فيها عَزَلَ الخليفةُ صَنْدل الخادم المقتفوي عن الأستاذ دارية، وضيَّق على ولده الأمير أبي العبَّاس أحمد النَّاصر لأمرٍ بلغه عنهما، وولى ابنَ الصَّاحب أستاذ الدار مكان صندل، وولى ابنَ النَّاقد (^١) حِجْبةَ الباب، ثم عَزَلَه، وولى مكانه أبا سَعْد بن المعوَّج (^٢)، وسببه أنَّ ابنَ النَّاقد كان يميل إلى التَّشيّع، وعِمامته طويلة، فلقَّبه أهل باب الأَزَج قنبر، وهو ذكر العصافير، فكان إذا رَكِبَ صاحوا: قنبر قنبر، وقَرُبَ العيد، فأمره الخليفة أن يركب في صَدْر الموكب، فجمع العوام قنابير كثيرة، وعزموا على أن يرسلوها حوله في الموكب، وقيل للخليفة: إنْ وقع هذا بقي الموكب هُتْكَة، فعزله، وولى ابن المعوَّج.
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: وفي هذه السنة عُقِدَ عَقدُ ابنتي رابعة بباب حجرة الخليفة، وحضَرَ قاضي القُضاة، والعدول والخدم والأكابر، على أبي الفَتْح بن رشيد الطَّبري.
[قال] (^٣): وزوجتُ ابني أبا القاسم بابنةِ الوزير يحيى بن هُبيرة في ذلك اليوم، وكان الخاطب بن المهتدي (^٤).
[قلت] (^٥): وهذه رابعة هي والدتي، تزوَّجها ابن رشيد الطَّبري، وهو أوَّل أزواجها، ولم يطل عمره معها، ثم زوَّجها جَدِّي بوالدي بعد موت ابنِ رشيد، وقد سمعتْ الحديثَ على ابن البَطِّي، وثابت بن بُنْدار، ومُعْظم مشايخ جدِّي، وزُفَّت إلى ابن رشيد في المحرَّم سنة اثنتين وسبعين [وخمس مئة] (٣) في دار الجهة بنفشا جهة الخليفة، وجهَّزَتْها بمالٍ عظيم.
[قلت: ما قصد جدي بهذا الكلام إلا الإعلام بمكانته وعلو منزلته عند الخليفة، وأنَّ أحدًا من أبناء جنسه لم يصل إلى مرتبته] (٣).
_________________
(١) ستأتي ترجمته في وفيات سنة (٦٠٤ هـ).
(٢) هو محمد بن عبد الله بن الحسين، ستأتي ترجمته في وفيات سنة (٥٧٣ هـ).
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) "المنتظم": ١٠/ ٢٥٧.
(٥) في (ح): قال المصنف ﵀، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٣٥ ]
وأما أخبار الشَّام فإنَّ الحلبيين نقضوا الصُّلْح الذي كان بينهم وبين صلاح الدِّين؛ وسببه أنَّ سيف الدين غازي لامهم على ذلك، وأَرْسَلَ رسولًا إلى صلاح الدين، ودَفَعَ له كتابين أحدهما إلى صلاح الدين ليأخذ منه عهدًا للمواصلة، ويكشف ما عنده، وكتابًا إلى الحلبيين يلومهم فيه على الصُّلْح، ويخبرهم أنه واصلُ بعساكر الشَّرْق، وكان صلاح الدِّين بدمشق، فبدأ به الرسول، وقد ربط الكتابين في منديله لتغفله، فلمَّا دخل على صلاح الدين غَلِطَ، فناوله كتابَ الحلبيين؛ لسعادةِ صلاح الدين، فتأمَّله، وعلم أَنَّ الرسول قد غَلِطَ، فلم يقل له كلمة، وفهم الرَّسول، فقام، وخرج من عنده، ولم يمكنه الاستدراك.
