الأزدي البصريّ، أبو عبد الله، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة (^٣) من أهل البصرة؛ قال: ومات بعد الحسن بعشر سنين؛ كأنه مات في سنة عشرين ومئة. وقال خليفة: محمد بن واسع من الطبقة الرابعة (^٤).
ولا يقدَّم عليه أحدٌ في زمانه في الزُّهد والعبادة والورع، وكان الحسن يُسمِّيه زَينَ القُرَّاء (^٥).
وكان محمد يصوم الدهر ويُخفيه (^٦)، ويقول: اللهم إنْ كان أخلقَ وجهي كثرةُ ذنوبي؛ فهبني لمن أحببتَ من خلقِك (^٧).
وقال سعيد بن عامر: كان بين ابنِ محمدِ بن واسع وبين رجل شيء، فشكاه إلى أبيه، فقال له: وأيُّ شيءٍ أنت؟! واللهِ ما اشتريتُ أمَّك إلَّا بثلاث مئة درهم، وأما أبوك فلا كثَّر اللهُ في المسلمين مثلَه. قال سعيد بن عامر: ونحن نقول: بلى، كثَّر الله في المسلمين مثلَه (^٨).
_________________
(١) = الصفوة ٣/ ١٠٨، والمنتظم ٧/ ١٩٨ (وذكره فيه ابن الجوزي في وفيات سنة ١١٩). والشطر الأول من الخبر ورد نحوُه عن محمد بن واسع الأزدي. ينظر "تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٧٣ (طبعة مجمع دمشق).
(٢) في (ب) و(خ) و(د): وكان مجاب الدعوة … والمثبت من (ص) والكلام بين حاصرتين منها. والخبر في "المنتظم" ٧/ ١٩٨.
(٣) الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٦.
(٤) في (ب) و(خ) و(د): من الطبقة الثالثة … والمثبت من (ص). وهو في "طبقات" ابن سعد ٩/ ٢٤٠.
(٥) قوله: قال ومات بعد الحسن … إلخ، من (ص)، وجاء بدلًا منه في (ب) و(خ) و(د) قولُه: وقيل: من الرابعة. وكلام ابن سعد في "طبقاته" ٩/ ٢٤١، وأورده خليفة في "طبقاته" ص ٢١٥.
(٦) حلية الأولياء ٢/ ٣٤٦، وتاريخ دمشق ٦٥/ ١٦٠ (طبعة مجمع دمشق) وينظر منه ص ١٥٥.
(٧) حلية الأولياء ٢/ ٣٥١، وتاريخ دمشق ٦٥/ ١٥٨.
(٨) حلية الأولياء ٢/ ٣٥٣.
(٩) طبقات ابن سعد ٩/ ٢٤١، وتاريخ دمشق ٦٥/ ١٦٦. وأخرجه أبو نُعيم في "حلية الأولياء" ٢/ ٣٥٠ من طريق آخر.
[ ١١ / ١٢٢ ]
ولما ثَقُل؛ دخلَ عليه أصحابُه، فجاء هارونُ بنُ رِئاب، فأوسعوا له، فجلس ناحيةً والقوم في تقريظ محمدٍ، ومحمدٌ مغلوبٌ، فأفاقَ، فسمعَ بعضَ قولهم، فقال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ الآية [٤١: الرحمن] إذا جُمع بين ناصيتي وقدمي لا يُغني عني -واللهِ- ما تقولون شيئًا، يا إخوتي، يُذهَبُ بي - واللهِ - عنكم إلى النار، أو يعفو الله عني (^١).
وروى أبو نُعيم عن موسى بن يسار قال: صحبتُ (^٢) محمد بنَ واسع من مكة إلى البصرة، فكان يصلِّي الليل أجمع في المَحْمِل جالسًا يومئُ برأسه إيماءً، وكان يأمرُ الحادي يكونُ خلفَه أَنْ يرفع صوتَه حتى لا يُفطن له، وكان ربَّما عرَّس من الليل، فينزلُ فيصلِّي، فإذا أصبح أيقظَ أصحابَه (^٣).
[وروى أبو نعيم الحافظ بإسناده قال: كان محمد بنُ واسع مع قتيبة بن مسلم في جيش، وكان قُتيبة صاحب خُراسان، وكانت التُّرك قد خرجت إليهم، فبعث إلى المسجد لينظر مَنْ فيه، فقيل: ليس فيه غير محمد بن واسع رافعًا أصبُعَة، فقال قُتيبة: أصبُعُه تلك أحبُّ إليَّ من ثلاثين ألفَ عِنان (^٤).
وروى أحمد الدورقيّ عن أبي أحمد المرُّوذي عن عليّ بن بكَّار، عن محمد قال: كان محمد. وذكره.
وقد رواه الدورقيّ من وجه آخر] عن عبد الواحد بن زيد [قال:] خرج محمد (^٥) بن واسع في غَزاة مع قُتيبة، وقد لقيَ التُّركَ في يوم لا يُرى فيه إلَّا الرؤوس طائرةً، فقال
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٩/ ٢٤١، وتاريخ دمشق ٦٥/ ١٨٠ (طبعة مجمع دمشق). ومن قوله: وكان محمد يصوم الدهر ويخفيه … إلى هذا الموضع، لم يرد في (ص).
