في أول المحرَّم سار نور الدين إلى سِنْجار، ففتحها، وسلَّمها إلى عمادِ الدين زنكي ابنِ أخيه، وسار، فنزل على المَوْصِل من المشرق، عَبَر من مخاضة عند بَلَد، وكان عبد المسيح قد نفَّذ عِزَّ الدين مسعود بن مودود إلى أتابك إيلدكز يسأله شفاعةً إلى نور الدين بالكَفِّ عن المَوْصِل، فجاء الرَّسول إلى نور الدين، وأبلغه الرِّسالة، فقال
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، انظر "الروضتين": ٢/ ١٦٦.
(٢) أخباره مبثوثة في "الروضتين"، وكتب تاريخ تلك الفترة. وما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في (م) و(ش): ووقفت على باب التربة وعليها مكتوب.
[ ٢١ / ١٦٢ ]
للرسول: قُلْ لصاحبك: أنا أَرْفَقُ وأَشْفَقُ على أولاد أخي منك، فلا تدخل بيننا، وعند الفراغ من هذا الأمر أسير إليك، ويكون الجواب على باب هَمَذان، فإنَّك قد أهملت أمور الثُّغور حتَّى استولى عليها الكُرْج، وأنا وَحْدي بالشَّام، وقد ابتليتُ بأشجع النَّاس، وأشدِّهم بأسًا وهم الفرنج، فأسرتُ ملوكهم، وقتلتُ كنودهم، وبعتهم بيعَ العبيد، واستوليتُ على بلادهم، فلا يَسَعُني في دِيني أنْ أَدَعَكَ على ما أنتَ عليه. وكان كل مَنْ بالمَوْصِل مع نور الدين، وكاتبوه بالوثوب على عبد المسيح، وتسليمِ البلد إليه، وعَلِمَ عبدُ المسيح، فراسله في الطَّاعة، وتسليم البلد إليه، وتقريره على سيف الدِّين، وأن يكون عبدُ المسيح مقيمًا به على حاله، فقال نور الدين: أمَّا تقرير سيفِ الدين على البلد فَنَعَمْ، وأما أنتَ عبدَ المسيح، فلك الأمانُ على نَفْسك ومالك، وما يَحِلُّ لي أَنْ أَدَعَكَ في المَوْصِل لظُلمك وعَسْفك، ولكني آخذكَ معي إلى الشَّام، وأُحْسنُ إليك.
ثم فتحتِ الأبواب لنور الدين، فدخل المَوْصِل في ثالث عشر جُمادى الأُولى، وولَّى عليها خادمًا، يقال له كُمُشْتِكِين بالقلعة، وقرَّر ابنَ أخيه سيف الدين على حاله.
وكان نور الدين قد بعثَ العمادَ الكاتب إلى الخليفة يستأذنه فيما يفعل، فوصل العماد ونورُ الذين على المَوْصل، ومعه الخِلَع والتَّقليد، فأَلْبَسَ ابنَ أخيه سيف الدين الخِلْعة، وأزال من المَوْصل الضَّمانات والمكُوس، وعَدَلَ وأحسنَ إلى أهله، وأعطى عمر المَلَّاء ستين ألفَ دينار من فتوح الفرنج، وأمره بعمارة الجامع النُّوري وسط البلد، وأعطى جزيرةَ ابنِ عمر لابنِ أخيه سيف الدين مضافًا إلى المَوْصل، وأقام عشرين يومًا، وكان يحبُّ الموصل، فقيل له: لو أقمتَ بها. فقال: ومَنْ يجاهد الكُفَّار، ويحفظ بلاد المسلمين! ثم رحل نحو الشَّام ومعه عبد المسيح، وقد أحسن إليه، وأقطعه إقطاعاتٍ كثيرة، ثم قال له: ويحك، ما هذا الاسم القبيح، أَمَا كان في الدنيا مسلمٌ يغيِّره، وكيف وافقك أخي قُطْب الدين على هذا؟ وسمَّاه عبد الله.
وفيها توفي المستنجد، وولي المستضيء.
[ ٢١ / ١٦٣ ]