ابن مروان، وكنيتُه أبو سعيد (^٣)، وقيل: أبو الأصبغ.
وكان شجاعًا جوادًا صاحب همَّة وعزيمة، وله غَزَوات كثيرة من أول ولاية أَبيه عبد الملك إلى هذه السنة. وقد ذكرنا منازلتَه القسطنطينية، وبلادَ الخُوارزم، واللَّان، والعراق، وغيرَها، و[قد] كان جديرًا بالخلافة، وإنَّما زَوَى بنو أمية عنه الأمر؛ لأنَّ أمَّه أمَةٌ، وما كانوا يرون إلَّا ولايةَ أولاد الحرائر، ويُسمُّون بني الإماء الهُجَناء.
وقال الأصمعيّ: سابقَ عبدُ الملك يومًا بين مَسْلَمة وسليمانَ ابنَيه، فسبق سليمانُ، فقال عبد الملك:
ألم أنهكُمْ أنْ تحملُوا هُجَناءكم … على خيلكم يومَ الرِّهان فتُدركوا
وما يستوي المرءانِ هذا ابنُ حُرَّةٍ … وهذا ابنُ أُخرى ظهرُها متشرِّكُ
وتَرْعَشُ عَضْدَاهُ ويضعفُ صوتُهُ (^٤) … وتَقْصُرُ رجلاه فلا يتحرَّكُ
وأدرَكْتَهُ خالاتُه فَنَزعْنَهُ … ألا إنَّ عِرْق السَّوْءِ لا بدَّ يُدْرِكُ (^٥)
فقال مسلمة: يَا أمير المُؤْمنين، ما هذا قال حاتم الطَّائيّ. قال: فما الذي قال: فأنشد مسلمة:
_________________
(١) في (ب) و(خ): المسجد. والمثبت من (د) وهو موافق لما في "صفة الصفوة" ٣/ ١١١.
(٢) المصدر السابق. ولم ترد هذه الترجمة في (ص).
(٣) في (ب) و(خ) و(د): بن مروان أبو شاكر وقيل: أبو سعيد … وهو خطأ، فأبو شاكر هو مسلمة بن هشام بن عبد الملك، والمثبت من (ص) وهو الصواب. وينظر "تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٥١ و١٩٠ (طبعة مجمع دمشق).
(٤) في "العقد الفريد" ٦/ ١٣٠: وتضعف عضداه ويقصُرُ سَوْطُهُ، وفي "التذكرة الحمدونية" ٧/ ١٨٣: فتضعف ساقاه وتفترُ كفُّه، وفي "معجم الشعراء" للمرزباني ص ٦٦: فيفتُر كفَّاه ويسقط سَوْطُهُ.
(٥) نُسبت الأبيات في "العقد" للأعور الشّنّي، وفي "التذكرة" لبعض بني عبس، ونسبه المرزباني لعمرو بن مُبْرد العبدي.
[ ١١ / ١٧٣ ]
وما أنكحونا طائعين بناتِهمْ … ولكن خطبناها بأسيافنا قَسْرَا
وكائِنْ ترى (^١) فينا من ابنِ سَبِيّةٍ … إذا لقيَ الأعداءَ يطعنُهم شَزْرَا
أغرُّ إذا اغبرَّ (^٢) اللثامُ كأنَّهُ … إذا ما سرى تحت الدُّجَى قمرًا بدرا (^٣)
فخجل عبدُ الملك.
وقيل: إنَّ بني أمية إنما امتنعوا من استخلاف أبناء أمَّهات الأولاد لا استهانة بهم (^٤)، وإنما كانوا يرون في الملاحم (^٥) أنَّ انتهاء ملكهم وزواله يكون على يد ابنِ أَمَة. وكذا كان، فإنَّ مروان بن محمَّد كانت أمُّهُ سَبِيَّة، سباها أبوه محمَّد من عسكر مصعب بن الزُّبير، وكان زوالُ ملكهم على يده، وإلا فما كان في بني عبد الملك أَسَدَّ رأيًا، ولا أتمَّ عقلًا، ولا أقوى قلبًا، ولا أشجع نفسًا، ولا أسخى كفًّا من مَسْلَمة، وإنَّما تركوه لما ذكرنا، وهو الأصحّ.
