فيها نزل الفرنج على دِمياط يوم الجُمُعة ثالث صفر، وجدُّوا في القتال، وأقاموا عليها ثلاثة وخمسين يومًا يضربونها بالمجانيق، ويزحفون عليها ليلًا ونهارًا، ووجَّه صلاحُ الدِّين إليها العساكر مع خاله شهاب الدِّين وتقيِّ الدِّين، وطلب من العاضد
_________________
(١) له ترجمة في "خريدة القصر" قسم شعراء الشام: ٢/ ٤٣١ - ٤٥٤، و"المنتظم": ١٠/ ٢٢٩، و"الوافي بالوفيات": ٤/ ٢٤٤، و"شذرات الذهب": ٤/ ٢١٤.
(٢) نسبت الأبيات إلى أبي الفتح البستي، وهي في "ديوانه": ١٧٦ - ١٧٧، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
[ ٢١ / ١٥٥ ]
مالًا، فبعث إليه بشيءٍ كثير، فكان صلاحُ الدِّين يقول: ما رأيتُ أكرمَ من العاضد، جهَّز إليَّ في حصار الفرنج ألف ألف دينار سوى الثِّياب وغيرها.
وأشغل نور الدِّين بلاد الفرنج بالغارات، ووقع فيهم الوباء والفناء، فرحلوا في ربيع الآخر (^١) بعد أن مات منهم خَلْقٌ كثير.
وفي رجب وصل نجمُ الدِّين أيوب إلى مِصْر، وكان صلاح الدين قد طلبه من نور الدين، فخرج صلاحُ الدين وجميعُ الأُمراء إلى لقائه، وترجَّل صلاحُ الدين والجميع، ومشوا في رِكابه، وقال له صلاح الدين: هذا الأمر لك، ونحن بين يديك. فقال له: يا بُني ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت أَهْل له. وحكَّمه في الخزائن، فكان يُطْلق ولا يردُّ أحدًا.
وكَثُرَ فساد الغُزِّ، فكتب العاضد إلى نور الدين يسأله أن يكون صلاحُ الدين وأصحابه وخواصُّه مقيمين عنده، والباقون يرجعون إلى الشَّام، فلم يُجِبْه، وقال: هؤلاء فرسان الإسلام، وليس للفرنج إلا سهامهم. وكَتَبَ إلى صلاح الدين يكفُّهم عن الفساد.
وفي شعبان سار نور الدِّين إلى الكَرَك، فنازله، وضربه بالمجانيق، واجتمع ملوك السَّاحل، وجاؤوه فتأخر إلى البَلْقاء.
وفي شوال كانت بالشام زلازلُ هائلةٌ بحيث وقع مُعْظم دمشق وشرّافات الجامع، وتشقق رؤوس المنائر، وكانت تهتز مثل النخل في يوم ريحٍ عاصف، وكانت بحلب أعظم بحيث وقع نصف القلعة والبلد، فَهَلك من أهلها ثمانون ألفًا تحت الهَدْم، وتهدَّمت أسوارُ جميعِ القلاع، وخرج أهلُها إلى البراري.
ووقعت قلعة حِصْن الأكراد، بحيث لم يبق للسُّور أثر، وكذا حماة وحمص، ولولا أن نور الدين كان بالبَلْقاء والفرنج في قتاله لسار وأخذ حِصْن الأكراد.
وجاءه ما شغل قلبه من ناحية الشَّرْقِ ودمشق: أمَّا من [ناحية] (^٢) الشرق فوفاة أخيه قُطْب الدين مودود بالمَوْصِل، وأمَّا [من] (٢) دمشق فوفاة العمادي، وكان نائبه في حلب وغيرها، وكانت له بَعْلبَكَّ وتدمر، وكان عزيزًا عنده، وصاحبه وحاجبه.
_________________
(١) عن العماد: فرحلوا في الحادي والعشرين من ربيع الأول، انظر "الروضتين": ٢/ ١٤٢.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٥٦ ]
وبلغه أيضًا وفاةُ مجد الدِّين ابن الدَّاية بحلب، وكان صاحبَ أمره، وسار نورُ الدِّين إلى حلب خوفًا عليها من العدو؛ لأن أسوارها تهدَّمت، وفَرَّق العساكر في القلاع خوفًا عليها من العدو؛ لأنها بقيت بغير أسوار.
وفي الزلزلة يقول العماد: [من الخفيف]
سَطْوَةٌ زَلْزَلَتْ بسُكَّانها الأَرْضَ … وهدَّت قواعِدَ الأَطْوادِ
خَفَضَتْ منْ قلاعها كُلَّ عالٍ … وأعادَتْ قِلاعَها كالوادِ
وكانت هذه الزلزلة عامةً في الدنيا، أخربت [قلاع المسلمين وبلادهم بالشَّام و(١)] حلب والعواصم وأنطاكية، ونزلت اللاذقية وجبلة، وجميعَ بلاد السَّاحل إلى الدَّاروم، و[يقال إنَّه] (^١) لم يمت بدمشق إلا رجلٌ واحد أصابه حجرٌ وهو على دَرَج جيرون، لأنَّ أهلها خرجوا إلى الصَّحراء.
ثم امتدَّت الزلزلة، وقطعت الفرات، فوصلت إلى المَوْصِل وسِنْجار ونَصِيبين والرُّها وحَرَّان والرَّقَّة ومارِدين وغيرها، وامتدت إلى بغداد وواسط والبَصْرة، وجميع بلاد العراق، ولم يَرَ النَّاس زلزلةً من أَوَّل الإسلام مِثْلَها أفنتِ العالم.
وفيها أمر نور الدين بعِمارة جامع داريَّا القائم الآن، وكان قديمًا عند قُبَّة أبي سليمان الدّارَاني، فأحرقوه لما نزلت الفرنج على داريا في أيام مجير الدين أبق، فعمر نور الدين في هذه السنة هذا الجامع الَّذي في وسط القرية.
[فصل: وفيها توفي