ابن العباس بن عبد المطَّلب، [وكنيتُه] أبو عبد الله، [وهو] من الطَّبقة الرابعة (^٦) من أهل المدينة، وأمُّه العالية بنتُ عُبيد الله (^٧) بن العبَّاس.
وهو أبو الخلفاء من بني العبَّاس، وكان بينه وبين أَبيه عليّ في السّنّ أربعَ عشرةَ سنةً وأشهُر، فلمَّا شابا خَضَبَ عليٌّ بالسَّوَاد، و[خضب] محمَّد بالحِنَّاء، فلم يُفَرَّق بينهما إلَّا بالخِضاب لتشابههما، وقُربِ سنَّي بعضهما من بعض (^٨).
_________________
(١) وقعت الترجمة ضمن خرم في "تاريخ دمشق" وهي في "مختصره" ٥/ ٣٧٤.
(٢) كذا في (ص) (والكلام منها وهو ما بين حاصرتين). وفي "تهذيب الكمال" ٤/ ٤٩٨: روى عن حنظلة الأَنْصَارِيّ.
(٣) نسبه السيوطي في "تاريخ الخلفاء" ص ١٧٥ لابن أبي الدنيا وابن عساكر، ثم نقل عن ابن عساكر قوله فيه: غريب جدًّا. وقال المناوي في "فيض القدير" ٦/ ٢٧١: فيه محمَّد بن عاصم؛ قال الذهبي في الضعفاء: مجهول، بيَّض له أبو حاتم.
(٤) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٢٥.
(٥) قال ابن حجر في "تقريب التهذيب": صدوق اختلط، قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جُرَيج. اهـ. ولم ترد هذه الترجمة في (ص).
(٦) في (خ): الثالثة، والمثبت من باقي النسخ. وهو في "الطبقات" ٧/ ٤٧٠.
(٧) في النسخ الأربعة: عبد الله، وهو خطأ.
(٨) أنساب الأشراف ٣/ ٨٠. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ٢٠٤ ]
ووُلد محمَّد (^١) بالحِمَّة من أرض البلقاء سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين.
وفي الليلة التي توفّي فيها محمَّد، وُلد فيها محمَّد المهديّ بن أبي جعفر المنصور، فسُمِّيَ باسمه، وكُنِّيَ بكنيته (^٢).
وذكره خليفة في الطَّبقة الثالثة من أهل الشامات (^٣).
وكان … (^٤) بن العباس سيدهم بعد أَبيه عليّ.
[قال هشام:] وكان نبيلًا جليلًا، فاضلًا فصيحًا، وله الكلامُ الحسنُ، والهمَّةُ العالية. قال: شرُّ الآباء مَنْ دعاه البِرُّ إلى الإفراط، وشَرُّ الأبناء مَنْ دعاه التقصيرُ إلى العقوق (^٥).
وكان وصيَّ أبي هاشم عبد الله بن محمَّد بن الحنفيَّة (^٦)، وكان ابتدأ الدعوة، فلمَّا احتُضر أوصى إلى محمَّد بن عليّ، فلم يزل منذ سنة سبع وثمانين إلى سنة أربع وعشرين ومئة، فمات محمَّد وقد انتشرت الدعوة، وكثُرت الشيعة (^٧).
وكان يقول: لنا ثلاثةُ أوقات: موتُ الطاغية يزيدَ بنِ معاوية، ورأسُ المئة، وفتقٌ بإفريقية، فعند ذلك تظهرُ دولتُنا، ويُقبل أنصارُنا من المشرق (^٨).
و[قال أبو اليقظان:] بعث [محمد بن عليّ] إلى خُراسان رجلًا، وأمره أن يدعوَ إلى الرِّضى من آل محمَّد ﷺ، ولا يسمِّيَ أحدًا، فأجابه سبعون، فاختارَ منهم اثني عشر نقيبًا (^٩).
_________________
(١) في (ص): وقد ذكرنا مولد محمَّد …
(٢) أنساب الأشراف ٣/ ٨٨.
(٣) في (ب) و(خ) و(د): ومحمَّد بن عليّ من الطَّبقة الثالثة من أهل الشَّام. وأثبتُّ لفظ (ص). وهو في "طبقات" خليفة ص ٣١٢. وأخرجه عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٦٣/ ٣٩٨ (طبعة مجمع دمشق).