وقيل: إنَّه رام الخلافةَ فلم ينلها، ومَنَعتْه الأقدار.
وقال الزُّبير بن بكَّار: كان من رجالهم، ويلقَّب بالجَرَادة الصفراء. وله آثار في الحروب، ونكايات في التُّرك والروم والخَزَر واللَّان (^٦).
وذكره ابنُ سُميع في الطَّبقة الرابعة من أهل الشَّام (^٧).
وقال خليفة في سنة إحدى وتسعين (^٨): عزل الوليدُ بنُ عبد الملك محمدَ بنَ مروان عن الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وولَّاها مسلمةَ بنَ عبد الملك، ولم يزل يغزو الروم كلَّ عام
_________________
(١) أي: وكم ترى.
(٢) في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها): اغترَّ. والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
(٣) في النسخ المذكورة: قمر البدرا. والمثبت من "العقد الفريد" ٦/ ١٣١. والأبيات فيه بنحوها، وهي برواية أخرى أَيضًا في "التذكرة الحمدونية" ٧/ ١٨٣ - ١٨٤ (ونُسبت فيه لمسكين الدَّارميّ). وهذا الخبر (قول الأصمعيّ) لم يرد في (ص).
(٤) في (ص): للاستهانة بهم. وهو تحريف.
(٥) قوله: في الملاحم، ليس في (ص).
(٦) بنحوه في "تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٥٢ (طبعة مجمع دمشق) عن الزُّبير بن بكّار.
(٧) المصدر السابق ٦٧/ ١٥٣ عن ابن سُميع.
(٨) تاريخ خليفة ص ٣٠٣.
[ ١١ / ١٧٤ ]
من سنة ستٍّ وثمانين، إلى سنة ثمانٍ وتسعين؛ اثنتي عشرة سنة؛ ما فيها عام إلَّا ويفتح فيه حصونًا، أو يهزم فيه جيوشًا (^١)، وافتتح مدينة الصقالبة، ولقيَ خاقان، فهزمه (^٢).
وحجَّ بالنَّاس سنة أربع وتسعين، وغزا قَيسارَّية سنة ثمان ومئة (^٣)، وحجَ بالنَّاس أَيضًا سنة تسع عشرة ومئة (^٤)، وأخربَ ما بين الخليج والقسطنطينية في البرّ والبحر، وحصرها في سنة ثمان وتسعين، أغزاه إياها أخوه سليمان في البرّ والبحر (^٥)، وكان طامعًا في فتحها، لما رُويَ أن النبيَّ ﷺ قال: "لَتُفْتَحَنَّ القُسطَنْطينيَّة، ولَنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ولَنِعْمَ الجيشُ جيشُها" (^٦).
و[قال خليفة أَيضًا] (^٧) في سنة إحدى ومئة: جمع له يزيد بن عبد الملك إمرة العراقين، وولَّاه محاربة يزيد بن المهلب.
وفي سنة سبع ومئة ولّاه هشام [بن عبد الملك] أرمينية وأذَرْبيجان (^٨).
قال [أبو القاسم] ابن عساكر (^٩): وكانت داره بدمشق عند باب الجامع القِبليّ.
وقال هشام: جرى بين الوليد بن عبد الملك وأخيه مَسْلَمة شيءٌ، فدخل عليه، فاسترضاه، فلما قام مَسْلَمة ليخرج قال الوليد: خُذوا السمع كلَّه بين يدي أبي سعيد.
فقال مَسْلَمة: واللهِ يَا أمير المُؤْمنين، لا أمشي إلَّا في ضوء رضاك عنِّي. فأُعجب الوليد، ورضي عنه (^١٠).
_________________
(١) في (ص): ويُفتح فيه حصون أو جُهزم فيه جيوش.
(٢) ينظر "تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٥٣ - ١٥٦ (طبعة مجمع دمشق).
(٣) المصدر السابق ٦٧/ ١٥٦.
(٤) قوله: وحجَّ بالنَّاس أَيضًا سنة تسع عشرة ومئة، ليس في (ص). وهو في "تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٦١.
