[أبو] (^١) محمد، الجِيلي (^٢).
[ذكره جدِّي في "المنتظم"، وقال] (١): ولد سنة سبعين وأربع مئة، ودخل بغداد، [فسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سُوسَن التمَّار، وأبي القاسم علي بن أحمد بن بيان، وأبي طالب بن يوسف] (^٣)، وتفقه على أبي سَعْد المُخَرِّمي، وكان أبو سَعْد قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأَزَج، وفُوِّضَتْ إلى الشيخ عبد القادر، فتكلَّم على النَّاس [بلسان] (١) الوعظ، وظهر له صيتٌ بالزُّهد، وكان ذا صَمْتٍ وسَمْتٍ، فضاقت مدرسته بالنَّاس، فكان يجلس عند سور بغداد بباب الحَلْبة، مستندًا إلى الرِّباط، ويتوب عنده في المجلس خَلْقٌ كثير، فَعُمِّرت المدرسة ووسِّعت [وتعصَّبَ له العوام] (١)، وأقام في مدرسته يدرِّس ويعظ إلى أن توفي ليلة السبت ثامن ربيع الآخر، ودُفن في الليل في مدرسته، وقد بلغ تسعين سنة، [هذا صورة ما ذكره جدِّي ﵀ (^٤).
قلت] (١): صحب (^٥) حمَّادًا الدَّبَّاسَ (^٦)، ومنه اكتسب علوم المعاملات والحقائق، وكان سكوتُه أكثرَ من كلامه، وكان يتكلَّم على الخواطر، [فظهر له صيت عظيم وقبول تام] (^٧)، وما كان يخرج من مدرسته إلَّا يوم الجُمُعة إلى الجامع، أو إلى الرِّباط، وتاب على يده معظمُ أهل بغداد، وأسْلَم معظمُ اليهود والنَّصارى، وما كان أحدٌ يراه إلَّا في
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) له ترجمة في "الأنساب": ٣/ ٤١٥، "المنتظم": ١٠/ ٢١٩، و"مناقب الإمام أحمد": ٦٤٠، و"الكامل": ١١/ ٣٢٣، "بهجة الأسرار في مناقب سيدي عبد القادر" للشطنوفي، "المختصر في أخبار البشر": ٣/ ٤٣، "ذيل طبقات الحنابلة": ٣/ ٢٩٠ - ٣٠١، "الوافي بالوفيات": ١٩/ ٣٨ - ٤٠، "سير أعلام النبلاء": ٢٠/ ٤٣٩ - ٤٥١، وفيه تتمة مصادر ترجمته.
(٣) في (ح): وسمع الحديث وتفقه، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) "المنتظم": ١٠/ ٢١٩.
(٥) في (ح): وصحب، والمثبت من (م) و(ش).
(٦) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٥٢٥ هـ).
(٧) في (ح): وله قبول تام، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٧٧ ]
أوقات الصَّلاة، وكان يَصْدع بالحقِّ على المنبر، وينكر على من يولِّي الظَّلَمة [على النَّاس] (١)، ولما ولَّى المقتفي القاضي ابن المُرَخِّم [الظالم] (^١)، قال على المنبر: ولَّيتَ على المُسْلمين أَظْلَمَ الظَّالمين، ما جوابك غدًا عند ربِّ العالمين.
وكان له كرامات ظاهرة، [ولقد أدركتُ جماعةً من مشايخنا يحكون منها جملة، حكى لي خالي لأمي، وكان اسمه خاصْبَك، قال:] (^٢) كان الشيخ عبد القادر يجلس يوم الأحد [فَنمتُ ليلة الأحد] (١) مهتمًا بحضور مجلسه، فاتَّفقَ أنني احتلمْتُ، وكان ليلةً باردة، فقلتُ: ما أفوِّتُ مجلسه، وإذا انقضى المجلس اغتسلتُ، فجئتهُ إلى المدرسة، والشَّيخ على المنبر، فساعة وَقَعَتْ عينُه عليَّ قال: يا دبير، تحضرُ مجلسَنا وأنتَ جُنُبٌ وتحتجُّ بالبرد!.