وكتب صلاحُ الدِّين إلى أخيه العادل بمصر بتجهيز العساكر المِصْرية إلى الشَّام بسرعة، وجَمَعَ سيفُ الدِّين العساكر من الجزيرة، وكان أخوه عماد الدين زَنْكي بسِنْجار عاصيًا عليه مائلًا إلى صلاح الدِّين، فصالحه، وجاءَ سيفُ الدِّين، فقطع الفرات، وبَعَثَ إلى أُمراء حلب وكُمُشْتِكِين الخادم، وتقرَّر بينهم أمر، وسار إلى حلب، والتقاه الملك الصَّالح بن نور الدِّين، فاعْتَنَقَه سيفُ الدين وبكى، ونزل بظاهر حلب بعين المباركة، وصَعِدَ إلى القلعة جريدةً، وكان أُمراء حلب كل يوم يركبون إلى خِدْمته، ثم رحل إلى تلِّ السُّلْطان ومعه عساكر الشَّرْق، ودياربكر والحلبيون، فكانوا عشرين ألفًا ما بين فارسٍ وراجل (^١)، وبلغ صلاح الدِّين وهو بدمشق، ولم يكن عنده سوى ستة آلاف، وما رأى التخلُّف عن لقائهم، وكان في انتظار العسكر المِصْري، فسار، فنزل على حماة، وتركَ أثقاله بها، وساق إلى جباب التركمان، وجاءه رسول الحلبيين يخوفونه بأسهم، ويأمرونه بالرُّجوع إلى مصر. قال رسولهم: فوافيته، وهو في خيمةٍ صغيرة على بساط لطيف، وتحته سَجَّادة، وبين يديه مُصْحف، وهو مستقبل القِبْلة، وإلى جانبه زرديته، وسيفه بين يديه وقوسه، وتركشه (^٢) معلَّق في عمود الخيمة، فلما رأْيتُه؛ وَقَعَ في خاطري أَنَّه المنصور؛ لأني فارقتُ سيفَ الدين
_________________
(١) ربما أخذ سبط ابن الجوزي عدد الجيش مما كتبه العماد في "البرق الشامي"، وقد نقد ابن الأثير ما حكاه العماد، وحقق عدد الجش فقال: إنما كان على التحقيق يزيد على ستة آلاف فارس أقل من خمس مئة. ثم قال: وإنما قصد العماد أن يعظم أمر صاحبه (يعني صلاح الدين) بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفًا، والحق أحق أن يتبع، وانظر "الكامل": ١١/ ٤٢٩.
(٢) ترْكَش: الكنانة، جعبة السهام، "المعجم الذهبي": ١٨٦.
[ ٢١ / ٢٣٦ ]
والأمراء وهم على طنافسِ الحرير، والخمور [تروّق والجنوك] (^١) تعمل، وليس في خيامهم خيمة إلا وفيها أنواع المنكرات المحرَّمات، فأدَّيتُ إليه الرِّسالة، وجاء وقت الظهر، فضجَّ العسكر بصوت الأذان، وفي كلِّ خيمةٍ إمام، فقال لي: الحق بأصحابك، وقل لهم يستعدوا [للقتال، ويرتقبوا] (٢) لقائي، فإنِّي عند طلوع الشمس نازلٌ عليهم، ويحكم الله بيننا، وهو خيرُ الحاكمين قال: ففارقته وأنا على بصيرةٍ من نَصْره وخِذْلانهم، وسقتُ عامة الليل، فوافيتهم وقت الفجر سكارى، فطلبتُ سيفَ الدِّين. فقيل: هو نائم. فوالله ما انبسطتِ الشمسُ إلا وأعلامُ صلاحِ الدين قد أقبلت، والكوسات تخفق، وأصحابنا نيام، فقاموا مُسْرعين، وكان يوم الخميس عاشر شوّال، وعلى ميمنةِ صلاح الدين شهابُ الدين محمود خاله، وعلى مَيسرته صاحب بُصْرى، وهو في القلب، و[كان] (٢) في ميمنة المواصلة مظفرُ الدِّين [بن زين الدين] (٢) صاحب إربل، وفي الميسرة الحلبيون، وسيف الدِّين في القلب، وكان صلاح الدين قد وقف على تلٍّ عالٍ، وحَمَل مظفر الدين، فطحن ميسرة صلاح الدِّين، وحمل الحلبيون على ميمنته فتعتعوها، فنزل صلاح الدين [من التل] (٢)، ورأى أن يباشر الأمر بنفسه [وإلا اختلَّ الأمر] (^٢)، فساق عليهم، واتفق وصولُ العساكر المِصْرية في تلك السَّاعة مع تقي الدِّين عمر، وعز الدين فَرُّخْشاه، وناصر الدين محمد بن شيركوه، فهال المواصلة ذلك، فولُّوا منهزمين (^٣).
وساق صلاحُ الدِّين إلى خيامهم، فأَسَر أمراءهم، ونجا سيفُ الدين بنفسه، وعاد صلاح الدين إلى خيامهم، فوجد سُرادق سيف الدين مفروشًا بالرَّياحين، والمغاني جلوسٌ في انتظاره، والخمور تروق، وأقفاص الطُّيور فيها أنواع من القَمَاري والبلابل والهَزَارات، ومطابخه بقدورها، فأرسل صلاحُ الدِّين بما كان في السُّرادق من المغنيين والخمور والطير إليه، وقال للرسول: قل له اشتغالك بهذا أليق بك من مباشرة الحروب، فلا تَعُدْ إلى مثلها. ثم فرَّق صلاح الدين الخزائن والخيل والخيام على
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش)، والجنوك: جمع، مفردها جنك: وهو العود، انظر "تكملة المعاجم العربية" لدوزي (الترجمة العربية): ٢/ ٣١٣، والألفاظ الفارسية المعربة: ٤٦.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في (م) و(ش): فهال ذلك الحلبيين من دق الكوسات وحسن الأطلاب، والعدد الوافرة، والخيل العربية، فانخذلوا، وولوا منهزمين.
