فيها تزوَّج المستنجد بابنة عمه أبي نصر بن المستظهر، ودَخَلَ بها في رجب ليلة الدعوة التي كان يعملها كل سنة للصُّوفية وغيرهم، وغنَّى المغني [في هذه الليلة] (^١): [من الطويل]
يقول رجالُ الحيِّ تطمعُ أن ترى … محاسنَ ليلى مُتْ بداء المطامعِ
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها … سواها وما طَهَّرْتَها بالمدامعِ
وتلتذُّ منها بالحديثِ وقد جرى … حديثُ سواها في خروقِ المسامعِ
وكان مع الصُّوفية رجل من أهل أصبهان، فقام قائمًا، وجعل يقول للمغني: أي خواجا جي كفت. والمغني يعيد الأبيات، فصاح، ووقع ميتًا، فصار ذلك الفرح مأتمًا، وبكى الخليفة والصُّوفية، ولا زالوا يتراقصون حوله إلى الصَّباح، وحملوه إلى الشُّونِيزيّة، فدفنوه بها.
وفيها حشد شملة التركماني، وجاء ومعه صبيٌّ من أولاد السَّلْجوقية ليحاصر بغداد، فنزل البنْدَنيجين، وبعث الخليفةُ إليه العساكر، فنزلوا مقابله وبينهم النهر، فبعث
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٣٢ ]
الخليفةُ إليه يوسف الدِّمَشْقي، فوعظه وذكر [له] (١) ما يجب [عليه] (١) من طاعة الخليفة ووبَّخه، فرحل إلى هَمَذان، [فيقال: إن يوسف الدمشقي مات عنده، وقيل في السنة الآتية] (١).
وفيها عاد أسد الدين شيركوه إلى مِصْر؛ وهي المرَّة الثَّانية، وسببه أنَّ العاضد كتب إلى نور الدين [محمود] (١) يستنجده على شاور، وأنه قد استبدَّ بالأمر، وظَلَمَ وسَفَك الدَّم، وكان في قلب نور الدين من شاور لأنَّه غدر بأسد الدين، واستنجد بالفرنج، فسار أسد الدِّين من دمشق منتصف ربيع الأَوَّل، ومعه [ابن أخيه] (١) صلاح الدين، فنزل الجِيزة غربي مصر على البحر، وكان شاور قد أعطى الفرنج الأموال [العظيمة] (١)، وأقطعهم الإقطاعات، وأنزلهم دُور القاهرة، وبنى لهم أسواقًا تخصُّهم، وكان مقدَّمهم الملك مُرِّي وابن بيرزان، فأقام أسد الدِّين على الجِيزة شهرين، وعدَّى إلى بَرِّ مِصْر والقاهرة في خامس عشرين جُمادى الآخرة، وأصْعَدَ إلى البابين، وخَرَجَ شاور والفرنج، ورتَّب العساكر، فجعل الفرنج في الميمنة مع ابن بيرزان، وعسكر مصر في المَيسرة، وأقام الملك مُرِّي في القلب في شوكة الفرنج والخيَّالة، ورتَّبَ أسدُ الدِّين عساكره، فجعل صلاح الدين في الميمنة، وفي الميسرة الأكراد، وأسد الدين في القلب، فحمل الملك مُرِّي على القلب فَتَعْتَعَهُ، وكانت أثقالُ المُسْلمين خلفه، فاشتغل الفرنج بالنَّهب، وحَمَل صلاحُ الدِّين على شاور فكسره، وفَرَّق جَمْعه، وعاد أسدُ الدِّين إلى صلاحِ الدين فحملا على الفرنج، فانهزموا، فقتلا منهم ألوفًا، وأسرا مئةً وسبعين فارسًا، وطلبوا القاهرة، فلو ساق أسدُ الدِّين خلفهم لملك القاهرة، وإنما عَدَل إلى الإسكندرية، فتلقَّاه أهلُها طائعين، فدخلها، وولَّى عليها [ابن أخيه] (١) صلاح الدين، فأقام بها، وسار أسدُ الدِّين إلى الصَّعيد، فاستولى عليه، وأقام يجمعُ أمواله [ويجبي خراجه] (^١)، وخرج شاور والفرنج من القاهرة، فحصروا الإسكندرية أربعة أشهر، وأهلُها يقاتلون مع صلاح الدِّين، ويقوُّونه بالمال، وبلغ أسد الدين، فجمع عَرَبَ البلاد، وسار إلى الإسكندرية، فعاد شاور إلى القاهرة وراسل أسدَ الدِّين، وأعطاه إقطاعًا بمصر، وعَجَّل له مالًا، فعاد إلى الشَّام، وصلاح
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٣٣ ]
الدين معه، واعتذر إلى نور الدين بكثرة الفرنج والمال، ورأى صلاح الدين لأهل الإسكندرية ما فعلوا، فلما ملك أَحْسَنَ إليهم، [وسنذكره] (^١).