(٥) ينظر "تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٥٦ و١٥٨. وقوله: وحصرها في سنة … إلخ، ليس في (ص).
(٦) أخرجه أَحْمد في "المسند" (١٨٩٥٧) من حديث بشر الخثعمي، وذكر محقِّقُوه أن إسناده ضعيف لجهالة أحد رواته.
(٧) في "تاريخه" ص ٣٢٥، وذكره عنه ابن عساكر ٦٧/ ١٦١.
(٨) تاريخ خليفة ص ٣٣٧، وتاريخ دمشق ٦٧/ ١٦١.
(٩) في "تاريخه" ٦٧/ ١٥١. والكلام السالف بين حاصرتين من (ص).
(١٠) بنحوه في المصدر السابق ٦٧/ ١٦٤.
[ ١١ / ١٧٥ ]
وقال الواقديّ: أوصى مَسْلَمَةُ بثلث ماله لأهل الأدب، وقال: إنها صناعة مهجورة، مجفوٌّ أهلُها (^١).
ويقال: إنه مات في سنة إحدى وعشرين ومئة.
ورثاه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال:
فليتك لم تَمُتْ وفَدَاكَ قومٌ … تراخى بينهم عنا (^٢) الدِّيارُ
سقيمُ الصدرِ أو عَسِرٌ (^٣) نكيدٌ … وآخَرُ لا يزورُ ولا يُزارُ
عنى بالأوَّل يزيدَ بنَ الوليد، وبالثاني هشام بنَ عبد الملك، وبالثالث مروان بنَ محمَّد. وقد رثاه الكُمَيت الشاعرُ -والأبياتُ في الحماسة- فقال:
فما غابَ عن حِلْمٍ ولا شَهِدَ الخَنَا … ولا استعذبَ العوراءَ يومًا فقالها
ويبتذلُ النفسَ المصونَةَ نفسَهُ (^٤) … إذا ما رأى حقًّا عليه ابتذالها
من أبيات (^٥).
وكان لمسلمة أولاد وعقب، منهم محمَّد بن يزيد بن مَسْلَمة الأُموي، عاشَ إلى زمن المأمون، ومَدَحَ الحسنَ بنَ وَهْب متولِّي الخَراج لعبد الله بن طاهر بدمشق، فقال:
يسقي رياضًا من المعروف حاليةً … فهُنَّ للمجدِ مصطافٌ ومُرْتَبَعُ
حيث المكارمُ معمورٌ مساكنُها … بآلِ وَهْبٍ وشَمْلُ المجدِ مجتمِعُ
كانت عَوارِيَ حتَّى حلَّها حسنٌ … فأصْبَحَتْ ولها من جُودِهِ خِلَعُ (^٦)
أسندَ مسلمةُ عن عمر بن عبد العزيز ﵁، وروى عنه عُيينة والد سفيان (^٧).
_________________
(١) بنحوه في "تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٦٨ من طريق آخر.
(٢) في "تاريخ دمشق" ٦٧/ ١٦٩: عنها. وفي "الأغاني" ٧/ ٧: تُريحُ غبيَّهم عنَّا.
(٣) في "الأغاني": شَكِسٌ، وفي "تاريخ دمشق": شَرَفٌ.
(٤) منصوبة على البدل من "النفس". قاله المرزوقي في "شرح الحماسة" ٤/ ١٧٩٤.
(٥) المصدر السابق ٤/ ١٧٩٣ - ١٧٩٤.
(٦) تاريخ دمشق ٦٥/ ٣٠١ (طبعة مجمع دمشق- ترجمة محمَّد بن يزيد الأُموي).
(٧) تاريخ دمشق ٦٧/ ١٥١ (طبعة مجمع دمشق). ومن قوله: وقال هشام: جرى بين الوليد بن عبد الملك … إلى هذا الموضع (دون الأبيات الثلاثة الأخيرة) جاء في (ص) بعد الفقرة الآتية بعدها.