(٢) في (ب) و(د): وقال موسى بن بشار: صحبتُ … إلخ. والمثبت من (ص). وقوله: بشار، محرَّف عن: يسار.
(٣) حلية الأولياء ٢/ ٣٤٦، وتاريخ دمشق ٦٥/ ١٥٨ (طبعة مجمع دمشق).
(٤) حلية الأولياء ٢/ ٣٥٣.
(٥) في (ب) و(خ) و(د): وقال عبد الواحد بن زيد: خرج محمد … إلخ. والمثبت من (ص)، والكلام السالف بين حاصرتين منها.
[ ١١ / ١٢٣ ]
قتيبة [بن مسلم]: انظروا إلى (^١) محمد بن واسع. فنظروا؛ وإذا به في طرف الميمنة رافعًا أصبُعَهُ إلى السماء، فأخبروا قُتيبة، فقال: تلك الأصبع الفاردة (^٢) أحبُّ إليَّ من مئة ألف سيف شهير، وسِنانٍ طَرِير (^٣). ثم قال: لا يُخذل جيشٌ فيه محمد بن واسع، احملُوا على بركة الله. فحملُوا، فانهزمت التُّرك.
[قال الجوهري: شَهَرَ سيفَه يَشْهَرُه شَهْرًا، أي: سَلَّهُ. والطَّرِير: ذو الرُّواء والمنظر.
وروى ابنُ أبي الدنيا عن عِلْجَةٍ كانت في دار محمد بن واسع أنها كانت تقول كلماتٍ بالأعجمية؛ معناها: هذا رجلٌ إذا جاء الليل؛ لو كان قتل أهل الدُّنيا ما زاد (^٤).
وروى ابنُ أبي الدُّنيا] عن مطر الوَّراق قال: ما اشتهيتُ (^٥) أن أبكيَ قَطُّ إلا نظرتُ إلى وجه محمد بن واسع، فأبكي حتى أشتفيَ، كأنه ثَكِلَ عشرةً من الحُزْن.
وروى أبو نُعيم عنه أنه كان يقول: لو كان (^٦) للذنوب رائحة ما قدرتُم أن تدنُوا منّي من نَتَن ريحي.
وروى أيضًا عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: رأيتُ في يد محمد (^٧) بن واسع قَرْحة، فاغتممتُ، فقال: أتدري ما للهِ عليَّ في هذه القَرْحةِ من نعمةٍ حيثُ لم يجعلها على طرف ذكري، أو لساني، أو على حدقتي.
_________________
(١) لفظة "إلى" ليست في (ص).
(٢) في (ص): الفارعة.
(٣) كذا في النسخ الخطية وأصول "تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٧٥، والخبر فيه بنحوه عن الأصمعي. وفي "سير أعلام النبلاء" ٦/ ١٢١: وشاب طرير. وهو الأشبه.
(٤) صفة الصفوة ٣/ ٢٦٧، والمنتظم ٧/ ٢٠٤.
(٥) في (ب) و(خ) و(د): وقال مطر الورَّاق: ما اشتهيتُ … إلخ. والمثبت من (ص)، والكلام الواقع بين حاصرتين منها. والخبر في "تاريخ دمش" ٦٥/ ١٥٦، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٦٨، و"المنتظم" ٧/ ٢٠٤.
(٦) في (ب) و(خ) و(د): وكان محمد يقول: لو كان … والمثبت من (ص) والخبر في "حلية الأولياء" ٢/ ٣٤٩، و"تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٦٤ - ١٦٥، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٦٨.
(٧) في النسخ المذكورة: وقال عبد العزيز بن روّاد: رأيتُ في يد محمد … إلخ، والمثبت من (ص)، والخبر في "حلية الأولياء" ٢/ ٣٥٢، و"تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٧١، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٦٨.
[ ١١ / ١٢٤ ]
وقال ابنُ شَوْذَب: فرَّق أميرٌ بالبصرة (^١) مالًا، فبعث إلى مالك بنِ دينار منه فقبلَ، فأتى محمد بنُ واسع، فقال له: يا مالك، قبلتَ جوائزَ السلطان؟! [فقال: يا أبا بكر (^٢)، سَلْ جلسائي، فقالوا: يا أبا بكر] اشتَرَى بها رقابًا فأعتقَهم. فقال له محمد: أنشدك الله، أقَلْبُكَ الساعةَ له على ما كان قبل أَن يُجيزك؟ قال: اللهمَّ لا. قال: ترى أيُّ شيء دخلَ عليك؟ فقال مالك لجلسائه: إنما يعبد اللهَ مثلُ محمد بنِ واسع، أمَّا مالك فإنَّه حمار.
ومرض محمد، فجاء يحيى البكَّاء يستأذنُ عليه، فقالوا: يحيى البكَّاء، فقال محمد: إن شرَّ أيامكم يومَ نُسبتُم فيه إلى البكاء (^٣).
