[قال جدي ﵀: في هذه السنة انتهى تفسيري للقرآن على المنبر، فإني كنتُ أذكر في كل مجلس منه آيات، ففرغت في هذه السنة، وسجد على المنبر شكرًا لله تعالى، وقال: ما أعرف واعظًا غيري فسَّر القرآن كله على المنبر إلا أنا (^٥).
_________________
(١) في (ح): وكان مجد الدين رضيعه، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) له ترجمة في "خريدة القصر"، قسم شعراء العراق: ج ١/ ٣١٨ - ٣٢٢، و"فوات الوفيات": ٣/ ١١٩ - ١٩٢ - وفيه القاسم بن الحسين أبو شجاع بن الطوابيقي- و"الوافي بالوفيات": ٢٤/ ١١٨ - ١١٩، ووفاته في الفوات والوافي سنة (٥٩٦ هـ)، وإخاله وهمًا. قال ابن الأثير في اللباب: ٢/ ٢٨٧ هذه النسبة إلى الطوابيقي، وهي الآجر الكبار الذي يفرش في صحن الدار.
(٤) الأبيات في "الخريدة": ١/ ٣٢٢، مع اختلاف في ترتيب الأبيات.
(٥) "المنتظم": ١٠/ ٢٥١.
[ ٢١ / ٢٢٤ ]
فصل:
وفيها سُلِّمَتْ إليَّ المدرسة التي بباب الأزج، وكانت دار الوزير ابن جَهِير، وكانت بنفشا جهة الخليفة المستضيء قد اشترتها وأَوقفتها على أصحاب أحمد بن حنبل، وفوضتْ أمرها إليّ، وأوقفت عليها قرية، وحضر درسي قاضي القضاة والحاجب وأرباب الدولة، وخُلع عليَّ خِلْعة نفيسة، وذكرتُ دروسًا كثيرة، وكان يومًا مشهودًا، وخرجتُ وبين يدي الدُّعاة، وارتفعتِ الأدعية للخليفة، ووقفتِ الناسُ صفوفًا مثل يوم العيد.
قال: وأصاب أهل المذهب -يعني الحنابلة- من ذلك غم عظيم، لأنَّهم حسدوني، وجلستُ تحت المدرسة في شوَّال يوم الأربعاء، فكان الجمع زيادة على خمسين ألفًا، فازداد غمُّ أهل المذهب (^١).
وكان جدي يقول: والله لولا أحمد والوزير ابن هُبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كنتُ حنفيًّا أو شافعيًّا لحملني القوم على رؤوسهم] (^٢).
وفيها أعاد المستضيء أبا الحسن الدَّامَغاني الحنفي إلى قضاء القضاة ببغداد.
وفيها أمر الخليفة أن يُخلَع على رئيس الرُّؤساء خِلَع الوزَارة، وكان قطب الدِّين قيماز عدوَّه، فاغلقَ أبوابَ دارِ الخليفة، ومَنَعَ من ذلك، فأَرْسَلَ الخليفةُ إليه صَنْدَل المقتفوي يعينه، فلم يلتفت، وقال: إما أنا وإما ابن رئيس الرُّؤساء؛ لا يقيم معي في بلد. فقيل للوزير: اعبر إلى الجانب الغربي، وأَقِمْ لننظرَ في الأمر، فَعَبَر.
وفيها كانت فتنة قُطْب الدِّين قيماز المذكورة، وكان قد طمع في الدَّولة واستطال، واستقلَّ بالأمر، فلم يبقَ معه للخليفة حُكْم، وكان قد تزوَّج أُخت الأمير تتامش، واتَّفقا على الدولة، وكانت العساكر بحكمهما وهما ساكنين في دار الخلافة، ومعهما مفاتيح أبواب الدار.