قال المصنِّفُ ﵀: حكى لي رجلٌ صالح من أهل الحَرْبية يقال له مُظَفَّر، قال: كنتُ ليلة الأحد أنام في مدرسة الشَّيخ عبد القادر لأجل المجلس [قال] (١): فمضيتُ ليلةً، وصَعِدْتُ على سطوح المدرسة، وكان الحَرُّ شديدًا، فاشتهيتُ الرُّطَب، وقلتُ: إلهي ولو أنها خمس رطبات. وكان للشيخ بابٌ صغير في السطوح، فَفُتح الباب، وخرج الشَّيخ وبيده خمس رطبات، وصاح: يا مظفر -وما يعرفني قبلها-: تعال خُذْ ما طلبتَ.
[ومن هذا شيء كثير] (١).
وكان ابنُ يونس وزير النَّاصر (^٣) قد قَصَدَ أولادَ الشيخ عبد القادر، وبدَّدَ شملهم [وفَعَل في حَقِّهم كل قبيح، ونفاهم إلى واسط] (١)، فبدَّد الله شَمْلَه، ومزَّقه كلَّ ممزَّق، ومات أقبح موتة، [وسنذكره في موضعه] (١).
وكان الشيخ [عبد القادر] (١) قد لبس خرقة المشايخ من أبي سَعْد المُخَرِّمي، ولبس المُخَرِّمي من أبي الحسن علي بن محمد القُرَشي، ولبس القرشي من أبي الفرج الطَّرسوسي، [ولبس الطرسوسي] (١) من أبي الفَضْل عبد الواحد التَّميمي، ولبس
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): وكان له كرامات ظاهرة، قال خاصبك: والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في (م) و(ش): وكان وزير الإمام الناصر، يقال له: ابن يونس الحنبلي.
[ ٢١ / ٧٨ ]
التميمي من والده عبد العزيز، ولبس عبد العزيز من أبي بكر الشِّبْلي، ولبس الشِّبْلي من أبي القاسم الجُنيد، ولبس الجنيد من خاله سَرِيّ السَّقَطي، ولبس سَرِيّ من معروف الكَرْخي، ولبس معروف من داود الطَّائي، ولبس داود من حبيب العَجَمي، ولبس حبيب من الحَسَن البَصْري، ولبس البَصْري من عليِّ بن أبي طالب ﵇.
وللخِرْقة طريقٌ آخر إلى عليِّ بن موسى الرِّضا، ولا يثبت سنده مثل الحديث، وإنما المعتبر فيها الصُّحبة.
[وقد ذكرنا تاريخ وفاته، وأنه] (^١) دُفِنَ ليلًا من كثرة الزِّحام، فإنَّه لم يبقَ ببغداد أحدٌ إلَّا وجاء إلى باب الأَزَج، وامتلأتِ الحَلْبة والشَّوارع والأسواق والدُّروب، فلم يتمكَّنوا من دفنه في النَّهار، وتوفي وله اثنتان وتسعون سنة.
ذِكْرُ أولاده:
[وكان له] (٢) جماعة من الولد: عبد الوَهَّاب، وعبد الرَّزَّاق، وعبد العزيز، وسليمان، وإبراهيم، وغيرهم، [وسنذكرهم في مواضعهم] (^٢).
قلتُ (^٣): هذا حاصل ما ذكر المصنف ﵀ في ترجمته، والعجبُ منه، فإنَّه يذكر من لا يلحق بأصاغر أصحابه، ويبسط القول، ويذكر من المناقب والأقوال ما ينبِّه به على محل الشخص، ولعله اكتفى بشهرة سيدنا الشَّيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فاخْتَصَر، وسلك أسلوبَ جدِّه الشيخ جمال الدين أبي الفَرَج ﵀، فإنَّه ذكره في "مناقب الإمام أحمد" (^٤) رحمة الله عليه، ذكر فيه المختارين من الطبقة الثَّامنة من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وأتباعه، فقال: عبد القادر بن أبي صالح الجِيلي، تفقَّه على أبي سَعْد المُخَرِّمي، وسَمِعَ الحديث، ثم لازم الانقطاع عن النَّاس في مدرسته، متشاغلًا بالتدريس والتذكير، وبلغ من العمر تسعين سنة، وتوفي في ليلة السبت ثامن ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مئة، ودفن في مدرسته.