(٤) موضع النقاط كلمة غير واضحة، رسمها: رحمه (؟) ولم ترد هذه الفقرة في (ص).
(٥) أنساب الأشراف ٣/ ٩١.
(٦) في (ص): وكان وصيّ هاشم بن محمَّد بن الحنفية، وهو خطأ. ولم يرد الكلام الآتي بعده فيها.
(٧) ينظر "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٧١، و"أنساب الأشراف" ٣/ ٨٨ و١٢٩.
(٨) أنساب الأشراف ٣/ ٩٠. ومن قوله: وكان ابتدأ الدعوة … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٩) في (ب) و(د): نفسًا، وفي (خ): رجلًا. والمثبت من (ص) وهو موافق لما في "أنساب الأشراف" ٣/ ٩٠، والخبر فيه تتمة للخبر السابق. وينظر فيه أَيضًا ص ١٢٩.
[ ١١ / ٢٠٥ ]
وإنَّما اختار محمَّد خُراسان؛ لأنَّه فكَّر فرأى أهلَ الكوفة شيعةً لعليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه وهم غدر، وأهلَ البصرة عثمانية، وأهلَ الشَّام سفيانية ومروانية، وأهلَ الجزيرة خوارج، وأهلَ المدينة مختلفين، فبعضُهم شيعة عليّ رضوان الله عليه، وبعضُهم يميلون إلى أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، وأهلَ مصر مختلفي الآراء والأهواء، وأهلَ خُراسان قلوبُهم خاليةٌ من الأهواء (^١)، وهم أهل قوة وبأس ونجدة وعُدَّة.
و[حكى أبو القاسم ابن عساكر قال:] (^٢) قدم محمَّد بن عليّ على هشام، فقال له: ما الذي أقدمك؟ قال: حوائج. قال: انتظر بها دولتَك التي تتوقَّعونها وتَرْوُون فيها الأخبار، وترشِّحون لها أحداثَكم. فقال: أُعِيذُك بالله يَا أمير المُؤْمنين من هذا. قال: بلى، أنتُم تقولون كذا، وقد جعلتُم رسولَ الله ﷺ سُوقًا، قد كتبَ إليَّ عاملُ ناحيتك أنَّ النَّاسَ يجيئون إليك بالمال من كل ناحية، فأدِّ (^٣) مئة أَلْف درهم. وحبسه وأقدمه في الشَّمس وقال: عذِّبوه.
وكان في عسكر هشام أبو موسى السَّرَّاج، ومعه أبو مسلم غلامٌ ابنُ عشرين سنة، يعلِّمُه صَنْعَةَ السُّروج، وكان أبو موسى من أهل الدعوة، فجمع له مئة أَلْف درهم، وكلَّمُوا فيه هشامًا، فأخذَها وأطلقه (^٤).
وقال [الهيثم: قال] الأبرش الكلبي لهشام: إن كان الله تعالى قد قدّر لهم أن ينالوا الخلافة، فلا بدَّ لهم منها، فيجب عليك مصانعتُهم لأجل ولدك وعَقِبك، وإنْ لم يكن في المقدور أن ينالوها؛ فما خوفُك ممَّا ليس بمقدَّر؟ فأمسك هشام عن محمَّد، وخلَّى سبيلَه (^٥).
وحكى أبو القاسم أَيضًا عن محمَّد بن سليمان (^٦) بن عبد الله النَّوْفلي قال: لمَّا تحدَّث النَّاس أن الخلافة تصيرُ إلى بني العبَّاس؛ كتب هشام إلى عامله بالمدينة أن
_________________
(١) في (ص): الأهوية.
(٢) الكلام بين حاصرتين من (ص) ولم أقف على الخبر في "تاريخ دمشق" وهو في "أنساب الأشراف" ٣/ ٩٢.
(٣) في (ص): فإذا، بدل: فأدّ.
(٤) أنساب الأشراف ٣/ ٩٢ بأطول منه. وسلف ذكر أبي موسى السرَّاج أو سنة (١٢٤).
(٥) المصدر السابق ٣/ ٩٣.
(٦) في (ب) و(خ) و(د): وقال محمَّد بن سليمان … والمثبت عبارة (ص).
