فيها خُطِبَ لبني العَبَّاس بمِصْر [بعد انقطاع الخطبة عن بني العباس فيها مئتي سنة وثماني سنين] (^٢) وسببه أنَّ صلاح الدِّين لما استولى عليها، وضَعُفَ أمر العاضد كتبَ إليه نورُ الدِّين يأمره بقطع الخطبة للمِصْريين، وإقامتها لبني العَبَّاس، فخاف من أهل مِصْر أن لا يجيبوه إلى ذلك، وربما وقعت فتنة لا تُتدارك، فكتَبَ إلى نور الدين يخبره، فلم يسمع منه، وألزمه إلزامًا لا محيد عنه، ومرض العاضد، فجمع صلاحُ الدِّين الأُمراء والأعيان واستشارهم، فمنهم مَنْ أجاب ومنهم من امتنع، وقالوا: هذا بابُ فتنة وما يفوت. فعاود نورُ الدِّين، فأرسل رسلًا، وألزمهم بذلك، فأقامها.
واختلفوا في الخطيب، فقيل: إنَّه رجل من الأعاجم يقال له العالم، وقيل: هو رجلٌ من أهل بَعْلَبَك يقال له: محمّد بن المحسَّن ابن أبي المَضَاء البَعْلَبكي، فأُقيمت في أول المحرَّم والعاضدُ مريض، فأخفى عنه أهلُه ذلك، وقيل بلغه، فأرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فخاف أن يكون خديعةً، فلم يذهب إليه، ومات يوم عاشوراء، فندم صلاحُ الدِّين على قَطْعِ الخطبة، وقال: يا ليتني صبرتُ حتَّى يموت.
وكتَبَ صلاحُ الدِّين إلى نور الدين يخبره بإقامة الدعوة العبَّاسية، فكتب نورُ الدِّين كتابًا إلى بغداد من إنشاء العماد، وفيه: [من الخفيف]
قد خَطَبْنا للمستضيء بمصرٍ … نائبِ المُصْطفى إمامِ العَصْرِ
ولدنيا تضاعفَتْ نِعَمُ اللهِ … وجَلَّتْ عن كلِّ عَدٍّ وحَصْرِ
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش)، وانظر "المنتظم": ١٠/ ٢٣٣.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٦٩ ]
واستنارت عزائمُ الملكِ العا … دلِ نور الدين الهُمامِ الأغَرِّ
هو فَتحٌ بِكْرٌ ودون البرايا … خَصَّه الله باقتراعِ البِكْرِ
من أبيات (^١).
وبعث نور الدِّين إلى الخليفة بالبشارة شهاب الدين المطهر بن شرف الدين بن أبي عَصْرون.
وقال ابنُ الخراساني الشَّاعر (^٢): [من البسيط]
جاء البشيرُ فَسُرَّ النَّاسُ وابتهجوا … فما على ذي سرورٍ بعدها حَرَجُ
أُقيمتِ الدعوةُ الغَرَّاءُ معلنةً … للمستضيء بمصرٍ واستوى العِوَجُ
هو الإمامُ الَّذي قامت دلائِلُهُ … وكلُّ ذي لَسَنٍ بشُكْره لَهِجُ
لذِكْرِهِ عَبَقٌ في كلِّ ناحيةٍ … فالكونُ أجمعُ من أنبائه أَرجُ
حتَّى لقد دَخَلَ الأقوامُ كلُّهم … في دين خالقهمْ من بعدما خرجوا
بالمستضيء أضاءتْ كلُّ داجيةٍ … كأنَّما أُوقدتْ بين الورى سُرُجُ
أعطى من المالِ ما لم يُعْطه أحدٌ … لله منه خِضَمٌّ كلُّه لُجَجُ
يا أهل مِصْر لقد جاءتْ سعادتُكُمْ … واستوضحت سُبُل الخيراتِ فابتهجوا
صِرْتُمْ رعيَّةَ خَيرِ الخَلْقِ كلُّهِم … مَنْ حُبُّه بدماءِ الخَلْقِ مُمْتَزِجُ
من أبيات (^٣).
وقال أحمد بن المُؤَمَّل العَدْوَاني البَغْدادي: [من السريع]
قد جاء فَتْحُ اللهِ والنَّصْرُ … واعتذرتْ مما جَنَتْ مِصْرُ
وأرسلَتْ تسألُ صَفْحًا لها … فاغفِرْ فمن عادتك الغَفْرُ
كان على منبرها ظلمةٌ … إذْ لم يكنْ في أُفْقها بَدْرُ
_________________
(١) الأبيات في "الخريدة": قسم شعراء العراق: ٢/ ١٤ - ١٧، وانظر "الروضتين": ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) هو أبو العز محمّد بن محمّد بن مواهب، الكاتب المعروف بابن الخراساني، شاعر وأديب ونحوي، توفي سنة (٥٧٦ هـ)، وله اثنتان وثمانون سنة، انظر ترجمته في "خريدة القصر"، قسم شعراء العراق: ج ٣ / مج ١/ ٢٢٨ - ٢٥٥، و"معجم الأدباء": ١٩/ ٤٦ - ٤٧، و"إنباه الرواة":: ٣/ ٢١٣ - ٢١٤، و"الوافي بالوفيات": ١/ ١٥٠ - ١٥١.
