الشَّاعر الكلبي، ويقال له عَرْقلة، من حاضرة دمشق، [ذكره العماد في "الخريدة" وقال]: كان شيخًا خليعًا أعور، مطبوعًا كيِّسًا، لطيفًا ظريفًا منادمًا، واختصَّ بصلاح الدِّين، وله فيه قصائدُ كثيرة، وقيل: إنَّ وفاته تأخَّرت حتَّى أَخَذَ صلاحُ الدين دمشق.
[وله ديوان مشهور] (^٢)، ومن شعره وقد اقترح عليه مجير الدين أبق موازنة:
شَرِبْتُ من دِنانه … من كلِّ دَنٍّ قدحا
فقال: [من مجزوء الرجز]
من لي بساقٍ أغيدٍ … عِذارُه قد سنحا
كأنه بَدْرُ دُجًى … في كفِّه شمسُ ضُحى
ما زلتُ من مُدامِهِ … مُغْتبقًا مُصْطبحا
حتَّى غدوتُ لا أرى النُّـ … ـــدمان إلا شبحا
وقد عصيتُ في الهوى … من لامَ فيه ولحا
يا قلبُ كم تذكُرُه … لا بارحتك البُرَحا
هذا الَّذي تَعْشَقُه … كم قلبِ صَبٍّ جَرَحا
يا صاحِ يا صاح اسْقني … من راحتيك القَدَحا
واغتنمِ العيشَ فما … تُبْقي الليالي فَرَحا
كأنَّما البَدْرُ وقد … لاحَ لنا مُتَّضِحا
وجهُ مجيرِ الدِّين مَو … لانا إذا ما مُدِحا (^٣)
_________________
(١) له ترجمة في "خريدة القصر" قسم شعراء الشام: ١/ ١٧٨ - ٢٢٩، و"فوات الوفيات": ١/ ٣١٣ - ٣١٨، و"الوافي بالوفيات": ١١/ ٣٦٤ - ٣٦٨، و"النجوم الزاهرة": ٦/ ٦٤ - ٦٥، و"شذرات الذهب": ٤/ ٢٢٠، وقد طبع ديوانه بتحقيق أحمد الجندي، وصدر ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٧٠.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) الأبيات في "الخريدة": ١/ ١٩٣، وهي في "ديوانه": ١٨ - ١٩.
[ ٢١ / ١٧٤ ]
وقال يمدح شمسَ الدَّولة تورانشاه، وقد نزل دمشق في دار عَمِّه أسد الدين لما فتحت دمشق، وهذا يدلُّ على تأخُّر وفاته: [من الرجز]
قلتُ لحُسَّادِك زِيدُوا في الحَسَدْ … قد سَكَنَ الدَّارَ وقد جازَ البَلَدْ
لا تعجَبُوا إنْ حَلَّ دارَ عَمِّهِ … أما تَحُلُّ الشمسُ في بُرْجِ الأَسَدْ (^١)
وقال يمدح صلاح الدِّين: [من الخفيف]
أصبحَ المُلْكُ بعد آلِ عليٍّ … مُشْرقًا بالملوك من آل شاذي
وغدا الشَّرْقُ يحسدُ الغرب للمُلـ … ــك ومِصْرٌ تزهو على بغداذ
ما حواها إلا بَعَزْمٍ وحَزْمٍ … من صليل الفولاذ في الفولاذِ
لا كفِرْعَوْن والعزيز ومن كانَ … بها كالخَصِيبِ والأُستاذِ (^٢)
وكان صلاحُ الدِّين قد وعده إذا فتح مِصْر أن يعطيه ألفَ دينار، فلما فتحها قصده وامتدحه بأبيات منها: [من البسيط]
قُلْ للصَّلاح معيني عند إقتاري … يا ألفَ مولاي أينَ الألفُ دينارِ
أخشى من الأَسْرِ إنْ حاولتُ أرضكُمُ … وما تفي جَنَّةُ الفِرْدَوْس بالنَّارِ
فَجُدْ بها عاضديَّاتٍ موفَّرةً … من بعضِ ما خلَّف الطَّاغي أبو الطَّاري
حُمْرًا كأسيافكم غُبْرًا كخيلكُمُ … عُتْقًا ثقالًا كأعدائي وأطماري (^٣)
[قال] (٤): فأعطاه [صلاح الدين] (٤) من عنده ألف دينار، وأخذ له من إخوته مِثْلَها، فعاد إلى دمشق، فأدركه أجلُه بها [بعد سنة ست أو سبع وستين وخمس مئة] (^٤).
وقال في محبوب له أحول، ومَدَحَ في آخرها الوزير جمال الدين الموصلي: [من المنسرح]
يا لائمي هل رأيتَ أعجب من … ذي عَوَرٍ هائمٍ بذي حَوَلِ
أَقِلُّ في عينه ويكثر في … عيني بضدِّ القياسِ والمَثَلِ
_________________
(١) البيتان في "الخريدة": ١/ ٢٠٢، وهما في "ديوانه": ٣٦.
