[كان] من الخائفين المجتهدين، وهو من الطبقة الرابعة من أهل البصرة.
[وذكرَ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان] أقام أربعين سنة لم يرفع رأسَه (^٦) إلى السماء حياءً من الله تعالى، ولم يضحك، فرفعه مرةً ففُتق فتقٌ في بطنه.
و[روى ابن أبي الدنيا أنه] كان إذا توضَّأ انتفض وارتعد وبكى، فيقال له في ذلك، فيقول: إني أُريد أن أَقْدَم على أمرٍ عظيم، أُريد أن أقوم بين يدي الله تعالى (^٧).
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د): ورأى الربيع … والمثبت من (ص). والخبر في "الحلية" ٥/ ٧٧.
(٢) في (ب) و(خ) و"صفة الصفوة" ٣/ ١٠٩: أحسن. والمثبت من (د) و(ص). وهو كذلك في "حلية الأولياء" ٥/ ٧٧.
(٣) حلية الأولياء ٥/ ٧٦، وصفة الصفوة ٣/ ١١٠، وفيهما: لانشقَّت في الدنيا مرائرهم، ولتقطَّعت أجوافهم.
(٤) حلية الأولياء ٥/ ٧٧، وصفة الصفوة ٣/ ١١٠.
(٥) ما بين حاصرتين من (ص).
(٦) في (خ): طرفه، والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ٢٢١، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢٥. والكلام السالف والآتي بين حاصرتين من (ص).
(٧) حلية الأولياء ٦/ ٢١٧، ٢١٨، وصفة الصفوة ٣/ ٣٢٥.
[ ١١ / ١٤٤ ]
وروى ابن أبي الدنيا عن صالح المُرِّي أنه قال: كان عطاء (^١) قد أضرَّ بنفسه حتى ضَعُفَ، فسألتُه أن يشربَ شَرْبةً من سَويق (^٢)، وبعثتُ بها مع ابني، وقلت: لا تبرح حتى يشربَها، فجاء فقال: قد شربَها. فلما كان في اليوم الثاني بعثتُ له مثلَها، فرجع وقال: لم يشربها، فأتيتُه و[لُمتُه]. قلت: هذا ممَّا يُعِينُك على الصلاة والعبادة. فقال: إني عالجتُ نفسي على شُربها فلم أقدر، وكلما أردتُ أن أشربَها ذكرتُ قولَه تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]. فبكى صالح وقال: أنا في وادٍ، وأنت في واد.
وروى ابنُ أبي الدنيا أن جارة لعطاء سجرت تَنُّورًا (^٣)، فنظر إليه [عطاء] فغُشيَ عليه.
وقال الدورقي: كان إذا بكى (^٤)، بكى ثلاثة أيام بلياليها، ودخلوا عليه وحوله بَلَلٌ، فظنُّوه قد توضَّأ، فقالت عجوز في داره: هذه دموعُه.
و[قال ابن أبي الدنيا:] عُوتب على كثرة بكائه، فقال: إني إذا ذكرتُ أهل النار وما ينزلُ بهم من العذاب مثَّلتُ نفسى بينهم، فكيف بنفس تُغَلُّ يدُها إلى عنقها، وتُسحب إلى النار، وما يغني البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله (^٥)؟!
وخرج في جنازة، فغُشيَ عليه أربع مرات حتى صُلِّيَ عليها (^٦).
وروى أبو نُعيم قال: كان عطاء يمسُّ (^٧) جسدَه بالليل مخافةَ أن يكون قد مُسخ.
_________________
(١) في (ب) و(خ) و(د): وقال صالح المُرِّي: كان عطاء … إلخ. والمثبت من (ص). والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ٢١٨، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢٥.
(٢) هو طعام يتخذ من دقيق الحنطة والشعير؛ سمّي بذلك لانسياقه في الحلق.
(٣) في (ب) و(د). وسجرت جارة لعطاء تنورًا. وفي (خ): وسجرت جارية … والمثبت من (ص). والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ٢١٨، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢٦.
(٤) في (ب) و(خ) و(د): وكان إذا بكى … إلخ. والمثبت من (ص). والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ٢١٨، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢٦ عن عبد الرحمن بن مهدي عن عفيرة العابدة، وليس عن الدورقي.
(٥) محاسبة النفس (١٣٧)، وصفة الصفوة ٣/ ٣٢٧.
(٦) حلية الأولياء ٦/ ٢٢٠، وصفة الصفوة ٣/ ٣٢٧.
(٧) في (ب) و(خ) و(د): وكان يمسُّ … والمثبت من (ص). والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ٢٢٢، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢٨.
[ ١١ / ١٤٥ ]
[قال:] وقيل له: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ فقال: صِدْتُ حمامًا منذ أربعين سنة وقد تصدَّقتُ بثمنه مرارًا. كأنه لم يعرف صاحبه (^١).
و[روى ابن أبي الدنيا أن عطاءً] كان يقول: التمسوا لي هذه الرُّخَصَ لعلِّي أن ألقى اللهَ وأنا حَسَنُ الظنِّ به (^٢).
[قال:] وقيل له: ما تشتهي؟ قال: أبكي حتَّى لا أقدر أن أبكي. وكان دموعه الدهر سائلة على خديه (^٣).
و[قال عليُّ بن بكَّار:] مكثَ على فراشه أربعين سنة لا يقوم ولا يخرج من مكانه من الخوف (^٤).
ولقد كانت الفاكهة تجيءُ وتمرُّ وهو لا يعرفُها (^٥).
وكانت وفاتُه بالبصرة في هذه السنة، فأدرك أيام أنس، ولقيَ الحسن، وابنَ سِيرين، ومالك بنَ دينار، وخلقًا من هذه الطَّبقة، وشغَلَتْه العبادة عن الرواية (^٦).
وروى ابنُ أبي الدنيا عن صالح المُرِّيّ قال: لما مات عطاء (^٧) حزنتُ عليه حزنًا شديدًا، فرأَيتُه في المنام، فقلتُ: يَا أَبا محمَّد، ألستَ في زمرة الموتى؟ قال: بلى. قلتُ: فإلامَ صرتَ إليه؟ فقال: إلى خير كثير وربٍّ غفور شكور. قلت: واللهِ لقد كنتَ طويلَ الحزنِ في الدنيا. فتبسَّم وقال: أما واللهِ يَا أَبا بِشر، لقد أعقبني ذلك راحةً طويلة، وفرحًا دائمًا. قلت: ففي أيِّ الدرجات أَنْتَ؟ قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (^٨).
_________________
(١) المصدران السابقان.
(٢) بنحوه في "حلية الأولياء" ٦/ ٢١٧، و"صفة الصفوة" ٣/ ٣٢٩. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٣) صفة الصفوة ٣/ ٣٢٩.
(٤) حلية الأولياء ٦/ ٢١٧، وصفة الصفوة ٣/ ٣٢٩. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(٥) حلية الأولياء ٦/ ٢٢٣، وصفة الصفوة ٣/ ٣٢٩.
(٦) صفة الصفوة ٣/ ٣٣٠.
(٧) في (ب) وخ) و(د): وقال صالح المُرّيّ لما مات عطاء … والمثبت من (ص).
(٨) حلية الأولياء ٦/ ١٧٢ (ترجمة صالح المُرّيّ)، وصفة الصفوة ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١.
[ ١١ / ١٤٦ ]