال: ثم أمر للرجل الأُموي من العطاء مثل ما أمر به لواحدٍ من بني عبد مناف، وكساه ووصلَه من عنده، وبعثَ معه رجالًا، فأوصلوه إلى مأمنه (^٣).
[وفيها تُوفِّي]