وهو أبو محمّد الحسن بن يوسف المستنجد بأمر الله، وأُمُّه أُمُّ ولد تدعى غضة أرمنية.
ولد في شعبان سنة ستٍّ وثلاثين وخمس مئة، ولم يلِ الخلافةَ مَنْ اسمه الحسن وكنيته أبو محمد غيرَ الحسن بن علي ﵇ والمستضيء.
بويع بالخلافة يوم الأحد تاسع ربيع الآخر، وأَطْلَقَ الأموال للأمراء والعلويين والهاشميين والقُضَاة والعلماء وجميعِ الناس، وردَّ المظالم، وأسقط المكوس، وولى أمر الجند والممالك قُطْبَ الدِّين قيماز مملوك المستنجد، ولقبه ملك العرب والعجم، واستوزر ابن رئيس الرؤساء، وكان الوزير ابن البلدي قد قُتل يوم مات المستنجد، ولما ولَّى ابنَ رئيس الرؤساء الوزارة خَلَعَ عليه، ومشى بين يديه قُطْبُ الدِّين وأربابُ الدولة، ولم يتخلف أحد، وجلس في الديوان، ومدحه الشُّعراء، فقال ابنُ التعاويذي: [من الكامل]
الدَّسْتُ من لألاء وَجْهك مشرقُ … وعلى الوزارة من جلالك رَوْنَقُ
رُدَّتْ إليك وأصلُها بك ثابِتٌ … عالي البناء وفَرْعُها بك مُوْرِقُ
أنتم وإن رَغَمَ (^١) العِدَى وُرَّاثُها … قِدْمًا وغيرُكُمُ الدَّعيُّ المُلْحَقُ
لكُمُ استقادَ على الإباء شَمُوسُها … وبكُمْ تَجَمَّع شَمْلُها المتفرِّقُ (^٢)
وأنشد الحيص بيص: [من الوافر]
أقول وقد تولَّى الأمرَ حَبْرٌ … وليٌّ لم يَزَلْ بَرًّا تقيّا
وقد كُشِفَ الظَّلامُ بمستضيءٍ … غدا بالخَلْقِ كلِّهُمُ حَفِيّا
بلغنا فوقَ ما كُنَّا نرجِّي … هنيئًا يا بني الدُّنيا هَنِيّا
سأَلْنا الله يَرْزُقُنا إمامًا … نُسَرُّ به فأعطانا نبيًّا (^٣)
_________________
(١) رغم: كره: "اللسان" (رغم).
(٢) انظر القصيدة في "ديوان سبط ابن التعاويذي": ٢٩٦ - ٢٩٨.
(٣) الأبيات في ديوانه ٣/ ٢٧٩، وقد أوردها العماد الكاتب في "الخريدة"، قسم شعراء العراق: ٢/ ٣٣٠. قال إبراهيم، عفا الله عنه: والبيت الأخير فيه الغلو المفضي إلى الكفر والعياذُ بالله، مما يقدح بالمادح والممدوح على السواء، المادح بقوله والممدوح بقبوله، نسأل الله السلامة.
[ ٢١ / ١٦٤ ]
وقال عبد الرَّحمن بن محمّد بن عبد السّميع الواسطي الهاشمي: رأيت في المنام ليلة مات المستنجد قائلًا يقول: [من البسيط]
ماتَ الخليفةُ واستولى على النَّاسِ … ابنٌ له طاهرٌ من نَسْلِ عَبَّاس
فارحلْ إلى بابه واضرعْ إليه تَجدْ … من جُوده دافعًا للضُّرِّ والباسِ
والظُّلْمُ والجَوْرُ قد حُصَّتْ قوادِمُهُ … مع الخوافي وخافَ القَطْعَ بالرَّاسِ
مَنْ يَفْعلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جوازيه … لا يذْهَبُ العُرْفُ بين اللهِ والنَّاسِ (^١)
وولَّى المخزن ظهير الدِّين بن العَطَّار، وولَّى ابنَ البخاري الدِّيوان، وولَّى ابن الشَّاشي تدريس النِّظامية، وولَّى الأمير السيد العلوي التدريس بجامع السُّلْطان ببغداد.
وفيها بعث الخليفةُ رسولًا إلى نور الدين يعرِّفه بخلافته، ويطلب البيعةَ له، فقال له العماد الكاتب: [من الكامل]
هل عائدٌ زمنَ الوصالِ المنقضي … أم عائِدٌ لي في الصَّبابة ممرضي
لا أشتكي إلا الغرام فإنَّه بَلْوى … عليَّ من السَّماء بها قُضي
يا لاح حالي في الهوى مشهورةٌ … حاولتَ تسليتي وأنتَ محرِّضي
أنفقتُ ذُخْرَ الصَّبْرِ من كَلَفي فهل … من واهبٍ للصَّبْرِ أو من مُقْرضِ
لهفي على زمنِ الشَّباب فإنني … بسوى التأسُّفِ عنه لم أتعوَّضِ
نُقِضَتْ عهودُ الغانياتِ وإنها … لولا انقضاءُ شبيبتي لم تنقضِ
يا حُسْن أيَّام الصِّبا وكأنَّها أيامُ … مولانا الإمامِ المستضي
ذي البهجةِ الغَرَّاء يُشْرِقُ نورُها … والطَّلْعة الزَّهْراءِ والوجْه المضي
قَسَمَ السَّعادةَ والشَّقاوة ربُّنا … في الخَلْقِ بين مُحِبِّهِ والمُبْغِضِ
فَضَلَ الخلائفَ والخلائقَ بالتُّقى … والفَضْلِ والإفضالِ والخُلُقِ الرَّضي
فانْعَمْ أميرَ المؤمنين بدَوْلةٍ … ما تنتهي وسعادةٍ ما تنقضي (^٢)
فبعث نور الدين إلى الخليفة شرف الدين ابن أبي عصرون نائبًا عنه في الخِدْمة.
_________________
(١) هذا بيت مشهور للحطيئة، وقد ضمنه أبياته، انظر "ديوانه": ص ٥١.
(٢) انظر بعض الأبيات في "خريدة القصر" قسم شعراء العراق: ٢/ ١٧ - ١٨، و"كتاب الروضتين": ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٢١ / ١٦٥ ]
وفيها بنى صلاحُ الدِّين بالقاهرة مدرسةً للشَّافعية، وكان موضعُها حبسَ المعونة، وبنى بها أيضًا مدرسة للمالكية تعرف بدار الغزل، وولَّى صدر الدين عبد الملك بن دِرْباس الكُرْدي القضاء بالقاهرة ومِصْر وأعمالها.
وفي جُمادى الأُولى خرج صلاح الدين بالعساكر إلى الشَّام، فأغار على غَزَّة وعسقلان والرَّمْلة، ومضى إلى أَيلة وكان بها قلعة فيها جماعة من الفرنج، والتقاه الأُسطول في البحر، فافتتحها، وقَتَلَ مَنْ فيها، وشحنها بالرِّجال والعُدَد، وكان على الحجازِ منها خَطَرٌ عظيم، ثم عاد إلى القاهرة في جُمادى الآخرة.
وفي شعبان اشترى تقيُّ الدِّين عمر بن شاهنشاه منازل العِزّ بمصر، وعملها مدرسةً للشافعية، ووقفَ عليها حمام الذهب والرَّوضة وغيرهما.
وفيها توفي