[ ١١ / ١٧٦ ]
ذكر واقعة جرت لمسلمة في بلاد الروم:
حكى القاضي التنوخي عن رجل من أهل الكوفة قال (^١): كنَّا في غَزاة مع مَسْلَمةَ بن عبد الملك في بلاد الروم، فسبى سَبْيًا كثيرًا، فأحضروا شيخًا كبيرًا، فأمر بقتله، فقال له: ما حاجتُك إلى قتلي (^٢) وأنا شيخٌ كبير، إن تركتَني أتيتُك بأسيرَينِ شابَّين مسلمين. قال: ومن لي بذاك؟ قال: إنِّي إذا وعدتُ وفَيتُ. قال: لستُ أثقُ بك. قال: فدعني [حتى] أطوف [في] عسكرك لعلّي أجدُ من يكفلني إلى أن أعود. قال: اذهبْ. ووكَّل به من يطوفُ معه.
فجعل يتصفَّح الوجوه حتَّى مرَّ بفتًى من بني كلاب قائمًا يَحُسُّ فرسَه، فقصَّ عليه القصة، فجاء معه إلى مسلمة وكَفِلَه، وأطلقَ الشَّيخ.
فلما مضى قال له مسلمة: أتعرفُه؟ قال: لا واللهِ. قال: فكيف ضمنتَه؟ قال: رأيتُه يتصفَّح الوجوه، فاختارَني من بينهم، فكرهتُ أن أُخلفَ ظنَّه.
فلما كان من الغد؛ حضر الشيخُ ومعه شابَّانِ أسيرانِ، فدفَعَهما إلى مسلمة وقال: إن رأى الأميرُ أن يأذنَ لهذا الشابّ بالمصير معي إلى حصني لأكافئه. فقال مسلمة للشابّ: إن شئتَ فامضِ معه.
فمضى معه، فلما صار في حصنه قال له [الشيخ]: يَا فتى، علمتُ أنك ابني. قال: كيف أكونُ ابنَك، وأنا رجلٌ مسلم من العرب، وأنت شيخ نصرانيّ من الروم؟! قال: فأخبِرْني؛ هل أمُّك روميَّةٌ سُبِيَتْ؟ قال: نعم. قال: فإنْ وصفتُها تصدِّقُني؟ قال: نعم. فشرع الروميُّ يصفُها، فقال: هي واللهِ كذلك، فكيف عرفتَ أنّي ابنُها؟! قال: بالشَّبَهِ، وتعارفِ الأرواح، وصِدْقِ الفِراسة.
_________________
(١) في "الفرج بعد الشدة" ٢/ ٢٩ - ٣١. وهو أَيضًا في "التذكرة الحمدونية" ٩/ ٢٧٥ - ٢٧٧، و"المنتظم" ٩/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٢) في (ص): إلى قتل مثلي.
[ ١١ / ١٧٧ ]
ثم أخرج إليه امرأةً لم يشكَّ أنها أمّه، وخرجَتْ معها عجوزٌ كأنها هي. فقال الشيخ: هذه جَدَّتُك، وهذه ابنتُها خالتُك. فأقبلا يُقبِّلانِ رأس الفتى ويبكيان، ثم دعا بشبابٍ في الصحراء، فقال: هؤلاء أخوانُك وبنو خالاتك.
ثم أخرجَ حُليًّا كثيرًا، وثيابًا فاخرة، وقال: هذا عندنا منذ سُبيتْ أمُّك، فخُذْهُ معك، وادْفَعْهُ إليها، وأَقْرِئْها عنّا السلامَ.
وبكى الشيخ، وبكَوْا معه، ثم أعطاه لنفسه مالًا كثيرًا وثيابًا وحُلِيًّا، وحملَه على عدَّة دوابَّ، وألحقَه بعسكر المسلمين.
فأخْبِرَ مسلمةُ الخَبر، فجعلَ يتعجَّب، فلما قدم الفتى على أمِّهِ، أخرجَ لها شيئًا فشيئًا وهي تعرفُه وتبكي وتقول: باللهِ (^١) فتحتُم الحصن الفلانيّ، وقتلتُم شيخًا من صفته كذا وكذا، وهو واللهِ أبي، ولي أمٌّ عجوز، وأختٌ وإخوة. وأكثرتِ البكاء، فقال لها: لا بأس عليكِ. وحدَّثَها الحديث، ودفعَ إليها ما بعثَه الشيخ [معه إليها] (^٢).