وكان تتامش قد استولى على واسط والبَصْرة، وبعث نوابه فصادروا النَّاس، ونهبوا أموالهم، فجاء منهم جماعةٌ إلى بغداد، فدخلوا جامع القَصْر، واستغاثوا، وكسروا المنبر، ومنعوا الخطيب من الخُطْبة، فبعث الخليفةُ إلى قطب الدين وتتامش فنهاهما،
_________________
(١) "المنتظم": ١٠/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٢٥ ]
وقال: هذه شناعةٌ قبيحة. فلم يلتفتا، فبعث إليهما صَنْدَل، فأغلظا له، وكان ظهير الدِّين بن العَطَّار صاحبَ المخزن، فبعث قطبُ الدِّين إلى الخليفة يقول: اعزله. فقال: بالأمسِ عَزَلْنا الوزير واليوم نعزل صاحبَ المخزن، فمن يقوم بخدمتنا؟ فركب قطبُ الدِّين وتتامش والعساكر، وأظهرا العِصْيان، وأغلقا أبوابَ دارِ الخليفة، وكان ابنُ العَطَّار ساكنًا في الدَّار، فقصدا داره، فهرب إلى باب الحجرة، فنهباها، وأحرقاها، فغضبَ الخليفةُ، وبعث أستاذ الدَّار وصَنْدَل في عسكرٍ لقتالهما، فاقتتل الفريقان على باب دار قطب الدِّين، فلم يقدر صَنْدَل عليه، فأرسل إلى الخليفة يستمدُّه، فصَعِدَ الخليفةُ على منظرة الرَّيحانيين، فظهر للنَّاس، وقد اجتمع أهل بغداد تحت المنظرة، وقال: يا أهلَ بغداد، أنا خليفتكم، وقد عصى عليَّ قيماز، وكَفَر نعمتي، وظَلَمَ رعيَّتي، واستحلَّ ما حرَّم الله تعالى، المالُ مالكم، والدَّم لي. فثارتِ العامةُ، وقصدوا داره ينادون: الخليفة يا منصور، وسمع قيماز الضَّجيج فقال: هذا الصِّياح لنا أو علينا؟ فقالوا: علينا. فقال: هلكنا وربِّ الكعبة. وحَمَلَ العوام على أصحابه فطحنوهم، وضربوا بواباته بقوارير النِّفْط، فأحرقوه، وأحرقوا جماعةً من أصحابه، ودخلوا داره، فهرب هو وتتامش من باب السِّرِّ في نفرٍ يسير، والعامةُ خلفهم بالآجُرِّ والنُّشَّاب والمقاليع، وعَبَرَا على عقد المصطنع، وهناك هَرَّاس يقال له ابن النجيل، فضرب قطبَ الدِّين بالمِغْرَفة، وقال له: يا مارق.
ودخلتِ العامَّةُ الدَّار، وكان قطبُ الدِّين قد بَسَطَ الأَنْطاع، وصبَّ عليها المال والجواهر واليواقيت وأطواق الذَّهب والخِلَع وأموالًا لم تكن عند الخلفاء ولا الملوك، فنهبوا الجميع بحيثُ إن العوام كانوا يدخلون المطبخ والقُدور بحالها، فيرمي الواحد في القدر المال في الأكياس، ويخرج بها، فاستغنى أهلُ بغداد، ونادى الخليفة آخر النَّهار برفع النَّهب، وعَزَلَ نساءهم وحُرَمَهم في دُور، ووكَّل بهم بعضَ الخدم يحفظهم ويقوم بأمرهم، وحَبَسَ الأمراء والجُنْد الذين وافقوهم، وأُخذت أموالهم.
وأما قطب الدِّين وتتامش فهربا إلى المَوْصل، فمات قطب الدِّين بظاهرها، وقيل بتل أَعْفر (^١)، وغُسِّل في سقاية، ولم يوجد له كَفَن، وكان معه جماعةٌ من الأمراء؛
_________________
(١) وهي المعروفة بتل يعفر كذلك، بين سنجار والموصل، انظر "معجم البلدان": ٢/ ٣٩.
[ ٢١ / ٢٢٦ ]
منهم حسام الدين تميرك، فجاء إلى الشَّام، فأكرمه صلاح الدِّين، وأقطعه الإقطاعات، وكان عماد الدين صاحب سِنْجار قد نهبهم.
واستوزر الخليفةُ عضد الدِّين ابن رئيس الرُّؤَساء، وخَلَعَ [عليه خِلَع الوزارة] (^١).
وفي آخر صفر توجَّه الملك الصَّالح إلى حلب مع كُمُشْتِكين خادم أبيه، وكان نائبًا بقلعة المَوْصِل (^٢) لنور الدين، فلما مات نورُ الدِّين هَرَب من سيف الدِّين إلى حلب، واتَّصل بخِدْمة أولاد الدَّاية، فأرسلوه إلى دمشق ليُحْضِرَ الملك الصَّالح، فأحضره في صفر، فكان مقامه بدمشق بعد وفاة أبيه خمسة أشهر، ولما دخل حلب كان معه إسماعيل الخازن وأبو صالح بن العَجَمي، فحسَّن له ابنُ العجمي قَبْضَ أولاد الدَّاية، فأمر كُمُشْتِكِين، فقبض عليهم، وحَسَّنَ له قبض ابن الخشاب مقدَّم الشيعة، فقبض عليه.
