من بني تميم، واسمُ جدِّه الأهتم عبدُ الله بن سنان بن سُمَيّ (^٢) بن سِنان بن مِنْقَر، وإنما لُقِّب بالأهتم لأن قيس بن عاصم (^٣) ضربَه بقوس، فهتمَ فاه (^٤).
وكان صفوان رئيس بني تميم، وكان خطيبًا، وأوصى عند وفاته بمئة وعشرين ألف درهم، وحضره الحسن البصري فقال (^٥): ما هذه؟ فقال صفوان: أعددتُها لعضِّ الزمان، وجفوةِ السلطان، وإعراض الإخوان. فقال الحسن: خلَّفْتَها لمن لا يحمدك، وتَقْدَمُ على من لا يعذُرُك.
وكان خالد من فصحاء العرب، وكان شحيحًا، طلب منه رجلٌ شيئًا، فأعطاه درهمًا، فقال: أما تستحيي تُعطيني درهمًا؟! فقال خالد: يا أحمق، الدرهمُ عُشْرُ العَشَرة، والعَشَرةُ عُشْرُ المئة، والمئة عُشْرُ الألف، والألف عُشْر العَشَرَة آلاف (^٦).
_________________
(١) ينظر الخبر مطولًا في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٦٤ (مصورة دار البشير)، و"المنتظم" ٧/ ٢١٥ - ٢١٨، وهو بنحوه في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٥٣ - ٣٥٦. وينظر خبر الخَوَرْنق في "التوّابين" ص ٦٤ - ٦٧.
(٢) كذا في (ب) و(خ) و(د) (والكلام منها). وإنما اسمُ الأهتم سنانُ بن سُمَيّ … إلخ، وهو جدُّه الأعلى، فخالد هو ابنُ صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم. ينظر "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٤٣، و"تاريخ دمشق" ٥/ ٤٦٣.
(٣) بعدها في (د) كلمة غير واضحة، ولعلها: المنقري.
(٤) أي: كسر أسنانه.
(٥) في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٤٤: فقال قائل لصفوان.
(٦) بعدها في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٧٥: ألا ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دِيَةِ المسلم، واللهِ ما تطيبُ نفسي بدرهم أُنفقُه إلَّا درهمًا قرعتُ به باب الجنة، أو درهمًا أشتري به موزًا فآكله. والخبر أيضًا في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٥٦ دون هذه الزيادة، وفيه: والألف عُشر دية المسلم، بدل قوله: والألف عُشر العشرة آلاف.
[ ١١ / ١٤٠ ]
وقال خالد بنُ صفوان لعمرو بن عبيد: لِمَ لا تأخذُ مني؟ فقال: ما أخذَ أحدٌ من أحدٍ شيئًا إلَّا ذلَّ له، وأنا أكرهُ أن أَذِلَّ لك (^١).
وتفاخرَ الأبرش الكلبيّ وخالد بين يدي هشام بن عبد الملك، فقال الأبرش: لنا رُبْع البيت -يريد الرُّكنَ اليمانيّ- ومنَّا حاتم الطائيّ، والمُهَلَّبُ بنُ أبي صُفْرة. فقال خالد: منَّا النبيُّ المُرسل، ولنا الكتابُ المُنزل، ولنا الخليفةُ المؤمَّل. فقال الأبرش: لا فاخرتُ مُضَريًّا بعد اليوم (^٢).
ووفد على هشام قومٌ من اليمن من كلب، ففخروا بقومهم، فأكثروا، فقال هشام لخالد (^٣): أَجِبْهُم. فقال: يا أمير المؤمنين، هم بين حائكِ بُرْد، ودابغ جِلْد، وسائسِ قِرْد، ملكَتْهُم امرأةٌ، ودَلَّ عليهم هُدْهُد، وأغرقَتْهم فأرة. فلم تقم بعدها ليمانيّ قائمة.
وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] فقال: كان - واللهِ - عيسى ﵇ سريًّا. فقال له خالد: يا أبا سعيد، إنَّ العرب تسمي الجدولَ: السَّرِيَّ. فقال له الحسن: صدقتَ (^٤).
وكان أمية بنُ عبد الله بن أَسِيد عاملَ عبد الملك على البصرة، وكان يحارب أبا فُديك الخارجي، فهزمه (^٥)، فدخل البصرة، فقال الناسُ: كيف ندعو لمنهزم؟! فقام خالد بن صفوان فقال: بارك الله لك أيُّها الأمير في قدومك، والحمد لله الذي نظر لنا [عليك] ولم ينظر لك (^٦) [علينا] فقد تعرَّضْتَ للشهادة جُهْدَك، لكن علمَ اللهُ حاجتَنا إليك، فآثَرَنا بك، ولك عند الله ما تحبُّ.
