ملك النُّحاة، مولى حسين بن الأُرموي التَّاجر البغدادي.
ولد [ببغداد] (٣) سنة تسع وثمانين وأربع مئة، وقرأ النحو [على أبي الحسن الاستراباذي الفَصيحي، وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، وقرأ] (٣) أصول الفِقْه والخلاف والمذهب والحديث، وبَرَعَ في النحو، وفاق أهلَ زمانه، وفُتح له جامع الخليفة، فدرَّس فيه النحو، ثم سافر إلى خراسان وكَرْمان وغَزْنة، وصنَّف الكتب في فنون العلوم، ثم دخل الشَّام، واستوطن دمشق، وله ديوان شعر [مليح] (^٣) ومدائح في النبيِّ ﷺ، فمنها: [من المنسرح]
يا خاتم الأنبياءِ قاطبةً … أتاك لفظُ الثَّناءِ يَسْتَبِقُ
كنتَ نبيًّا وطينُ آدمَ مَجْـ … ـــبولٌ وتلك الأنوارُ تأتلِقُ
وعدتَ فينا تهدي إلى سُبُلِ الـ … ـــحقِّ فقد أُوضحتْ بكَ الطُّرُقُ
وقد وصفه العماد الكاتب (^٤) بالكريم، فقال: كان يضمُّ من الذَّهب يده على المئة والمئتين، ويُمْسي وهو منها صِفْرُ اليدين، وكان يصنعُ الحلاواتِ ويُهديها إلى جيرانه وأصحابه وخُلَّانه، [قال] (٣): ووصل إلى أصبهان في سنة إحدى وأربعين [وخمس مئة] (٣)، وعاد إلى دمشق، فعاش تحت ظلِّ نور الدين [محمود] (٣) إلى أن مات.
_________________
(١) في (م): "تاج الإِسلام".
(٢) له ترجمة في "تاريخ ابن عساكر": (خ) س: ٤/ ٤٣٧ - ٤٤٠، "خريدة القصر"، قسم شعراء العراق: مج ١ / ج ٣/ ٨٩ - ١٣٧، و"معجم الأدباء": ٨/ ١٢٢، و"إنباه الرواة": ١/ ٣٠٥ - ٣١٠، "وفيات الأعيان": ٢/ ٩٢ - ٩٤، "إشارة التعيين": ص ٩١ - ٩٢، "العبر" للذهبي ٤/ ٢٠٤، "الوافي بالوفيات": ١٢/ ٥٦، "طبقات الشافعية" للسبكي: ٧/ ٦٣ - ٦٤، "شذرات الذهب": ٤/ ٢٢٧.
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في (م) و(ش): وذكره الحافظ ابن عساكر، ووصفه بالكرم فقال: كان يضم من الذهب يده على المئة والمئتين ويمسي وهو منها صفر اليدين.
[ ٢١ / ١٨٨ ]
ومن شعره يشكو من دمشق: [من الكامل]
لأُرَحِّلَنَّ مطيَّتي عن بلدةٍ … شعثاءَ يُكرَهُ ماؤها وهواؤها
ولأزجُرَنَّ العِيسَ عنها مُعْرِضًا … إنْ أدركتني (^١) دولةٌ ولواؤها
فإلامَ أُغضي في دمشق على القذى … والأرضُ نازحةٌ بها أرجاؤها
أَأُضامُ والأملاكُ ترجو أَنْ ترى … شخصي ولي في العالمين ولاؤها
إنْ لم أَثُرْ أَنَفًا فلا أجْرَتْ يدي … قلمًا، به يُرْوي المعاليَ ماؤها (^٢)
وبلغ ابنَ منير أنَّه كتب إلى بعضِ القضاة: المجلس القاضوي، فقال يهجوه: [من المتقارب]
أيا ملك النَّحو والحاءُ من … تهجِّيه من تحتُ قد أعجموها
أتانا قياسُكَ هذا الَّذي … يُعَجِّمُ أشياءَ قد أفسدوها
ولما تَصَفْعَنْتَ في القاضوي … غدا وَجْه جَهْلِك فيه وجُوها
وقالوا قفا الشيخ إن الملوك … إذا دخلوا قريةً أفسدوها (^٣)
فأجابَه: [من المتقارب]
أيا ابنَ منيرٍ حسِبْتَ الهجا … ءَ رتبةَ فخرٍ فبالغتَ فيها
جمعتَ قوافيَ من ذا وذا … وأصبحتَ منتحِلًا تدَّعيها
وقالوا قفا الشيخ إنَّ الملوك … إذا أخطأتْ سوقةٌ أدَّبوها (^٤)
وله مقاماتٌ من جنس مقامات الحريري، هَزْلٌ وكذب، وله كتاب أربع مئة كرَّاسة سماه "التذكرة السفرية" وكان قد تزوَّج ببغداد امرأة بذيئة اللِّسان، فكانت تسفه عليه، [فقالت له يومًا: أنا امرأتك، زوج مَنْ أنتَ؟] (^٥).
وكان يغشى وزيرَ الخليفة، فمدحه في بعض اللَّيالي بقصيدة فأمر له بجائزة سنية، وخِلْعة، فقال: ما أُريدها، فقال الوزير: وما الَّذي تريد؟ قال: لي امرأةٌ سفيهة، وقد فضحتني عند
_________________
(١) في "الخريدة": "إن أقدرتني".
(٢) الأبيات في "الخريدة": ١٢٤ - ١٢٥.
(٣) إشارة إلى سورة النمل، الآية: ٣٤.
(٤) "الخريدة": مج ١ / ج ٣/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٥) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٨٩ ]
الجيران بطول لسانها، وأُريد أن لا يبقى في هذا المجلس شمعة إلا وتحمل بين يدي إلى داري لعلَّها تكفُّ لسانها عني. فقال [الوزير] (^١): الخِلْعة والبغلة والشَّمْع لك، فخرج وعليه الخِلْعة وتحته البغلة والشموعُ بين يديه، فلمَّا قَرُبَ من داره أمر غِلْمان الوزير، فصاحوا بين يديه. فأطلع الجيران من الزَّوازن والسُّطوح وامرأته في الجُمْلة، فبهتت، وكفَّتْ عنه [لسانها] (١) بعد ذلك. [وقال الحافظ ابن عساكر: مات ملك النحاة بدمشق في شوال] (^٢)، ودُفن بالباب الصَّغير، وكان صحيحَ الاعتقاد، كريمَ النَّفْس، وجاوز ثمانين سنة (^٣).
[قال العماد] (١): ورآه بعض [الصَّالحين من] (١) أصحابه في المنام فقال [له] (١): ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بأبياتٍ قلتُها [في أيام الدنيا. قلتُ: وما هي؟ فأنشدني] (١): [من المنسرح]
يا ربِّ ها قد أتيتُ معترفًا … بما جَنَتْه يداي من زَلَلِ
ملآنَ كفٍّ بكلِّ مأثمةٍ … صِفْرَ يدٍ من محاسن العمل
فكيف أخشى نارًا مسعَّرةً … وأنت يا ربّ في القيامة لي
[قال] (١): فوالله منذ فَرَغْتُ من إنشادها ما سمعتُ حسيسَ النَّار (^٤).