وكان عقيب موت نور الدِّين قد جرت بحلب فتنةٌ بين الفريقين، قُتِلَ من السُّنَّة والشيعة خَلْقٌ عظيم، واجتمعت الشيعة بدار ابن الخَشَّاب، ونُهبت دور بني العَجَمي ودور بني عَصْرون.
وقيل: إنَّ هذه الفِتْنة وقعت عند دخول الملك الصَّالح حلب، فاسْتُدعي الخَشَّاب إلى القلعة، فاعترضه جُرْديك، فقتله، ورمى برأسه إلى البلد، فسكنتِ الفِتْنة.
وبلغ [ابن] (^٣) المقدَّم والأُمراء بدمشق ما فُعِلَ بأولاد الدَّاية، فكاتبوا سيف الدِّين صاحب المَوْصل ليسلِّموا إليه دمشق، فخافَ أن تكون مكيدة، فتوقَّف، وكاتبه الشيعة أيضًا ليسلِّموا إليه حلب، فأقام يتروَّى، وكان قَبْضُ بني الدَّاية، وقَتْلُ ابن الخَشَّاب سببًا لفساد أمر الملك الصَّالح.
_________________
(١) في (ح): وخلع هو الذي قصده قطب الدين، وما بين حاصرتين زيادة من عندنا مستفادة مما في "المنتظم" ١٠/ ٢٥٤، وأما قوله: "هو الذي قصده قطب الدين" فإخالها: وهو الذي قصده قطب الدين، "وهو" زيادة من ناسخ أو قارئ زيدت في الهامش، ثم أدخلت في المتن، فمن ثم أشرت إليها، ولم أثبتها، والله أعلم.
(٢) في (ح): دمشق، وهو تحريف، والصواب ما أثبته، انظر كتاب "الروضتين": ٢/ ١٦٨، ٣٢٥ بتحقيقي.
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٢٧ ]
ثم إنَّ الصَّالح ضيَّق علي بني الدَّاية، وطلب منهم تسليمَ الحصون التي بأيديهم، وبلغ صلاح الدِّين، فشقَّ عليه، وخاف افتراقَ الكلمة، واستيلاءَ الفرنج على الشَّام، فكاتَبَ ابنَ المقدَّم والأمراء ينكر عليهم اجتراءهم عليه وعلى الدَّولة، وقال: أولاد الدَّاية هم أركانُ الدَّولة، والله لئن لم يُطْلَقوا لأسيرَنَّ إليكم، ولأبدِّدَنَّ شَمْلَكم. فكتبَ إليه ابنُ المقدَّم: لا تجعل هذا سببًا لطمعك في البلاد، وأن تستولي على بيت أستاذك، وإيَّاك هذا. فَغَضِبَ صلاحُ الدين، وتجهَّز إلى الشَّام، فبلغه وصول أُسطول من صِقِلِّية إلى الإسكندرية، فخاف على البلاد، وأقام، فوصل الأُسطول، وفيه ستُّ مئة قطعة، فيها من الخَيَّالة ألف وخمس مئة، ومن الرَّجَّالة ثلاثون ألفًا ومعهم الأبراج، ومن المجانيق والدَّبَّابات وآلة الزَّحف، فنزلوا جزيرة الإسكندرية، وصَعِدوا بأَسْرهم، وزحفوا على البلد، وألصقوا الأَبراج بالأسوار، ونصبوا السَّلالم، ففتح المسلمون الأبواب، وخرجوا إليهم، وركب جماعةٌ في الشخاتير نحو سفنهم، فخسفوها وغرَّقوها، وضَرَبَ المسلمون مَنْ كان في الجزيرة بالنِّفْط، فانهزموا، وغَرِقَ منهم أكثر ممن قُتِلَ، ولم ينجُ منهم إلا القليل، وقيل: كان ذلك في سنة إحدى وسبعين.
