في المحرَّم ملك نورُ الدِّين محمود قلعة جَعْبر، خرج صاحبها ابنُ مالك العُقَيلي يتصيَّد، فأخذه بنو كلب، وذهبوا به إلى نور الدين، فأحسن إليه وأكرمه، وقال: أنتَ عاجز عن حِفْظها، فاخترْ مهما شِئْتَ من الإقطاعات والبلاد. فامتنع، فأرسل إليها نور الدين فخر الدين مسعود بن الزَّعفراني ومجد الدِّين بن الدَّاية، فحاصراها، فلم يقدرا عليها، ثم إن صاحبها طلب من نور الدين سَرُوج وأعمالها ومالًا، فأعطاه وتسلمها. وهذه القلعة ما زالت في يد بني مالك من أيام السُّلْطان ملك شاه إلى هذه السنة، وبلغ نور الدين أنهم كان لهم رجال يقطعون الطريق.
وفي صفر خرج الفرنج من عَسْقلان والسَّاحل طالبين الدِّيار المِصْرية، فنزلوا [على] (^١) بِلْبِيس، وأغاروا على الرِّيف، فقتلوا وأسروا، فأخرج شاور مَنْ كان بالقاهرة من الفرنج، وقَتَلَ البعض وهرب الباقون، وأمر شاور أهل مصر بأن ينتقلوا إلى
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٤٨ ]
القاهرة، وأحرق مِصر، وسار الفرنج [من] (^١) بِلبْيس، فنزلوا على القاهرة في تاسع صفر، وضايقوها، وضربوها بالمجانيق، فلم يجد شاور بُدًّا أن كاتب نورَ الدين بأمر العاضد، وكان الفرنج لما وصلوا إلى مصر في المرَّتين الأوليين اطَّلعوا على عوراتها، وطمعوا فيها، وعلم نور الدين، فاسترجع وخاف عليها، وجاءته كُتُبُ العاضد وشاور فقال نور الدين لأسد الدين: خُذِ العساكر وتوجَّه إليها، وقال لصلاح الدين: اخرج معه. فامتنع، وقال: يا مولانا ما يكفي ما لقينا من الشَّدائد! فقال: لابُدَّ من خروجك. فما أمكنه مخالفة نور الدين.
فساروا إلى مِصْر، وبلغ الفرنج، فرجعوا إلى السَّاحل، وقيل: إنَّ شاور أعطاهم مئة ألف دينار، وجاء أسد الدين فنزل على باب القاهرة، فاستدعاه العاضد إلى القَصْر، وخلع عليه في الإيوان خِلَع الوزارة، وسُرَّ أهل مصر بوصوله.
وقيل: إنَّه لم يستدعه، وإنما بعث إليه بالخِلَع والأموال والإقامات وللأمراء الذين معه، وأقام مكانه وأربابُ الدَّولة يتردَّدون إلى خِدْمته كلَّ يوم، ولم يقدر شاور على منعهم لكثرة العساكر وكون العاضد مائلًا إلى أسد الدين، فكاتَبَ الفرنج، واستدعاهم، وقال: يكون مجيئكم إلى دمياط في البحر والبر. وبلغ أعيانَ دولة المِصْريين، فاجتمعوا عند أسد الدين، وقالوا: شاور [هو] (١) فساد العباد والبلاد، وقد كاتَبَ الفرنج، وهو يكون سبب هلاك الإسلام.
ثم إنَّ شاور خاف لما تأخَّر وصول الفرنج، [فشرع] (^٢) في عمل دعوة لأسد الدِّين والأُمراءِ ويقبضهم، فنهاه ابنه الكامل، وقال: واللهِ لئن لم تنته عن هذا الأمر لأعرِّفن أسد الدين. فقال له شاور: والله لئن لم أفعل هذا لنُقتلن كلنا. فقال: [له ابنه] (١): لأن نقتل والبلاد بيد المسلمين خيرٌ من أن نُقْتَلَ والبلاد بيد الفرنج.
وكان شاور قد شَرَطَ لأسد الدين ثُلُثَ البلاد، فأرسل [أسد الدين] (١) يطلب منه المال، فجعل يتعلَّل ويماطل وينتظر وصولَ الفرنج إلى البلاد، فقتلوه، وسنذكره [في موضعه] (١) إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): فعمل، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٤٩ ]
ولما قُتِلَ بَعَثَ العاضد منشورًا بالوزارة لأسد الدِّين بخطِّ الفاضل، وعليه بخطِّ العاضد ما صورته: هذا عهدٌ لم يعهد إلى وزيرٍ بمثله، فتقفَد ما أراك الله أهلًا بحمله، وخُذْ كتابَ أمير المؤمنين بقوَّة، واسحَبْ ذيل الافتخار بأنِ اعْتَرف بخدمتك بيتُ النُّبوة، والتزمْ حقَّ الأمانة تجدْ إلى الفوز سبيلًا ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].
وأرسل العاضد نسخةَ الأَيمان إلى أسد الدين، وحَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه على الوفاء والطَّاعة والصَّفاء، فتصرَّف أسدُ الدين شهرين ومات، ولما احْتُضر أوصى إلى ابنِ أخيه صلاح الدين، فاختلف عليه جماعةٌ من الأُمراء عقيب وفاةِ أسد الدين، وبلغ نورَ الدينْ اتِّفاقُ الأمراء على صلاح الدين، فقال له الملك المُعَظَم تورانشاه بن أيوب، وكان أسنَّ من صلاح الدِّين: يا مولانا أريد أن أسير إلى أخي. فقال له: إنْ كنتَ تسير على مِصْر وترى يوسف أخاك بعين أنَّه كان يقف في خدمتك وأنت قاعد فلا تسير، فإنك تفسد العباد والبلاد، فتحوجني إلى عقوبتك بما تستحقه، وإن كنتَ تسير إليه، وترى أنَّه قائم مقامي، وتخدمه كما تخدمني، وإلا فلا تذهب إليه. فقال: يا مولانا سوف يبلغك ما أفعل من الخدمة والطَّاعة. وسار إلى مصر، فتلفاه صلاحُ الدين من بِلْبِيس وخدمه، وقدَّم له المال والخيل والتُّحف، وأقام على أحسن حال، وفعل ما ضمن لنور الدين.
وكان للعاضد خادمٌ يقال له مؤتمن الخلافة، وكان مُقَدَّم السُّودان والخدم، والمشار إليه في القَصْر، فأمر بقتال الغُزِّ، واتَّفق العسكر المِصْري مع الخادم وثاروا على الغُزِّ، فقتلوا منهم جماعة، فركب صلاح الدِّين وشمس الدولة، ودخلا إلى باب القصر، وأبلى شمس الدولة بلاءً حسنًا، وقتل الخادمَ وجماعة من السودان، فأرسل العاضد إلى صلاح الدين يتعتَّب عليه، ويقول: فأين أمانتُكُم؟ هذا الخادم جاهل، فَعَلَ ما فعل بغير أمرنا. فقال صلاحُ الدين: نحن على الأَيمان والعهود ما نتغير، وما قتلنا إلا مَنْ قَصَدَ قتلنا.
[ ٢١ / ١٥٠ ]
وفيها توفي [صاحب دمشق] (^١)