ابن الحسَن، أبو الفَتْح النَّاسخ الحَنْبلي، ويعرف بابن الحدَّاد [إمام المسجد الذي بين العقد والبدرية ببغداد ذكره جدي في "المنتظم"، وقال] (^٢): ولد سنة سبع وتسعين وأربع مئة، وحَفِظَ القرآن، وتفقَّه وأفتى وناظر، لكنه قرأ الشِّفاء [لابن سينا] (٢)، وكُتُبَ الفلاسفة، فتغيَّر اعتقاده، وكان يَبْدُرُ من فَلَتَات لسانه ما يدلُّ على [سوء عقيدته، وتارة يسقِّف من جِنْس ابن الرَّاوندي] (^٣)، وتارةً يشير إلى عدم بَعْثِ الأجساد، وتارةً يعترض على القضاء والقدر. [قال: وقال لي يومًا: أنا لا أخاصم إلا مَنْ فوق الفلك.
وقال: ما أدري من أين جئنا، ولا إلى مطبق يريدون أن يحملونا إليه] (٢).
ومن شعره: [من البسيط]
واحيرتا مِنْ وجودٍ ما تقدَّمنا … فيه اختيارٌ ولا عِلْمٌ فَنَقْتَبِسُ
ونحن في ظُلُماتٍ ما لها قَمَرٌ … يضيءُ فيها ولا شمسٌ ولا قَبَسُ
مدلَّهينَ حيارى قد تكنَّفَنا … جهلٌ تجهَّمنا في وَجْهه عَبَسُ
فالفِعْلُ فيه بلا ريبٍ ولا عَمَلٍ … والقولُ فيه كلامٌ كلُّه هَوَسُ
وقال: [من الطويل]
نظرتُ بعينِ القَلْبِ ما صَنَعَ الدَّهْرُ … فألفَيتُه غِرًّا وليس له خُبْرُ
_________________
(١) له ترجمة في "المنتظم": ١٠/ ٢٧٦، "صيد الخاطر": ٢٣٩، و"الكامل": ١١/ ١٨٣، "المختصر المحتاج إليه": ٢/ ١٠٩، و"الوافي بالوفيات": ١٦/ ٢٩٢، و"ذيل طبقات الحنابلة" ١/ ٣٣٩، "سير أعلام النبلاء": ٢١/ ٦٦ - ٦٧، وفيه تتمة مصادر ترجمته. وقد نقل ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" ما يفيد أن ثمة عداوة بين ابن الجوزي وصدقة بن الحسين أطلقت لسان أحدهما في الآخر، وقد نقل ثناء ابن النجار عن تآليفه، والله أعلم.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في (ح): ما يدل على ذلك، وتارة يسقف وتارة يشير إلى …، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٥٠ ]
فنحن سُدًى فيه بغير سياسةٍ … نروحُ ونَغْدُو قد تكنَّفنا الشَّرُّ
فلا من يحلُّ الزِّيج وهو منجِّمٌ … ولا مَنْ عليه ينزل الوَحْيُ والذِّكْرُ
يحلُّ لنا ما نحن فيه فنهتدي … وهل يهتدي قومٌ أضلَّهم السُّكْرُ
عمًى في عمى في ظُلْمةٍ فوق ظُلْمةٍ … تراكُمها من دونه يعجز الصَّبْرُ
وقال: [من الرمل]
لا توَّطنْها فليست بمقامِ … واجْتَنِبْها فَهْيَ دارُ الإنتقامِ
أتراها صَنْعَةً من صانع … أم تُراها رميةً من غيرِ رامِ
[وله أشعار من هذا الجنس مذمومة.
قال جدي: فلما تحقق هذا عندي هجرته سنين، ولما مات لم أصلِّ عليه، ومع هذه الفواحش والاعتقاد السيء، (^١) كان يُظْهر الفقر، ويطلب من الناس، فلما مات وجدوا له ثلاث مئة دينار، ومات في ربيع الآخر، ودُفِنَ بباب حرب.
ورآه أبو بكر الدَّلال في المنام وهو عُرْيان، فقال له: ما فَعَلَ الله بك؟ فقال: قلتُ له: اغفرْ لي، فقال: ما أريد أَنْ أغفر لك.
[هذه (^٢) صورة ما حكى جدي في "المنتظم" (^٣).
وحكى شيخنا عبد الوهّاب بن بُزْغُش المقرئ (^٤)، وكان جاره، قال: دخلت عليه يومًا في أيام الفتنة في بغداد، فرعدت الدنيا رعدًا مزعجًا، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: خباط في الأرض، وخباط في السماء!
قال: وكانت قد سقطت أسنانه، وسخَّر الله له بعضَ الأكابر، فكان يبعث له الدَّجاج والطعام، فكان يقول: قتلني في أول عمري بالفقر والجوع، ويبعث لي في آخر عمري الدجاج، وقد أخذ أسناني، فما أقدر أن آكل!
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): "وقال عبد الوهاب بن بزغش، قال لي صدقة يومًا: يا فلان" والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) "المنتظم": ١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٨.
(٤) هو ختن ابن الجوزي، وقد توفي سنة (٦١٢ هـ)، انظر ترجمته في "توضيح المشتبه": ٦/ ١٦٢، ٩/ ٢١٢ - ٢١٣، و"التكملة" للمنذري: ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
[ ٢١ / ٢٥١ ]
قال: وقال لي يومًا]: يا فلان، ما ترى هؤلاء أصحابنا الفَعَلة الصَّنَعة -يشير إلى الحنابلة- أنا بينهم أموت بالجوع ما يطعمني أحدٌ لقمة، فإذا متُّ غدًا، شدُّوا تابوتي بالحبال، وصاحوا: هذي رايات الصَّالحين. فقلتُ له: طَيِّبْ قلبك، ما يفعلوا بك هذا أبدًا. فقال: أنتَ أيضًا من الحمير.
[قال: وكان يحسد جدِّي، وكانت بنفشا جارية الخليفة تعلم ذلك، فكانت تغيظه، بعثت إليه يومًا خادمًا، ومعه طبق مغطى بمنديل دبيقي (^١)، فوضعه بين يديه، فظن أن فيه حلاوة، فكشفه، وإذا بقدح من زجاج فيه ماء، فقال الخادم: الجهة تقول لك: هذا ماء من بئر وقعت فيه فأرة، فانظر هل هو طاهر أم نجس؟ فشتم الجهة، وقال: الخِلَع والحلاوات والمال إلى ابن الجوزي، وصدقة يُسأل عن الماء النجس؟! فأبلغها الخادم، فضحكت، وبعثت له شيئًا] (^٢).