وفيها ملك صلاحُ الدِّين دمشق، لما انقضتْ نوبةُ الأُسطول سار إليها بعساكره، وكان ابنُ المقدَّم والقاضي كمال الدين بن الشَهْرُزُوري وابن الجاولي والأعيان قد كاتبوه، وكان بالقلعة رَيحان الخادم، فعَزَم على قتاله، فجهَّز إليه عسكر دمشق، وركب صلاح الدِّين من جسر الخشب (^١)، والتقاه أهل دمشق بأَسْرهم، فأحدقوا به، فَنَثَرَ عليهم الدَّراهم والدَّنانير، ودَخَل دمشق، لم يُغْلق في وجهه باب، ولا منعه مانع.
وقال القاضي [الفاضل] (٢): فملكنا دمشق عنايةً لا عَنْوَةً، ولم نَخْطُ بحمد الله إلى خطيئةٍ خُطْوة، وما جَرَتْ منا مِنْسأةٌ فتجري فيها أُسوة، وكان عسكر دمشق لما رأوا فعل العوام انكفؤوا راجعين إلى القلعة، ونزل صلاح الدين بدار العقيقي، وكانت دارَ أبيه، ونزل أخوه شمس الدَّولة بدار عمه أسد الدين [شيركوه] (٢)، وتمنَّعتِ القلعةُ عليه أيامًا، ثم سلَّمها إليه ريحان [الخادم] (^٢)، وأحسنَ صلاحُ الدِّين إلى ابنِ المقدَّم والقاضي
_________________
(١) في (ح): الجسور، والمثبت من "الروضتين": ٢/ ٣٤١.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٢٨ ]
[ابن] (١) الشَّهْرُزُوري، ومشى إلى داره، فانزعج القاضي، وخرج إلى لقائه، ودخل صلاح الدين، فجلس وباسَطَه، وقال: يا كمال الدِّين لما كنتُ في الشحنكية قد كانت بيننا هَنَات ومشاحنات، وما مشيتُ إليك إلا لأُزيل ما في خاطرك من الوهم، وأعرِّفَك أَنَّ ما في قلبي لك ما تكره، فطِبْ نَفْسًا وقَرَّ عَينًا، فالأَمْرُ أَمْرُكَ، والبَلَدُ بلدك.
قلت: ومشي صلاح الدين إلى دار كمال الدين من أحسن ما يسطر في السير، وهو دليلٌ على تواضعه وعفوه بعدما قدر، فيا طوبى لمن جاء بعده إن فكَّر واعتبر، وعرف قدر إنعام الله عليه فحمد وشكر، وأكثر الشعراء في أخذ صلاح الدين دمشق] (^١).
وقال سَبُع بن خَلَف الأَسَدي: [من البسيط]
لله أنتَ صلاحَ الدين من أَسَدٍ … أدنى فريستِهِ الأيامُ إنْ وَثَبا
رأيتَ جِلِّق ثغرًا لا نظير له … فجئتَها عامرًا منها الذي خَرِبا
نادتْكَ بالذُّلِّ لما قَلَّ ناصِرُها … وأَزْمعَ الخَلْقُ من أوطانها هَرَبا
أحييتها مِثْلَ ما أحييتَ مِصْرَ فقد … رَدَدْتَ من عَدْلها ما كان قد ذَهَبا
هذا الذي نصر الإسلام فاتَّضحتْ … سبيلُه وأهان الكُفْرَ والصُّلُبا
ويوم شاورَ والإيمانُ قد هُزِمَتْ … جيوشُه حيث كانَ الجَحْفَلَ اللَّجِبا
أَبَتْ له الضَّيمَ نفْسٌ مُرَّةٌ ويدٌ … فعَّالةٌ وفؤاد قطُّ ما وَجَبَا
يَسْتَكْثِرُ المَدْحَ يُتْلى في مكارمه … زُهدًا ويَستصغر الدُّنيا إذا وهَبَا
فهو الجوادُ ولكن لا يُقال كبا … وهو الحُسامُ ولكن لا يقالُ نَبَا
وهو الهِزَبْرُ ولكن لا يُقال طغا … وهو الضِّرامُ ولكن لا يُقال خَبَا
فأَنتَ إسكندرُ الدُّنيا ووارِثُها … فاقصدْ ملوكَ خُراسان وَدَعْ حَلَبا (^٢)
ثم إنَّ صلاحَ الدِّين أسكن أخاه سيف الإسلام طُغْتِكِين قلعة دمشق، ثم كَتَبَ إلى الملك الصالح [ابن نور الدين] (١) كتابًا يتواضع له فيه، ويخاطبه بمولانا وابنِ مولانا، ويقول: إنما جِئْتُ من مِصْر خدمةً لك لأؤدِّي بعض ما يجب من حقوق المخدوم
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) القصيدة في "خريدة القصر" قسم شعراء الشام: ١/ ٢٤٢ - ٢٤٤، وسبع بن خلف هو المعروف بوحيش الأسدي.