(٢) الأبيات في "الخريدة": ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤. وفي "ديوانه": ٣٧ - ٣٨.
(٣) الأبيات مع اختلاف في بعض الألفاظ في "الخريدة": ١/ ١٧٨ - ١٧٩، وهي في "ديوانه": ٤٩ - ٥٠، وانظر "كتاب الروضتين": ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٤) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٧٥ ]
ما آفتي غيرُ ورد وجنته … والوَرْدُ لا شك آفةُ الجُعَلِ
فلو رأتْ حُسْنَه فلاسفةٌ … لعوَّذته بعِلَّةِ العِلل
قد ذُقْتُ منه هجرًا أَمَرَّ من الصَّـ … ـــبرِ ووَصْلًا أحلى من العَسَلِ
أهوى تجنِّيه والصُّدودَ كما … يهوى المعالي محمَّدُ بنُ علي
محمّد خاتَمُ الكرام كما … سَمِيُّهُ كانَ خاتَمَ الرُّسلِ (^١)
وقال: [من الطويل]
يقولون لِمْ أَرْخَصْتَ شِعْرَك في الورى … فقلتُ لهم إذ ماتَ أهلُ المكارمِ
أُجازى على الشِّعْر الشّعير وإنَّه … كثيرٌ إذا خلَّصتُه من بهائمِ (^٢)
وقال: [من البسيط]
عندي إليكم من الأشواقِ والبُرَحا … ما صيَّر الجِسْمَ من بعد الضَّنا شبحا
أحبابنا لا تظنُوني سلوتُكُمُ … الحالُ ما حال والتَّبْريح ما بَرِحا
لو كان يسبح صَبٌّ في مدامعه … لكنتُ أَوَّلَ مَنْ في دمعه سَبَحا
أو كنت أعلمُ أنَّ البَيْنَ يقتلُني … ما بِنْتُ عنكُمْ ولكنْ فات ما ذُبِحا (^٣)
وقال: [من الكامل]
كَتَم الهوى فَوَشَتْ عليه دموعُهُ … مِنْ حَرِّ جَمْرٍ تحتويه ضلوعُهُ
صبٌّ، تشاغَلَ بالرَّبيعِ (^٤) وزَهْره … قومٌ، وفي وَجْه الحبيبِ ربيعُهُ
يا لائمي فيمن تمنَّعَ وَصْلُهُ … عن بُغْيتي أحلى الهوى ممنوعُهُ
كيفَ التخلُّصُ إنْ تجنَّى أوْ جنى … والحُسْنُ شيءٌ ما يُرَدُّ شفيعُهُ
شمسٌ ولكن في فؤادي حرُّها … بَدْرٌ ولكنْ في القلوب طلوعُهُ
قال العواذِلُ ما الَّذي استحسنتَهُ … فيه وما يَسْبيك قلتُ جميعُهُ (^٥)
_________________
(١) "الخريدة": ١/ ١٨٠ - ١٨١، "ديوانه": ٨٥ - ٨٦.
(٢) البيتان في "الخريدة" ١٨٢، و"ديوانه": ٩٤.
(٣) وهما في "الخريدة": ١/ ١٨٢، "ديوانه": ١٧ مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(٤) في النسخ الخطية: بالحبيب، والمثبت من "ديوانه" و"الخريدة"، وهو أصح.
(٥) الأبيات في "الخريدة": ١/ ١٨٣، و"ديوانه": ٥٨ - ٥٩ مع اختلاف في بعض الألفاظ.
[ ٢١ / ١٧٦ ]
وقال: [من الطويل]
تُرى عند مَنْ أَحْبَبْتُهُ لا عَدِمْتُهُ … من الشَّوق ما عندي وما أنا صانعُ
جميعي إذا حَدَّثْتُ عن ذاك ألسنٌ … وكلِّي إذا نُوجيتُ (^١) عنه مسامعُ (^٢)
وقال في ذم كتاب: [من الكامل]
وَصَلَ الكتابُ عدمت عشرَ أناملٍ … أَلَّفْنَ ما فيه من التَّضْمينِ
ما كان أشبهه وقد عايَنْتُهُ … بوثيقةٍ ظهرت على مَدْيونِ (^٣)
[وعرقلة هو القائل لما ولي صلاح الدين شحنكية دمشق: [من المتقارب]
رويدكم يا لصوص الشآم … فإني لكم ناصحٌ في مقالي
وقد ذكرناه.
وعرقلة هو القائل في وصف دمشق] (^٤): [من البسيط]
أما دمشقُ فجنَّاتٌ مُزَخْرَفَةٌ … للطَّالبين بها الولْدانُ والحُوْرُ
ما صاح فيها على أوتاره قَمَرٌ … إلا وغنَّاه قُمْرِيٌّ وشُحْرورُ
يا حبَّذا ودروعُ الماءِ تنسُجُها … أناملُ الرِّيح إلا أنَّها زُورُ (^٥)