فيها خَتَنَ الخليفةُ أولاده، فيقال: إنَّه ذبَحَ ألف رأس من الغنم وخمس مئة بقرة وخمسة آلاف دجاجة، وعمل ألف صحن حلوى، وعشرين ألف قطعة خُشْكنانك (^٢)، وخَلَعَ على جميع أربابِ الدَّولة والقضاة والعدول، والعلماء، والصُّوفية وغيرهم.
وفيها بعث صلاحُ الدِّين إلى نور الدين هدية فيها فيل وحمار عتَّابي، فبعث بها نور الدين إلى بغداد، وخرج النَّاس لتلقيها، وتعجبوا (^٣) من خِلْقة الحمار.
[وكان بمحلة العَتَّابيين رجلٌ نحوي، قاصر في كل شيء، قد تعلَّق بطرف من النحو، وكان يدعي دعاوى عظيمة، فخرج مع الناس يتفرج، ورآه بعض الظراف: فقال: يا
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) نوع من الفطير المصنوع من الزبد والسكر والجوز أو الفستق ويكون على هيئة الهلال، انظر "المعرب": ١٣٤، ودوزي: ١/ ٣٧٣.
(٣) في (م): وعجبوا.
[ ٢١ / ١٨٤ ]
قوم، ليس العجب أن يحمل الفتى حمارٌ عتابي، عندنا عتابي حمار (^١). فضحك الناس] (^٢).
وفيها سار نورُ الدِّين إلى المَوْصل، وصلَّى في الجامع الَّذي بناه وسط البلد، وتصدَّقَ بمالٍ عظيم، ولما علم صلاح الدِّين أَنَّ نورَ الدين [قد] (٢) توجَّه إلى المَوْصل خرج بعساكر مصر إلى الشَّام، فحصر الكَرَك والشَّوْبك، ونهب أعمالها، وكان جماعة من العرب نازلين بأرض الكَرَك ينقلون الأخبار إلى الفرنج، وإذا غاروا على البلاد دلُّوهم على المسلمين، فنهبهم صلاحُ الدين، وقتل البعض، وأجلى من بقي منهم عن أرض الكرك، وكتب إلى نور الدين كتابًا من إنشاء الفاضل: سببُ إصدار هذه الخِدْمة إلى حضرة مولانا الملك العادل أعزَّ الله سُلْطانه، ومكَّن بالنَّصر إمكانه، وشيَّد بالتأييد مكانه، ونَصَرَ أنصاره، وأعان أعوانه، عَلِمَ المملوك بما يؤثرُه المولى من قَصْدِ الكُفَّار بما يَقُصُّ به أجنحتهم، ويحصُّ (^٣) به أسلحتهم، ويقطع موادَّهم، ويخرِّبُ بلادهم، ومن أكبر الأسباب المعينة لهم على ما يراد منهم أن لا يبقى في بلادهم أحد من العُرْبان، وأن ينتقلوا من ذُلِّ الكُفْر إلى عِزِّ الإيمان، ومما اجتهد فيه غاية الاجتهاد، وعَدَّه من أسباب الجهاد ترحيل كثير من أنفارهم، والحرص على تبديل ديارهم بحيث إنَّ العدوَّ إذا نَهَضَ اليوم لا يجد بين يديه دليلًا، ولا يستطيع حيلة، ولا يهتدي إليه سبيلًا، [وهو "كتاب طويل"] (٢).
ثم عاد صلاح الدِّين إلى مِصْر.
وقيل: هي أوَّل غَزَاةٍ غزاها.
[وذكر القاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي، ويعرف بابن شداد قاضي حلب ﵀ في سيرة صلاح الدين، وقال: إنما بدأ صلاح الدين بالكرك والشوبك لأنهما في طريق الديار المصرية، وكانوا يغارون على القوافل منها، فقصد
_________________
(١) نوع من حمر الوحش المخططة، نسبة إلى العتابيين، إحدى محال بغداد في الجانب الغربي منها، اشتهرت بالنسيج المخطط، ومن ثم كان هذا النوع من الحمير يوصف بالعتابي تشبيهًا له بهذا النسيج، انظر "وفيات الأعيان": ٤/ ٣٨٩، و"تكملة المعاجم العربية" لدوزي (الطبعة الفرنسية): ٢/ ٩٣.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في "الروضتين": ٢/ ٢٣٩: ويفلل أسلحتهم.