[ ٢١ / ٢٢٩ ]
المرحوم، فلا تسمع ممن حولك فتفسد أحوالك، [وتختل أمورك] (١)، وما قَصْدِي إلا جَمْعُ كلمةِ الإسلام على الفرنج.
فعرض كتابه على أرباب دولته، وفيهم خالد بن [محمّد] (١) القَيسَراني، وغِلْمان أبيه، وابن العَجَمي، فأشاروا عليه بأن يكاتبه بالغِلْظة، فكتَبَ إليه يُنكر عليه، وينسُبُه إلى كُفْران النعمة وجَحْدِ إحسانِ والده، ووعَدَه وتهدَّده، وبعثَ بالكتاب مع يَنَال بن حَسَّان صاحب مَنْبج، فأغلظ لصلاح الدِّين في الجواب، وقال: السُّيوف التي ملَّكَتْكَ مِصْر هي التي تَرُدُّك. وأشار إلى سيفه، فغَضِبَ صلاحُ الدِّين وقال: ويلك، والله لولا أنَّك رسولٌ لضربت عُنُقك، والله ما جِئْتُ إلى ها هنا شَرَهًا ولا طَمَعًا في الدُّنيا، وفي مِصْر كفايةٌ، وإنما جئتُ لاستنقذ هذا الصَّبيَّ من يد مثلك وأمثالك، فأنتم سببُ زوال دولته. ثم طرده بغير جواب، فعاد إلى حلب.
واستنابَ صلاحُ الدين بدمشق أخاه [سيف الإسلام ظهر الدين] (١) طُغْتكين، وسار إلى حِمْص، فأخذها، وفتح حماة، وسار إلى حلب، فاستغاثوا عليه بالإسماعيلية، وأعطوهم مالًا وضياعًا، فأرسلوا إليه جماعةً من فُتَّاكهم، ورآهم ناصر الدين خُمارتكين صاحب أبي قُبيس، فعرفهم، [لأنَّه كان مثاغرًا لهم] (١)، فأنكر عليهم مجيئهم، وسَبَقَ إلى خيمةِ صلاح الدِّين ليخبره، فأدركوه على باب الخيمة، فقتلوه، ثم أرادوا الهجوم على صلاح الدِّين، فجذبَ أمير جَنْداره سيف الدين طُغْريل السَّيفَ، وقتلَ واحدًا منهم، واجتمع الغِلْمانُ على الباقين، فقتلوهم.
ورحل صلاحُ الدِّين عن حلب في أول رجب، وجاء إلى حِمْص، ثم نازل بَعْلَبَكَّ، فأخذها في رمضان من الخادم يُمْن الرَّيحاني، ووصل عسكر المَوْصِل إلى حلب، وانضاف إليهم عسكرها، ونزلوا تلَّ السُّلْطان، فساق عليهم صلاحُ الدين وبَغَتَهُمْ، وكان مقدَّمهم عِزُّ الدِّين مسعود أخو سيف الدين غازي. فكسرهم كسرةً عظيمة، وانهزموا إلى حلب، وغَنِمَ أثقالهم وأَسَرَ أبطالهم، وجاء وحاصر حلب، وهذه هي المرة [الثَّانية، والمرة] (^١) الأولى من كسرة المواصلة.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٣٠ ]
ورجع صلاحُ الدِّين، فنازل حِصْن [بارين] (^١)، فأخذه من فخر الدِّين مسعود بن الزَّعْفَراني، وكان من أكابر أُمراء نور الدِّين، وأعطى مدينةَ حماة لخاله، وقيل: لابن خاله وصهره ابنِ شهاب الدِّين محمود، وأعطى حِمْص لناصر الدِّين محمّد بن شيركوه، وجاءته رُسُل حلب، واتَّفق الحال أن يكون بدمشق نائبًا عن الملك الصَّالح، فأجابهم، وشفع في بني الدَّاية، وقال: لابُدَّ منهم، فلهم علينا حقوقٌ أكيدة، فقالوا: نَعَمْ، وفارقوه على ذلك، وجاءته الخِلَع والتَّشريفات من الخليفة ولأَهْله، ولقِّب بالملك النَّاصر.