[وفي رواية أبي نُعيم عن محمد أنه قال:] إن كان الرجلُ ليبكي عشرين سنةً وامرأتُه معه لا تعلم به (^٤).
وكان يقول: ما آسى من الدُّنيا على شيء إلَّا على صاحب (^٥) إذا اعْوَجَجْتُ قوَّمَني، أو قوتٍ من الدنيا ليس لأحد فيه منَّة، ولا للهِ على فيه تبعة (^٦).
[وروى ابن أبي الدنيا عنه لما احتُضر بكى وقال لأصحابه: إخوتي، أتدرون إلى أين يُذْهب بي؟ واللهِ الذي لا إله إلَّا هو إلى النار، أو يعفو عني] (^٧).
_________________
(١) في (خ): أمير المؤمنين، بدل: أمير بالبصرة، والمثبت من (ب) و(د)، ولم يرد هذا الخبر في (ص). وهو في "حلية الأولياء" ٢/ ٣٥٤، و"تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٦٢، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٦٩، وما سيرد فيه بين حاصرتين منها.
(٢) يُكنى محمد بن واسع بأبي عبد الله وأبي بكر. تاريخ دمشق ٦٥/ ١٤٣ (طبعة مجمع دمشق).
(٣) حلية الأولياء ٢/ ٣٤٧، وصفة الصفوة ٣/ ٢٦٩. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(٤) المصدران السابقان. والكلام الواقع بين حاصرتين من (ص). وجاء فيها بعد هذا الخبر قولُه: "قال: وكان محمد يصوم الدهر ويخفيه"، وسلف هذا القول من النسخ الأخرى أول الترجمة.
(٥) في "تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٦٨، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٧٠: إلا على ثلاث: صاحب … إلخ. وينظر التعليق التالي.
(٦) بعدها في "تاريخ دمشق": وصلاةٍ في جميع يُرفع عني سهوها ويكتبُ لي فضلها. وكذا في "صفة الصفوة" لكن بتقديم وتأخير.
(٧) هذا الخبر من (ص). وسلف نحوه من النسخ الأخرى أوائل الترجمة، وهو بهذا اللفظ في "حلية الأولياء" ٢/ ٣٤٨، و"تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٧٨، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٧١.
[ ١١ / ١٢٥ ]
أسند محمد عن أنس بن مالك، والحسن، وابن سيرين، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومُطرِّف بن الشِّخِّير، ومحمد بن المنكدر، وأبي بُرْدة، وعطاء، وطاوس، وعُبيد بن عمير، وغيرهم (^١).
وروى عنه حمَّاد بنُ سَلَمة، وهشام بن حسان، ومَعْمَر، وحمَّاد بنُ زيد في آخرين.
وقدم الشام زائرًا بيتَ المقدس.
وقال عبد الواحد بن زيد (^٢): خرجتُ مع محمد بن واسع إلى الشام ومعنا مالك بن دينار نؤمُّ بيت المقدس، فلما كنا بين الرُّصافة وحمص سَمِعْنا مناديًا ينادي من تلك الرِّمال: يا محفوظ، يا مستور، اعْقِلْ في ستر مَنْ أنت، فإن كنت لا تعقل؛ فاحذر الدنيا، وإنْ كنتَ لا تُحسنُ أن تحذرَها؛ فاجْعَلْها شوكةً، وانظر أين تضعُ قدمك منها.
وقال مالك: رأيتُ محمد بنَ واسع ومحمد بنَ سيرين في المنام وهما في الجنة، فقلت: فأين الحسن؟ قالا: عند سِدْرَةِ المُنْتَهى (^٣).
وقال وكيع: أريد محمد بنُ واسع على القضاء فامتنع، فقالت له زوجتُه: لك عيالٌ ونحن في ضائقة. فقال: ما دُمْتِ تَرَينِي أصبرُ على الخَلِّ والبَقْل فلا تطمعي في هذا منّي (^٤).
وقال القُشَيريُّ: قال بعضُهم: رأيتُ في المنام كأنَّ القيامةَ قد قامت، وإذا بقائلٍ يقول: أدخِلُوا محمد بنَ واسع ومالك بنَ دينار الجنة، فنظرتُ أيُّهما يُقدَّم، فتقدَّم محمد بنُ واسع، وتأخَّر مالك [بن دينار، ودخلا الجنة]. فقلت: ما السببُ؟ فقيل لي: إنّه كان لمحمد قميصٌ واحد، ولمالك قميصان (^٥).
_________________
(١) من قوله: والحسن وابن سيرين … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(٢) في (ص): حماد بن زيد، وهو خطأ. والخبر في "حلية الأولياء" ٦/ ١٥٦ (ترجمة عبد الواحد بن زيد)، و"تاريخ دمشق" ٦٥/ ١٤٤.
(٣) تاريخ دمشق ٦٥/ ١٨٢.
(٤) حلية الأولياء ٢/ ٣٥٣، وتاريخ دمشق ٦٥/ ١٥٩.
(٥) الرسالة القشيرية (بشرح الشيخ زكريا الأنصاري) ٣/ ٢٤٦. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
[ ١١ / ١٢٦ ]