(٣) انظر بعضها في "خريدة القصر" قسم شعراء العراق: مج ١ / ج ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
[ ٢١ / ١٧٠ ]
فمذ أضاءَ المُسْتضي أَشْرَقَتْ … وابتهجَ المنبرُ والقَصْرُ
وأصبحت قاهرةُ المُدَّعي … مقهورةً قد زانها القَهْرُ (^١)
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في جملة خُطْبة كتابٍ سمَّاه "النَّصْر على مِصْر": الحمد لله الَّذي قدَّم الآدميين على جميع المخلوقين تعظيمًا لهم وتبجيلًا، ثم فَضَّل محمَّدًا ﷺ وصان شَرْعه أن يُغَيَّر نَسْخًا أو تبديلًا، ثم جَمَعَ شَمْلَ أُمَّته بخلافة بني العَبَّاس زادها الله تجميلًا، فكم هَينَمَ عدوٌّ في ولايتهم وعدَّ نفسه عديلًا، فأُديلت دولتهم عليه وكفى بالإدالة دليلًا، ولما بانت البوارق بمصر من فِرْعونها زمنًا طويلًا، مدَّ لهم أَمَدَ البغي فحملوا منه حِمْلًا ثقيلًا، فلما نهضت خلافةُ الإمام المستضيء بأمر الله بالحق سَدَّتْ في وجوه الظَّلَمة سبيلًا، وخربت قصر مصر بالظُّلم، وأعادت باغي البغي قتيلًا، وبادت شرقًا وغربًا وقُرْبًا وبعْدًا، والعاقبة للمتقين ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ثم اتبع أقوام يسمَّون الرَّافضة، يثلبون الصَّحابة، ولا يدينون بطاعة الخلافة، ومعنا في بلدتنا منهم خَلْقٌ كثير، ولم نطلع منهم على هفوة وعثرة، وكلما رأوا من أنوار الدولة العَبَّاسية ما يخجلُ الشَّمْسَ والقمر سَلَوا نفوسهم بساكني مصر والمنتظر، فليتهم علموا أَنَّ صاحب مصر قد محقته آفة، وأن المنتظر حديث خرافة، يا لهذا الفتح فتحٌ ضاهى فتح مكة، تجهَّمت فيه وجوه ضُربت على غير المسكنة، أظهر عليها الحُزْن والأسف أثره ﴿عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُوْلَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٨٠] ولقد فَتَحَ هذا الفَتْحُ صدرَ كلِّ صَدْر، أسهمنا من وقعته وما حضرنا وقعة بدر.
ثم قال في آخر الكتاب: هذه كلمات مَنْ قَلْبُهُ معقودٌ على الولاء، ولسانُه مشغولٌ بالدُّعاء، ولا بُدَّ أن يبوح بفضل العطر ناشق، ولا يمكن أن يكتم وَجْده عاشق، ولما علَّق الناسُ اللآلي المثمنات، عَلَّق العبدُ - إذ لا مال له - هذه الكلمات، استجاب الله منه صالحَ دعائه، في صباحه ومسائه، بمحمّد وآله، وانقطعت ولايةُ المِصْريين عن مصر، وقد كان يخطب لبني العَبَّاس بها إلى سنة تسع وخمسين وثلاث مئة في خلافة
_________________
(١) الأبيات في "خريدة القصر" قسم شعراء العراق: مج ١ / ج ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
[ ٢١ / ١٧١ ]
المطيع، وولي بعده تسعة من الخلفاء، والأمر بحاله إلى هذه السنة، فعادت الخطبة، فكان مدَّةُ انقطاعها لبني العباس بمصر مئتي سنة وثماني سنين.
وفيها بعث الخليفة صَنْدَل المقتفوي؛ وهو أكبر الخدم إلى نور الدين جواب [ابن أبي] (^١) عصرون بالخِلَع لنور الدين، وفيها الطَّوْق فيه ألفُ دينار، والفَرَجية والعِمامة، ولصلاح الدِّين دونها، وبعث لنور الدين سيفَين، قلَّده سيفًا للشَام وسيفًا لمِصْر، وزينت بغداد وضُربت القِباب.
