ابن علي، أبو المعالي الكُتُبي الحَظِيري الحنفي.
والحَظيرة قرية بدُجَيْل [وقد ذكره الأئمة، وأثنوا عليه، فقال جدي في "المنتظم"] (١): كان فاضلًا، يقول الشِّعر [المليح والنَّثر الفصيح] (١)، وله رسائلُ ومدائح، وكان من الذَّكاء على غايةٍ، وتوفي في صفر، ودُفِنَ بباب حرب، وكان دلال الكتب ببغداد.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): ومات بدمشق في الشوال، وما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) "تاريخ ابن عساكر": ٤/ ٤٤٠.
(٤) "الخريدة": مج ١ / ج ٣/ ١٣٧.
(٥) له ترجمة في "المنتظم": ١٠/ ٢٤١ - ٢٤٢، "خريدة القصر" قسم شعراء العراق: مج ١ / ج ٤/ ٢٨ - ١٠٦، "معجم الأدباء": ١١/ ١٩٤ - ١٩٧، "وفيات الأعيان": ٢/ ٢٦٦ - ٣٦٨، "سير أعلام النبلاء": ٢٠/ ٥٨٠ - ٥٨١، و"الوافي بالوفيات": ١٥/ ١٦٩ - ١٧٠، و"النجوم الزاهرة": ٦/ ٦٨.
[ ٢١ / ١٩٠ ]
[هذا صورة ما ذكره جدي ﵀ (^١).
وذكره القاضي أبو المحاسن عمر بن علي القرشي في "تاريخه"، وقال: أبو المعالي الكتبي، وأثنى عليه ثناء كبيرًا، وقال: صحب أبا القاسم علي بن أفلح الشاعر مدَّة، واشتغل بالأدب حتى برع فيه، وفاق أهل زمانه، وقال الشعر، وتفقه على مذهب أبي حنيفة] (٢) وغلبت عليه الفكرة، فأحبَّ الخلوة، فخرج على قدم التجريد سائحًا، ورأى عجائب [من الدُّنيا] (^٢)، وجال في الأقطار، وحجَّ، وعاد إلى بغداد، وصنَّف الكتب: "لُمَح المُلَح" في الألغاز، و"زينة الدَّهر في شعراء العَصْر"، وغيرهما.
[وذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وسجع له، وقال: أنشدني أبياتًا في وصف العِذار أرق من الاعتذار، وذكر مقطعات من شعره، وكلامًا فاحشًا يدل على أنه كان خليعًا ظريفًا، وأنشدني له في الشيب] (^٣): [من الطويل]
بدا الشيب في فَوْدي فأقصَرَ باطلي … وأيقنت قطعًا بالمصير إلى قبري
أتطمَعُ في تسويد صُحْفي يدُ الصِّبا … وقد بيَّضَتْ كفُّ النُّهى حُسْبَةَ العُمْرِ (^٤)
وقال: [من المنسرح]
صُبْحُ مشيبي بدا وفارقني … ليلُ شبابي فصحتُ واقَلَقي
وصرتُ أبكي دمًا عليه ولا … بُدَّ لصُبْح المشيبِ من شَفَقِ (^٥)
وقال: [من الطويل]
أرى ذا النَّدى والطَّوْلِ يغتاله الرَّدى … ويُبقي الذي ما فيه طَوْلٌ ولا منُّ
كما الورد يبدو في الغصون وينقضي … سريعًا ويبقى الشَّوْكُ ما بقي الغُصْنُ (^٦)
وقال: [من الطويل]
_________________
(١) "المنتظم": ١٠/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في (ح): وقال في المشيب، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) "الخريدة": ٤/ ٤٣.
(٥) المصدر السالف.
(٦) "الخريدة": ٤/ ٤٤ - ٤٥.
[ ٢١ / ١٩١ ]
يقولون لا فَقْرٌ يدوم ولا غنى … وما كُرْبةٌ إلا سيتبعها كَشْفُ
ولستُ أرى فقري وضُري بمنقضٍ … كأني على هذين وحدهما وَقْف (^١)
وقال في خُطْبة كتاب "لُمَح المُلَح": هذا كتابٌ أَحكمتُ أُصوله، وأَبرمتُ فصوله، خدمتُ به خزانةَ إمام الزَّمان، وتالي القُرْآن، وصاحب القرآن، الإمام الأوَّاه، المقتفي لأمر الله، الذي لم يكن في خليقةٍ مِثْلَه خليفة، وكل طريقةٍ منه طريفة، فكم من قطرةٍ من سحابِ مبتدعاتِ كَلِمِه جمعتُها في قرار واديه، ودرّة من سحاب توقيعات قلمه رصَّعْتُها بين صغار لآليه، إمامٌ يواقيت مناقبه عالية عن مطمح مُشْتام، غالية على مطمع مستام، أعلق شهابَ العَدْل فتسعَّر لَفْحه، وأغلق بابَ الظُلْم فتعسَّرَ فتحه، واستقامتِ الأقاليم بأقلامه، واستغنت الأيامى في أيامه، وأحيا محيَّاه وارفةَ عَدْلِهِ.
[من الهزج]:
وذي زيغٍ أعدَّ له … فحين أتاه عدَّلَهُ
وجادله فجادله … فجدَّ له فجدَّ لَهُ
إمامٌ مَنْ تأمَّله … لكَشْفِ الضّر أَمَّلَهُ
يرى من نَسْلِ عَبَّاسٍ … طليق الكَفِّ مُرْسَلَهُ
ينحو الصَّواب قولًا وآراءً، ويصوِّب في الإباء طولًا وعطاء، جَمَعَ أشتات الفضائل، وقطع أسباب الرَّذائل، وأجار الأنام من جَوْر الأيام، وبلغ الأوطار، كم غاش لذكره عاشٍ إلى ضوء ناره، عاشٍ بمبارّه، فلا زالت رياض ناديه ممرعة الرُّوَّاد، وحياض أياديه مترعة للوُرَّاد، ما تثنى عود ورسا عمود، واهتزَّ عامل بُسْتان، واعتز عامل بسُلْطان، وحبست شياطين جوارحه الكائدة استسلامًا، وحبست سلاطين جوارحه الصائدة آثامًا، كمن كَرَعَ في رياض المني صاديًا، ورتع في غياض الهوى متماديًا.
_________________
(١) "الخريدة": ٤/ ٤٥ مع اختلاف في بعض الألفاظ. وفي (م) انتهت ترجمته، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. تم الجزء الثالث عشر من "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان" لابن الجوزي قدس الله روحه ونور ضريحه، ووافق الفراغ من نسخه في العشر الآخر من رجب الفرد سنة خمس وثلاثين وسبع مئة على يد العبد الفقير إلى الله تعالى المعترف بالتقصير إبراهيم بن عبد العزيز، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين، يتلوه إن شاء الله تعالى في الجزء الرابع عشر "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان" السنة التاسعة والستون وخمس مئة.
[ ٢١ / ١٩٢ ]