ثمَّ إنَّ الفرنج طلبوا من شاور أن يكون لهم شِحْنة بالقاهرة، ويكون أبوابها بأيدي فُرْسانهم، ويحمل إليهم في كلِّ سنة مئة ألف دينار، ومن سكن منهم بالقاهرة يبقى على حاله، ويعود بعض ملوكهم إلى السَّاحل، فأجابهم، وهذا كله تقرَّر والعاضد لا يعلم بشيء منه، وسار بعضُ الفرنج إلى السَّاحل.
وكان نورُ الدِّين ينظر من سِتْرٍ رقيق، ويخاف على مِصْر من غَلَبة الفرنج عليها، فسار بعساكره إلى السَّاحل، ففتح المُنَيطِرة، وقلاعًا كثيرة، فخاف كلُّ مَنْ بمصر من الفرنج، فعادوا إلى السَّاحل، ثمَّ طمعوا في مِصْر، وعادوا إليها سنة أربع وستين [وخمس مئة] (١)، وسنذكره إنْ شاء الله تعالى.
وفيها احترقت اللَّبَّادين وباب السَّاعات بدمشق حريقًا عظيمًا صار تاريخًا، وسببه أنَّ بعض الطَّبَّاخين أوقد نارًا عظيمة تحت قدر الهريسة ونام، فاحترق دُكَّانه، ولعبتِ النَّار في اللَّبَّادين، وتعدَّت إلى دورٍ كثيرة، ونُهِبَتْ أموالٌ عظيمة، وأقامت النَّار تلعبُ أيامًا كثيرة.
وفيها قدم [أبو حامد محمّد بن محمّد الأصفهاني الملقب بالعماد الكاتب إلى] (^٢) دمشق، فأنزله القاضي كمال الدين الشَّهْرُزُوري بالمدرسة التي بناها نور الدين بنواحي باب الفرج [عند حمام القصير للشافعية] (١)، وهي تنسب إلى العماد، وإلى هلمَّ جَرَّا، ثمَّ ولاه إياها نُور الدِّين في سنة سبعٍ وستين [وخمس مئة] (١) بعد الفقيه ابن عبد، وكان بين العماد ونجم الدِّين أيوب وأسد الدين شيركوه معرفةٌ، لأنَّ عمه العزيز أحمد بن حامد اعتقله السُّلطان محمود [بن محمَّد بن محمَّد بن ملك شاه] (١) بقلعة تكريت لما كان نجم الدين واليها [وقد ذكرناه] (١) فانتسجت المودَّة بينهم من هناك، فلما قدم العماد دمشق بكَّرَ نجمُ الدين إلى زيارته بقصد تعظيمه بذلك، وكان صلاح الدين مع أسد الدين بمصر، فمدح العماد نجمَ الدِّين أيوب، فقال: [من البسيط]
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (خ): وفيها قدم العماد الكاتب إلى دمشق، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٣٤ ]
يومُ النَّوى ليس من عُمْري بمحسوبِ … ولا الفِراقُ إلى عَيشي بمنسوبِ
ما اخترتُ بُعدَك لكنَّ الزمانَ أتى … كَرْهًا بما ليس يا محبوبُ محبوبي
أرجو إيابي إليكم ظافرًا عَجِلًا … فقد ظَفِرْتُ بنجم الدِّين أيوبِ
موفَّقُ الرأي ماضي العَزْم مرتفعٌ … على الأعاجم طُرًّا والأعاريبِ
أحبَّك الله إذْ لازمتَ سَجْدَتَهُ … على جبينٍ بتاج الملك معصوبِ
أخوك وابنكَ عِزًّا منهما اعتصما … بالله والنَّصْر وعدٌ غيرُ مكذوبِ
هما همامان في يومَيْ وغىً وقِرىً … تعوَّدا ضربَ هامٍ أو عراقيبِ
ليستقرَّ بمصر يوسفٌ وبه … تَقَرُّ بعد التَّنائي عَينُ يعقوبِ
ويلتقي يوسفٌ فيها بإخوته … والله يَجْمَعُهُمْ من غير تَثْريبِ (^١)
وفيها توفي