_________________
(١) تاريخ دمشق ٥/ ٤٧٦ (مصورة دار البشير).
(٢) العقد الفريد ٣/ ٣٣٠ و٤/ ٤٦، وبنحوه مختصر في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٥٩ في المفاخرة على باب الحجاج.
(٣) كذا في "الأذكياء" ص ١٥٨. وفي رواية "عيون الأخبار" ١/ ٢١٧: فَخَرَ ناسٌ من بني الحارث بن كعب عند أبي العباس، فقال أبو العباس لخالد … وكذا هو في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٦٧، والخبر فيه بنحوه.
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٢٠٦ - ٢٠٧، وتاريخ دمشق ٥/ ٤٩٦.
(٥) يعني هزَمَه أبو فُديك.
(٦) في (ب) و(خ) و(د): لنا، بدل: لك. والمثبت من "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٦٩، وما بين حاصرتين منه، وهو بنحوه في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٥٦ - ٣٥٧.
[ ١١ / ١٤١ ]
وقال خالد: أحسنُ الكلام ما لم يكن بالبدويِّ المُغْرب، ولا بالقرويِّ المُخْدَج، ولكن ما شَرُفَتْ مبانيه، وظَرُفَتْ معانيه، ولذَّ على أفواه القائلين، وحَسُنَ في آذان المستمعين، وازداد حُسنًا على ممرِّ السنين (^١).
وقيل لخالد: أيُّ الإخوان أحبُّ إليك؟ فقال: مَنْ سدَّ خَلَلي، وغَفَرَ زَلَلي، وقَبِلَ عِللي، وحقَّق أملي (^٢).
وقال: من تزوَّج امرأة فليتزوَّجْ عزيزةً في قومها، ذليلةً في نفسها، أدَّبَها الغنى، وأذلَّها الفقر (^٣).
ودخل خالد الحمَّام، وفيه رجل معه ابنُه، فأراد أن يُعرِّف خالدًا ما عنده من البيان والفصاحة، فقال: يابنيّ، ابدأ بيداك ورجلاك. ثم التفتَ إلى خالد وقال: يا خالد، هذا كلامٌ قد ذهبَ أهلُه. فقال خالد: هذا كلامٌ ما خلق اللهُ له أهلًا قطُّ (^٤).
وقال: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها من غير أهلِها، ولا تطلبوا ما لستُم له بأهل، فتكونوا للمَنْع أهلًا (^٥).
وقال: لا تطلبُوا ما لا تستحقُّون، فإنَّ مَنْ طلبَ ما لا يستحقُّ؛ استوجبَ الحرمان (^٦).
وقال: فَوْتُ الحاجة خيرٌ من طلبها من غير أهلها، وأشدُّ من المصيبة سوءُ الخَلَف منها (^٧).
وقيل له: إن أقوامًا قد أصابوا أموالًا، فتكلَّموا وعَلَوْا، فقال:
قَدَ انْطَقَتِ الدراهمُ بعد عِيٍّ … أُناسًا طالما كانوا سُكوتا
_________________
(١) أنساب الأشراف ١١/ ٣٧١، وتاريخ دمشق ٥/ ٤٦٩.
(٢) بنحوه في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٧٠ و٤٧١. وقوله: وحقَّق أملي، من (د).
(٣) تاريخ دمشق ٥/ ٤٧١، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٤٩.
(٤) تاريخ دمشق ٥/ ٤٧١.
(٥) تاريخ دمشق ٥/ ٤٧٥، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ١١/ ٣٦٠.
(٦) المصدران السابقان.
(٧) أنساب الأشراف ١١/ ٣٦٣، وبنحوه في "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٧٦.
[ ١١ / ١٤٢ ]
فما عادُوا على جارٍ بخيرٍ … ولا رفعو المَكْرُمَةٍ بيوتا
كذاك المالُ يستُرُ (^١) كلَّ عَيبٍ … ويتركُ كلَّ ذي حَسَبٍ صُمُوتا (^٢)
وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بنُ هشام المخزوميُّ وهو على ولاية مكَّة والمدينة والطائف.
وكان العاملَ على العراق يوسفُ بنُ عمر، وعلى قضاء الكوفة ابنُ شُبرمة، وعلى قضاء البصرة عامر بنُ عبيدة، وعلى خُراسان والمشرق نَصْرُ بن سيَّار (^٣).
وفيها توفي