[ ٢١ / ١٨٥ ]
تسهيل الطريق ليصل البلاد بعضها ببعض، فحصرها هذه السنة، فلم يظفر منهما بطائل، وتأخر فتحهما إلى ما بعد الفتوح] (^١).
وعاد نور الدِّين إلى المَوْصل، وقطع الفرات، وقصَدَ بلاد الرُّوم؛ وسببُه أنَّ عزَّ الدين قليج رسلان صاحب الرُّوم كان قد تعرَّض لبلاد نور الدِّين محمد بن قرارسلان بن أُرْتُق صاحب آمِد، فسار نورُ الدِّين في نجدته.
وقال ابن الأثير: إنما سار نورُ الدِّين إلى بلاد عِزِّ الدين قليج رسلان بن مسعود بن قليج رسلان بن سليمان بن قُتُلْمِش بسبب ذي النُّون بن الدَّانْشَمَنْد صاحب مَلَطْيَة، كان قليج رسلان قد أخرجه منها ومن سيواس، فأرسل إليه نورُ الدِّين يشفع فيه، فلم يجبه، ففتح نورُ الدِّين بَهَسْنى، ومَرْعَش، وقلاعًا من أعمال قليج رسلان، وبينا هو على ذلك جاءه خبرٌ من حِمْص بأنَّ الفرنج نزلوا عليها فرجع إلى الشَّام ومعه ابن الدَّانْشَمَنْد، ووعده بخلاص قلاعه، ولما أخذ نورُ الدين مَرْعَش وبَهَسْنى والمَرْزُبان وغيرها، خاف منه قليج رسلان، فأجابه إلى ما أراد، ورَدَّ بلاد ابن الدَّانْشَمَنْد، وشَرَطَ عليه نورُ الدِّين تجديدَ إسلامه لأنه كان يُتَّهم بالزَّنْدقة، وأنَّه متى طلب منه العساكر ينجده وأن يزوِّج ابنته بابنِ أخيه سيف الدِّين غازي صاحب المَوْصِل، ففعل، وبعثَ نورُ الدِّين فخر الدِّين عبد المسيح مع ابن الدِّانْشَمَنْد إلى مَلَطية وسيواس، ومعه عسكر يكون في خِدْمته، فأقام عنده حتَّى توفي نورُ الدين، ورجعتِ البلادُ إلى قليج رسلان (^٢).
وفيها قدم القُطْب النَّيسابوري من حلب إلى دمشق، فدرَّس في الزَّاوية الغربية بجامع دمشق وبالمدرسة الأمينية، وقيل: لم يدرس بالأمينية (^٣).
وشَرَع نورُ الدِّين في بناء مدرسة للشَّافعية (^٤) إلى جانب الجاروخية، فأدركه أجله [دون بنائها] (^٥) وقد وضع [نور الدين] (٤) المحراب وبعض البناء، وبقي أمرها على حاله، فجاء العادل أبو بكر بن أيوب، فأزال ذلك البناء، وبناها البناء المُحْكم، ودُفِنَ فيها.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش)، وانظر "النوادر السلطانية": ٨٦ - ٨٧.
(٢) انظر "الباهر": ١٦٠ - ١٦١.
(٣) في (م) و(ش): بعثه نور الدين يدرس بالمدرسة الأمينية وبالزاوية الغربية بجامع دمشق؛ زاوية الفقيه نصر، وقيل: لم يدرس بالأمينية بل بالزاوية الغربية.
(٤) هي المدرسة العادلية الكبرى.
(٥) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٨٦ ]
وفيها بعث تَقيُّ الدِّين عمر [ابن أخي صلاح الدين] (^١) جيشًا إلى المغرب مع مملوكه يوزبا، فالتقاه عسكر ابن عبد المؤمن، فهزمه بعد أنْ أقامَ الدَّعوة العباسية بإفريقية، فعاد إلى القاهرة مهزومًا (^٢).
وفيها وَصَلَ توقيعُ الخليفة إلى نور الدين بأوانا وصَريفين قريتين بدُجَيل كانتا لأبيه زَنْكي، وعَزَمَ نورُ الدِّين على بناء مدرستين ببغداد أحدهما للحنفية والأُخرى للشَّافعية، وأن يوقف عليهما القريتين، فمات.
وفيها توفي