_________________
(١) في (ح): ولما توفي دفن ليلًا، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) القائل هو القطب اليونيني مختصر "مرآة الزمان".
(٤) المناقب: ٦٤٠.
[ ٢١ / ٧٩ ]
هذا صورةُ ما ذكر لا غير، وسأذكر شيئًا من أحواله على وَجْه الاختصار، فإنَّ مناقبه أكثر من أن تحصر، فأقول: هو سَيِّدُنا شيخ الإسلام، تاجُ العارفين، محيي الدِّين، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى بن عبد الله بن يحيى الزَّاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵃ أجمعين - الهاشمي العَلَوي الحَسَني الجِيلي الحَنْبلي؛ سِبْط أبي عبد الله الصَّوْمعي الزاهد، وبه كان يعرف حيث كان بجِيلان، وأمه أم الخير أَمَة الجبَّار فاطمة بنت أبي عبد الله الصَّومعي، وكان لها حَظٌّ وافرٌ من الخير والصَّلاح.
ولد ﵁ سنةَ سبعين وأربع مئة، قال ولده عبدُ الرَّزَّاق: سألتُ والدي عن مولده، فقال: لا أعلمه حقيقةً، لكني قَدِمْتُ بغداد في السَّنة التي مات فيها التَّميمي، وعمري إذ ذاك ثماني عشر سنة، والتميمي توفي سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة.
وقال أبو سَعْد الهاشمي الجِيلي، وأم الخير سعدى بنت أبي البَسَّام الجيلية: كان لأُمِّ الخير أَمَة الجَبَّار أُم الشيخ عبد القادر ﵁ قَدَمٌ في هذا الأمر، وسمعناها تقول غير مرَّة: لما وضعتُ ابني عبد القادر كان لا يرضع ثديه في نهار شهر رمضان، وغُمَّ على النَّاس هلالُ شهر رمضان، فأتوني وسألوني عنه، فقلتُ: لم يلقم اليوم ثديًا، ثم اتَّضح أنَّ ذلك اليوم كان من رمضان، واشتَهر ببلدنا في ذلك الوقت أنه وُلدَ للأشراف ولدٌ لا يرضع في نهار رمضان.
وقال الشيخ الإمام موفق الدِّين ﵀: كان شيخُنا محيي الدِّين عبد القادر ﵀، نحيفَ البدن، رَبْعَ القامة، عريضَ الصَّدْر واللِّحية، طويلها، أسمر، مقرون الحاجبين، حفيًّا، ذا صوتٍ جَهْوَرِي، وسَمْتٍ بهيٍّ، وقَدْبىرٍ عليٍّ، وعِلْمٍ وفيٍّ، ﵁.
وقال إبراهيم بن سعيد الدَّاري: كان شيخُنا عبد القادر ﵁ يَلْبَسُ لباس العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة، وتُرفع الغاشية بين يديه، ويتكلَّم على كُرْسي عالٍ، وكان في كلامه سرعة وجَهْر، وله كلمةٌ مسموعة، إذا قال أُنْصِتَ له، وإذا أمر ابْتُدِر لأمره، وإذا رآه ذو القلب القاسي خَشَع، وإذا مرَّ إلى الجامع يوم الجمعة وقف النَّاس في الأسواق يسألون الله تعالى به حوائجهم، وكان له صيتٌ وصوت، وسَمْت وصمت، ولقد عَطَسَ
[ ٢١ / ٨٠ ]
يوم جمعة، فشمَّته النَّاس حتى سُمِعَتْ في الجامع ضجَّةٌ عظيمة يقولون: يرحمك الله، ويرحم بك. وكان المستنجد بالله الخليفة في مقصورة الجامع، فقال: ما هذه الضَّجة؟ قيل له: قد عَطَسَ الشيخ عبد القادر. فهاله ذلك.