وفيها بدت الوَحْشة بين نور الدِّين وصلاح الدِّين، لأنَّ نور الدِّين كتَبَ إلى صلاحِ الدِّين بأن يجمع العساكر، ويقدَمَ إلى الشام ليحاصر الكَرَك، ويجتمعا هناك لتدبير أمورٍ لا ذكر لها في كتابٍ، فَبَرَزَ صلاحُ الدين إلى بِلْبِيس، وكتَبَ إلى نور الدِّين يخبره بأنَّه واصِلٌ، وخرج نورُ الدِّين إلى دمشق، فنزل على البَلْقاء، وأقام ينتظره، وشاور صلاح الدين أصحابه، فخوَّفوه من نور الدِّين، فأثنوا عزمه، فكتَبَ يعتذر من اختلال البلاد، وأنَّه متى بَعُدَ عنها لم يأمن أهلَها. فشَقَّ على نور الدين، ولم يقبل عُذْره، وعَزَمَ على قَصْدِ مِصْر، وإخراجِ صلاح الدين منها، وشَرَع يتجهَّز، فجمع صلاحُ الدِّين الأُمراءَ وأهلَه، وقال: ما تَرَوْن؟ وكان فيهم تقيُّ الدِّين عمر بن أخي صلاح الدين، وشهاب الدين خال صلاحِ الدِّين، فقال تقي الدين: إنْ جاء قاتلناه. وكان نجمُ الدِّين أيوب حاضرًا، فسبَّ تقيَّ الدِّين وزَبَرَه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا خالك - عن شهاب الدِّين - أتظنّ في هؤلاء كلَّهم من يحبُّك ويريد لك الخير مِثْلَنا؟ قال: لا، فقال: والله لو رأينا المولى نور الدِّين لم يُمْكِنَّا إلا أَنْ نترجَّل، ونقبِّل الأرض بين يديه، ولو أمرنا بقتلك لفعلنا، فإذا كُنَّا نحن كذا، فكيف غيرنا! وهذه البلاد [له] (^٢) ونحن مماليكه، وأنت نائبه فيها، وإذا أراد عَزْلك، فأيُّ حاجة لك في المجيء، يُنفِّذ كتابًا مع نجَّاب يأمرك بالمسير إليه لتنزل إلى خدمته، وهل عندنا له خلاف. وتفرقوا على هذا، وكتَبَ أصحابُ الأخبار إلى نور الدين بصورة المجلس، وأما نجم الدين، فإنه خلا بابنه، وقال له: يا قليل المعرفة، تجمعُ هذا الجمعَ الكثير، وتُطْلعهم على ما في
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من "الروضتين": ٢/ ٢٢٨.
[ ٢١ / ١٧٢ ]
نفسك، ومتى بلغ نور الدين أنك عازمٌ على مَنْعه من البلاد قَصَدَك بعساكر الشَّام والشَّرق وديار بكر والرُّوم وغيرها، فلم يبق معك أحد، وأولهم خالك وغيره ممن نافسك في المُلْك، وفي قلوبهم منك ما فيها، وقد كَتَبَ أصحابُ الأخبار إلى نور الدين بما قلتَ، فاكتبْ إليه كتابًا تُذْعِنُ له فيه بالطَّاعة، وقُلْ له: ما حاجة إلى قَصْدي بنفسك، ابعثْ أحد غِلْمانك يحملني إلى بين يديك، [فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك، واشتغل بما هو أهم عنده] (^١)، والأيام تندرج، والله تعالى كل يوم في شأن. فكتَبَ صلاحُ الدين إلى نور الدين بذلك، فرجع عن قَصْده، واستحيا منه، واشتغل عنه بالفرنج.
وقال ابن شدَّاد ﵀: قال لي صلاح الدين: أشار عليَّ جماعةُ الأهل إنْ قصدني نور الدين أَنْ أقاتله، وكنت وَحْدي أُخالفهم، وأقول: والله لا كان ذلك أبدًا، ولا قاتلت مولاي، حتَّى وصلت الأخبار بموته (^٢).
وقال أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجَزَري: في هذه السنة اتَّخذ نورُ الدِّين الحَمَام الهوادي في جميع البلاد في الأبراج تنقل إليه الأخبار، وسببُه اتِّساعُ مملكته، فكانت من حَدِّ بلاد النَّوبة إلى هَمَذَان، وكان أهم ما عنده قَلْع الفرنج من السَّاحل، فكان إذا تحرَّك الفرنج لقصده أو تحرَّك لقصدهم، كتب الكُتُبَ على أجنحة الطيور إلى البلاد البعيدة يستدعي العساكر، فيأتون إليه بسرعة (^٣).
وفيها قبض المستضيء على وزيره ابنِ رئيس الرؤساء، ونُهبت دوره، وسببه ولده كمال الدين، فإنَّه كان ظالمًا جبَّارًا، دخل الخادم صَنْدَل إلى دار الوزير، فأطبق دواته وحَبَسَ ابنه كمال الدين في بيت من الدَّار، واستولى على جميع [ما في الدار من المال والثياب والمتاع والخدم والمماليك والخيل وغيرها] (^٤)، وكمال الدين (^٥) في البيت ينظر إلى ماله كيف ينهب، ولا يقدر على الكلام.
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة من الباهر: ١٥٩، وانظر "الروضتين": ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٢) النوادر السلطانية ص ٤٧.
(٣) الباهر: ١٥٩، و"الكامل": ١١/ ٣٧٥.
(٤) في (خ): على جميع ما فيها، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) كذا في النسخ الخطية، والصواب "عضد الدين" وهو لقب الوزير، وستأتي ترجمته في وفيات سنة (٥٧٣ هـ).
[ ٢١ / ١٧٣ ]
وفيها توفي