[ ١١ / ٢٠٦ ]
يُشخص محمَّد بنَ علي إلى الشام، فأشخصَه إلى دمشق، وأمره هشام بلزوم بابه، فاشترى محمَّد جاريةً بدمشق، فولدت ولدًا، فأنكره محمَّد، فخاصَمَتْه أمُّه إلى هشام، فأحضر محمدًا، فحلف أنَّه ليس منه، ففرَّق بينهما، فلما بلغ الغلام سبع سنين؛ دسَّ إليه محمَّد من اغتاله وقتلَه، فاستعدت أمُّه عليه هشامًا، فحلفَ إنه ما قتله، ولا دَسَّ عليه من قتلَه.
فطرح هشام عليه العيون وقال: بالأمس يَقتُلُ أبوه عليٌّ سَلِيطًا (^١)، واليوم يَقتلُ هذا ولدَه!
وأرسل إلى ضياع الغوطة في السِّرِّ يبحثُ عنه، فقال رجل من أهل المِزَّة: عندي من هذا علم. فأُحضر إلى هشام، فسأله، فقال: كنتُ أسقي بستانًا لي بالمِزَّة ليلًا، فرأيتُ رجلًا راكبًا على فرس، وخلفَه آخر، ورجلٌ يمشي معه، فقتلوا واحدًا [منهم] ودفنوه، ولم يشعروا بي، وقد علَّمتُ على الموضع الذي دفنوه فيه، وتبعتُ أثرهم حتَّى دخلوا البلد (^٢)، وعرفتُ الدار التي دخلوها. فقال له هشام: لله دَرُّك! فقد فرَّجتَ عني.
وأرسل معه أقوامًا إلى الدار، فإذا هي دارُ محمَّد بنِ على، فأحضرَه وسألَه، فأنكر (^٣)، فبعث إلى الصَّبي فنبشَه، وأخرجَه مقتولًا، فقال هشام: لولا أن الأب لا يُقاد بابنه (^٤) لأقَدْتُك به. فضربه سبعَ مئة سَوْط (^٥)، ونفاه إلى الحِمَّة.
فكان ذلك سببًا لضرب عبد الله بن عليّ هشامًا بعد موته؛ لأنه فعلَ بأخيه ذلك (^٦).
واختلفوا في وفاته؛ فحكى ابنُ سعد أنَّه توفّي بالشَّراة من أرض الشَّام في خلافة الوليد بن يزيد سنة خمس وعشرين ومئة وهو يومئذ ابنُ ستين سنة، فعلى هذه الرواية ينبغي أن يكون مولده سنة خمس وستين (^٧).
_________________
(١) سلفت قصة سَلِيط آخر ترجمة علي بن عبد الله بن العباس في أحداث سنة (١١٧).
(٢) في (ص): المدينة.
(٣) في (ص): فأنكرة.
(٤) في (ص): على ابنه.
(٥) في (ص): فصبره خمس مئة سوط.
(٦) الخبر في "تاريخ دمشق" ٦٢/ ١٨٩ - ١٩٠ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة محمَّد بن سليمان بن عبد الله النوفلي).
(٧) في (ص): سنة ستين، وهو خطأ.
[ ١١ / ٢٠٧ ]
وحكى أبو القاسم ابن عساكر عن عيسى بن المنصور أنَّه مات سنة ستّ وعشرين (^١) وهو ابنُ ثلاثٍ وستين.
وقال المدائنيّ: في سنة أربعة وعشرين ومئة.
[وقال الواقديّ: المثبت عندنا أنَّه مات في سنة خمس وعشرين ومئة قبل قتل الوليد بن يزيد بقليل، والوليدُ قُتل في سنة ست وعشرين ومئة] (^٢).
وبين وفاته ووفاة أَبيه سبع سنين، وقيل: خمس سنين، وقيل: مات سنة اثنتين وعشرين ومئة، وقيل: سنة أربع وعشرين.
ذكر أولاده:
فولدَ محمدُ بنُ عليّ عبدَ الله الأصغر، وهو أبو العباس القائم بالخلافة، وداودَ، وعُبيدَ الله (^٣)، ورَيْطَة؛ هلكت ولم تبرز، وأمُّهم رَيْطَة بنت عُبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان (^٤).