[ ٢١ / ٢٣٧ ]
أصحابه، وأعطى عِزَّ الدين فَرُّخْشاه سُرادق سيف الدين، وكان [عز الدين] (^١) قد أبلى في ذلك اليوم بلاءً حسنًا.
وسار صلاح الدين، فنزل على مَنْبج، وبها قطبُ الدِّين يَنَال بن حَسَّان، فقاتله، واتَّفق وقوع ثُلْمةٍ من السُّور، فطلب الأمان على نفسه فأَمَّنه، فخرج سليبًا، وأخذَ صلاح الدين من الحِصْن ثلاث مئة ألف دينار، وعَرَضَ عليه المقام عنده، فامتنع لشنآنٍ (^٢) قديمٍ كان بينهما، وسار إلى المَوْصل، فأقطعه سيفُ الدِّين الرَّقَّة.
وسار السُّلطان، ففتح حِصْن بُزاعة، ونازل حصن أَعْزاز، فأقام عليه ثمانيةً وعشرين يومًا (^٣) وفتحه في ذي الحِجَّة، فقال العماد: [من الرجز]
جاز العُلا ببَأْسِهِ وجُوده … وهو أحقُّ الخَلْق باحتيازها
وحلبٌ تنفي كُمُشْتِكِينها … كما انتفتْ بغدادُ من قَيمازِها (^٤)
فاليوم ذَلَّتْ حلبٌ لأَنَّها … كانت تنالُ العِزَّ من أَعْزازها
وفيها قفزتِ الإسماعيليةُ على صلاح الدِّين، وهو على أعزاز؛ جاءه ثلاثة في [زِيّ] (١) الأجناد، فضربه واحدٌ بسكين في رأسه، وكان في كُمَّته (^٥) زَرَدٌ مدفون، فلم يجرحه، وخَدَشَتْ السِّكِّين خَدَّه، وقُتل داود بن منكلان، وقُتل الثَّلاثة.
فرحل صلاح الدين، ونزل على حلب، فبعث الملكُ الصَّالح أُخته خاتون بنت نور الدين في اللَّيل، فدخلتْ عليه، فأقام قائمًا، وقبَّلَ الأرض، وبكى على نور الدين، فسألتْ أن يردَّ عليهم أعزاز [فقال: سمعًا وطاعة] (١)، فأعطاها إياها، وقدَّم لها من الجواهر والتُّحَف والمال شيئًا كثيرًا، واتَّفق مع الملك الصّالح أن من حماة وما فتحه إلى مِصْر له، وأنْ يطلق الصَّالح أولادَ الدَّاية (^٦).
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) الشنآن: البغض "اللسان" (شنأ).
(٣) عند العماد: حاصره ثمانية وثلاثين يومًا، انظر "الروضتين": ٢/ ٤٠٧.
(٤) انظر حوادث (٥٧١ هـ) من هذا الكتاب.
(٥) الكمة: القلنسوة المدورة. "القاموس المحيط" (كمم).
(٦) نزول ابنة نور الدين إلى صلاح الدين، وإتمام الصلح مع الملك الصالح، ورحيل صلاح الدين من بعد إلى بلاد الإسماعيلية كان في أوائل سنة (٥٧٢ هـ)، انظر "الروضتين": ٢/ ٤٢٢، وما بعدها.
[ ٢١ / ٢٣٨ ]
وسار صلاح الدين إلى بلاد الإسماعيلية، فنصب المجانيق على مصياث، ونهبتِ العساكرُ بلادهم، وقتلوا وسبوا، وكان مقدَّم الإسماعيلية سنان بن محمد، فأرسل [إلى] (^١) شهاب الدِّين محمود صاحب حماة، خالِ صلاح الدِّين، يقول: نحن جيرانُك، وقد فعل ابنُ أخيك فينا ما فعل، والمصلحةُ رحيله عنَّا، فاشْفَعْ إليه. فما أمكنه مخالفتهم، فأخبر صلاحَ الدين، وقال: أخاف على نفسي. فرحل إلى دمشق.
وفيها قَدِمَ شمسُ الدولة أخو صلاح الدين من اليمن إلى دمشق سَلْخ ذي الحجة.
وفيها فوَّض سيفُ الدين غازي أمر المَوْصل إلى مجاهد الدين قَيماز الخادم، وكان قبل هذا بإِرْبل نائب زين الدين (^٢).
وفيها توفي