وفيها وصلتِ النَّبوية (^٢) من العراق في عشرة آلاف فارس وراجل، فنزلوا بُزَاعة والباب، فقتلوا ثلاثة عشر ألفًا من الإسماعيلية، وسبوا نساءهم وذراريهم، وعادوا إلى العراق، ومعهم الغنائم، والرؤوس على رماحهم، وعلى القصب عشرون ألف أُذُن.
وبعث صلاح الدين العساكر، فأغاروا على بلاد الإسماعيلية، وأحرقوا سَرْمين ومعرَّة مصرين و[ضياع] (١) جبل السُّمَّاق، وقتلوا مُعْظم أهله.
وفيها استخدم صلاحُ الدِّين العمادَ الكاتب؛ وسببه أَنَّه التقى الفاضل على حِمْص، ومدحه بأبياتٍ منها: [من الكامل]:
عاينتُ طَوْدَ سكينةٍ ورأيتُ شَمْ … ـسَ فضيلةٍ وَوَرَدْتُ بحرَ فواضِلِ
ورأيتُ سَحْبانَ البلاغةِ ساحبًا … ببيانه ذَيلَ الفَخَارِ لوائلِ
حِلْف الحصافة والفصاحة والسَّما … حةِ والحماسة والتُّقى والنَّائل
بحرٌ من الفَضْل الغزير خِضَمُّهُ … طامي العُباب وما لَهُ من ساحلِ
في كفِّه قَلَمٌ يعجِّلُ جَرْيُه … ما كان من أجلٍ ورِزْقٍ آجلِ
أبصرتُ قُسًّا في الفصاحة معجزًا … فعرفتُ أَنِّي في فهاهة باقِلِ
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) إخالها نسبة إلى النبي ﷺ، وهي فرقة ذكرها ابن جبير في "رحلته"، فقال: هم سنيون يدينون بالفتوة وأمور الرجولة كلها، وكل من ألحقوه بهم لخصلة يرونها فيه يحزمونه بالسراويل، فيلحق بهم .. وإذا أقسم أحد منهم بالفتوة بَرَّ قسمه، وهم يقتلون الروافض أينما وجدوهم، وشأنهم عجيب في الأنفة والائتلاف. انظر رحلة ابن جبير: ٣٥٣، وقد أخطأ محققه حين ظنها منسوبة إلى أبي البيان نبأ بن محمّد، فهذه فرقة صوفية لا علاقة لها بتلك.
[ ٢١ / ٢٣١ ]
من أبيات (^١).
فدخل الفاضل على صلاح الدِّين، وقال له: غدًا تأتيك تراجم الأعاجم، وما يحلُّها مثل العماد. فقال: ما لي عنك مندوحة، أنتَ كاتبي ووزيري، وقد رأيتُ على وجهك البركة، فإذا استكتبتُ غيرك تحدَّثَ النَّاس، فقال [الفاضل] (^٢): هذا يحلُّ التراجم، وربما أغيبُ أنا ولا أقدر على ملازمتك، فإذا غبتُ قام مقامي، وقد عرفتُ فَضْلَ العماد وخِدْمته للدَّولة النُّورية. فاسْتَكْتَبَه.
وفيها استوزر (^٣) سيفُ الدِّين غازي صاحبُ المَوْصِل جلال الدِّين أبا الحسن علي بن جمال الدين الوزير الأَصْبهاني، فظهر منه من الكفاية والنَّهْضة وحُسْن التدبير والكتابة ما لم يكن في أحد، وكان عمره خمسًا وعشرين سنة.
وفيها توفي أرسلان شاه (^٤) بن طغريل بن [محمَّد بن] (^٥) ملك شاه، وجلس بعده في المُلْك ولده طغرل شاه، وكان صغيرَ السِّنِّ، والذي تولى أمره محمَّد بن إلْدكز أتابك، ويلقب بالبهلوان، فأقام بهَمَذَان يدَبِّر الأمور، وبعث أخاه الغزلي، فاستولى على أَذْرَبيجان، وبعث البهلوان يطلب من الخليفة السَّلْطنة لطغرل، فطَرَدَ رسوله، ولم يلتفت إليه.