قال البلاذُري: خطب محمَّد بنُ عليّ إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ رَيطَةَ وعُمرُ يومئذ خليفة، فقال له: وما يمنعك منها؟ هي أملكُ بنفسها. فتزوجَها بحاضر قِنَّسْرِين في دار طلحة بن مالك الطَّائي. فحملت بأبي العبَّاس، وولدَتْه في سنة مئة، وقيل: في سنة إحدى ومئة.
وكانت أوَّلًا عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فمات عنها، فتزوَّجَها الحجَّاج بنُ عبد الملك [بن مروان] ثم طلَّقها.
فخرج محمَّد بن عليّ من الشراة إلى الصائفة، فتزوَّجها كما ذكرنا (^٥).
_________________
(١) الرواية في "تاريخ دمشق" ٦٣/ ٤٠٠ عن إبراهيم بن عيسى بن منصور، وفيه أنَّه مات سنة خمس وعشرين ومئة.
(٢) من قوله: واختلفوا في وفاته … إلى هذا الموضع؛ اللفظ من (ص). ووقعت الأقوال في (ب) و(خ) و(د) مختصرة دون نسبة. والكلام الواقع بين حاصرتين من (ص)، فقط ولم يرد الكلام الآتي فيها. وينظر "طبقات ابن سعد" ٧/ ٤٧١، و"تاريخ دمشق" ٦٣/ ٤٠٠ - ٤٠٣.
(٣) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): عبد الله، وهو خطأ. والتصويب من المصدر التالي.
(٤) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٧٠.
(٥) أنساب الأشراف ٣/ ٩٠، وما سلف بين حاصرتين منه.
[ ١١ / ٢٠٨ ]
وعبدَ الله الأكبر، وهو أبو جعفر المنصور، وليَ الخلافة بعد أخيه [أبي العباس] (^١)، وأمُّه أمُّ ولد يقال لها: سلامة، بربريَّة (^٢).
وإبراهيمَ الإِمام الذي كان أهلُ الدعوة يصيرون إليه، ويصدرون عن رأيه، وأمُّه أمُّ ولد، اسمها جان (^٣).
ويحيى، والعالية، وأمُّهما أمُّ الحكم بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب (^٤).
وموسى، وأمُّه أمُّ ولد، غزا مع أَبيه محمَّد، فمات ببلاد الووم، وابنُه عيسى؛ ولَّاه أبو العبَّاس للعهد بعد أبي جعفر، فخلعَه أبو جعفر (^٥).
والعبَّاسَ، وأمُّه أم ولد، وإسماعيلَ، ويعقوبَ -وهو أبو الأسباط (^٦) - ولُبابة؛ تزوَّجَها جعفر بن سليمان بن عليّ، فهلكت عنده ولم تلد له شيئًا، وهم لأمَّهات أولاد شتَّى.
أسند محمَّد بنُ عليّ عن أَبيه، وعمر بن عبد العزيز، وأبي هاشم بن محمَّد بن الحنفية.
وروى عنه حبيبُ بنُ أبي ثابت، وهشامُ بنُ عروة، والزُّهْري، وأخوه عيسى بن علي، وابناه أبو العباس، وأبو جعفر، وغيرهم (^٧).
_________________
(١) ما بين حاصرتين من "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٧٠ للإيضاح.
(٢) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): بربرة. والمثبت من المصدر السابق ٣/ ١٢٨. وفي "جمهرة أنساب العرب" ص ٢٠: "نفزيَّة". ونفزة: بلدة بالمغرب.
(٣) في النسخ المذكورة: جاف. والمثبت من "أنساب الأشراف" ٣/ ١٢٨.
(٤) طبقات ابن سعد ٧/ ٤٧٠.
(٥) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): أبي جعفر، وأثبتُّ اللفظة على الجادة. وينظر "أنساب الأشراف" ٣/ ٣١٨ وما قبله ص ٣٠٩.
(٦) كذا في "طبقات" ابن سعد ٧/ ٤٧٠ (والكلام منه). وفي "أنساب الأشراف" ٣/ ١١٥: أبو الأسباط يعقوب بن عليّ بن عبد الله.
(٧) تاريخ دمشق ٦٣/ ٣٩٦ (طبعة مجمع دمشق)، وتهذيب الكمال ٢٦/ ١٥٣. ومن قوله: وبين وفاته ووفاة أَبيه (قبل هذه الفقرة) … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
[ ١١ / ٢٠٩ ]