وقال الشيخ المعمَّر جرادة: ما رأتْ عيناي أَحْسَنَ خُلُقًا ولا أَوْسَعَ صَدْرًا، ولا أَكرمَ نفسًا، ولا أعطف قلبًا، ولا أحفظ عهدًا وودًّا من سيِّدنا الشيخ عبد القادر، ولقد كان مع جلالة قَدْره، وعلوِّ منزلته، وسَعَة عِلْمه يقف مع الصَّغير، ويوقِّر الكبير، ويبدأ بالسَّلام، ويجالس الضُّعفاء، ويتواضع للفُقَراء، وما قام لأحدٍ من العظماء ولا الأعيان، ولا أَلَمَّ ببابِ وزير قَطُّ ولا سلْطان.
وحكى محمَّد بن الخضر، عن أبيه، قال: خدمتُ سَيِّدي الشيخ عبد القادر ثلاث عشرة سنة، فما رأيتُه فيها يتمخط ولا يتنخَّع، ولا قعدت عليه ذُبابة، ولا قام لأحدٍ من العظماء، ولا أَلَمَّ ببابِ ذي سُلطان، ولا جَلَسَ على بساطه، ولا أكل من طعامه إلَّا مرَّة واحدة، وكان يرى الجلوسَ على بساط الملوك ومن يليهم من العقوبات المعجَّلة. وكان يأتيه الخليفة أو الوزير أو من له الحُرْمة الوافية وهو جالسٌ، فيقوم ويدخل داره، فإذا جلس خَرَج الشيخ ﵁ من داره لئلا يقوم لهم، وإنَّه ليكلِّمَهم الكلام الخشِن، ويبالغ لهم في العِظَة، وهم يقبِّلُون يده، ويجلسون بين يديه متواضعين متصاغرين. وكان إذا كاتَبَ الخليفةَ يكتب إليه: عبد القادر يأمرك بكذا، وأمره نافِذٌ عليك، وطاعتك واجبة عليه، وهو لك قُدْوة وعليك حُجَّة. فإذا وقف الخليفة على ورقته قَبَّلها، وقال: صَدَقَ الشيخ.
وقال الشيخ محمد بن قائد الأَوَاني - وسيأتي ذكره في هذا الكتاب -: كنتُ عند سيدنا عبد القادر ﵁، فسأله سائل: علامَ بنيت أمرك؟ قال: على الصدْق، ما كذبتُ قَطُّ، ولا لما كنتُ في المكتب، ثم قال: كنتُ صغيرًا في بلدنا، فخرجتُ إلى السَّواد في يوم عَرَفة، وتبعت بقرًا حَرَّاثة، فالتفتتْ إليَّ بقرة، وقالت لي: يا عبد القادر، ما لهذا خُلِقْتَ، ولا بهذا أُمرتَ. فرجعتُ فَزِعًا إلى دارنا، وصَعِدْتُ إلى سطح الدَّار، فرأيتُ النَّاس واقفين بعرفات، فجِئْتُ إلى أُمي، وقلتُ لها: هبيني لله ﷿، وَأْذني لي في المسير إلى بغداد أشتغل بالعِلْم، وأزور الصَّالحين. فسألتني عن سبب ذلكَ؟ فأخبرتُها
[ ٢١ / ٨١ ]
خبري، فبكَتْ وقامتْ إلى ثمانين دينارًا ركنية، وَرَّثَها أبي، فتركتْ لأخي أربعين دينارًا، وخاطت في دَلَقي تحت إِبْطي أربعين دينارًا، وأَذِنَتْ لي في المسير، وعاهدتني على الصِّدْق في كلِّ أحوالي، وخرجتْ مودِّعة لي، وقالت: يا ولدي، اذهَبْ فقد خَرَجْتُ عنك لله ﷿، فهذا وَجْه لا أراه إلى يوم القيامة. فسرتُ مع قافلةٍ صغيرة نطلبُ بغداد، فلما تجاوزنا هَمَذان، وكُنَّا بأرض برتيك خَرَج علينا ستون فارسًا، فأخذوا القافلة، ولم يتعرَّض لي أحد، فاجتاز بي أحدهم، وقال: يا فقير، ما معك؟ فقلتُ: أربعون دينارًا، فقال: وأين هي؟ قلتُ: مخاطة في دَلَقي تحت إِبْطي. فظنني أستهزئ منه، فتركني وانصرف. ومرَّ بي آخر، فقال لي مِثْلَ ما قال الأَوَّل، وأجبته كجواب الأول. فتركني وانصرف، وتوافيا عند مقدَّمهم، وأخبراه بما سمعاه مني، فقال: عليَّ به، فأُتي بي إليه، وإذا هم على تلٍّ يقتسمون أموال القافلة، فقال لي: ما معك؟ قلتُ: أربعون دينارًا، فقال: وأين هي؟ قلتُ: مخاطة في دَلَقي تحت إبْطي. فأمر بدَلَقي فَفُتِقَ، فوجد فيه الأربعين دينارًا، فقال لي: ما حَمَلَك على هذا الاعتراف؟ قلت: إنَّ أمي عاهدتني على الصِّدْق، فأنا لا أخون عهدها. فبكى، وقال: أنتَ لم تَخُنْ عهدَ أُمِّك، وأنا اليوم كذا وكذا سنة أخون عهد ربي. فتاب على يدي، فقال له أصحابه: أنتَ كنتَ مقدَّمنا في قَطْع الطَّريق، وأنتَ الآن مقدَّمنا في التوبة. فتابوا كلُّهم على يدي، وردُّوا على القافلة ما أخذوا منهم، فهم أول من تاب على يدي.
وقال سيدنا الشيخ محيي الدين رحمة الله عليه: بلغتْ بي الضَّائقة في غلاءٍ نَزَلَ ببغداد، إلى أَنْ بقيت أيامًا لم آكل فيها طعامًا، بل كنت أتَّبعُ المنبوذات أَطْعَمُها، فخرجتُ يومًا من شِدَّة الجوع إلى الشَّطِّ لعلِّي أجد وَرَقَ الخسِّ أو البَقْل أو غير ذلك من المنبوذات، فأتقوتُه، فما ذهبتُ إلى موضعٍ إلَّا وجدت غيري قد سبقني إليه، وإنْ أدركتُ شيئًا وجدتُ جماعةً من الفقراء، ولا أستحسن مزاحمتهم عليه، فرجعتُ أمشي وسط البلد، فلا أدرك موضعًا قد كان فيه شيء منبوذ إلَّا وقد سُبِقْتُ إليه، حتى وصلتُ إلى مسجد في سوق الريحانيين وقد أجهدني الجوع، وعَجَزْتُ عن التَّماسك، فدخلتُ إليه، وقعدتُ في جانبٍ منه، وقد كدت أُصافح الموت، إذْ دَخَلَ شابٌّ عجمي ومعه خبز رصافي وشواء، وجلس يأكل، فكنتُ أكاد كلَّما رَفَعَ يده باللُّقْمة أفتح فمي من شِدَّة
[ ٢١ / ٨٢ ]
الجوع، حتى أنكرتُ على نفسي، وقلت: ما هذا؟ ما ها هنا إلَّا الله، أو ما قضاه من الموت، إذ التفت العجمي إليَّ فرآني، فقال: بسم الله يا أخي، فأبيتُ عليه، فأقسم عليَّ، فبادرَتْ نفسي إلى إجابته، فأكلتُ مقصرًا، وأخذ يسألني: ما شُغْلُك؟ ومِنْ أين أنت؟ ومن تعرف؟ فقلتُ: أما شغلي فمتفقِّه، وأما مِنْ أين أنا؟ فمن جِيلان. فقال لي: فأنا أيضًا جِيلاني، فهل تعرف لي شابًّا جِيلانيًّا يسمَّى عبد القادر، ويعرف بسِبْط أبي عبد الله الصَّوْمعي الزَّاهد؟ فقلتُ: أنا هو. فاضطربَ لذلك، وتغيَّر وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلتُ بغداد ومعي بقيةُ نفقةٍ لي، فسألتُ عنك، فلم يرشدني أحدٌ إلى أن نَفِدَتْ نفقتي، وبقيتُ بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلَّا مما لك معي، فلما كان هذا اليوم الرَّابع، قلتُ: قد تجاوزتني ثلاثةُ أيامٍ لم آكل فيها طعامًا، وقد أَحَلَّ لي الشَّرْعُ أَكْلَ الميتة، فأخذتُ من وديعتك من هذا الخُبْز والشِّواء، فَكُلْ طَيّبًا، فإنَّما هو لك، وأنا ضيفُك الآن بعد أن كان في الظَّاهر لي وأنت ضيفي. فقلتُ: وما ذاك؟ فقال: إنَّ أمك وجَّهت لك معي ثمانية دنانير، فاشتريتُ منها هذا الطَّعام، وأنا معتذر إليك من خيانتي لك مع فُسحة الشَّرْع لي في بعض ذلك، فسكَّنْتُه وطيَّبْتُ من نفسه، وفَضَلَ من طعامنا ما دفعته إليه مع شيء من الذَّهب، فقَبِلَه، وانصرف.
وقال عبد الله السُّلمي: سمعت سيِّدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه يقول: بقيتُ أيامًا لم أستطعم فيها بطعام، فبينا أنا في باب محلَّة القطيعة الشَّرْقية؛ وإذا رجلٌ قد جعل في يدي قرطاسة مصرورة وانصرف، فأقبلتُ حتى دفعته لبعض البقَّالين، وأخذتُ منه خبز سعيد وخبيصًا (^١)، وجئتُ إلى مسجدٍ مُفْرد كنتُ أخلو فيه لإعادة الدَّرْس، وتركتُ ذلك في القِبْلة بين يديَّ، وأخذتُ أفكر: هل آكل أم لا؟ فلمحت قِرْطاسًا مطويًّا في خَلَلِ الحائط، فتناولتُه، فإذا فيه مكتوب: قال الله تعالى في بعض كُتُبه السَّالفة: ما للأقوياء والشَّهوات، إنَّما جُعِلَتِ الشهواتُ لضعفاء المساكين المؤمنين ليستعينوا بها على الطَّاعات. قال: فأخذتُ المنديل، وتركتُ ما كان فيه في القبلة، وصلَّيتُ ركعتين، وانصرفْتُ.
وقال الشيخ طلحة بن مُظَفَّر العَلْثي: قال شيخنا عبد القادر: أقمتُ ببغداد في بدوِّ أمري عشرين يومًا ما أجد ما أقتاتُ به، ولا أجد مباحًا، فخرجتُ إلى خراب إيوان
_________________
(١) الخبيص: وهو المعمول من التَّمرِ والسَّمنِ، القاموس المحيط (خبص).
[ ٢١ / ٨٣ ]
كسرى أطلبُ مباحًا، فوجدتُ هنالك سبعين رجلًا من الأولياء كلهم يطلب ما طلبت، فقلتُ: من المروءة أنْ أُزاحمهم؟! فرجعتُ إلى بغداد، فلقيني رجلٌ أعرفه من بلد أهلي، فأعطاني قُراضة (^١)، وقال: هذه بعثتْ بها أُمُّك إليك معي، فأخذتُ منها قطعة تركتها لنفسي، وأسْرعتُ بالباقي إلى خراب الإيوان، وفرَّقت القُراضة كلَّها على أولئك السبعين، فقالوا لي؟ ما هذا؟ قلتُ؟ إنَّه قد جاءني هذا من عند أمي، وما رأيتُ أن أتخصص به دونكم. ثم رجعتُ إلى بغداد، واشتريتُ بالقطعة التي معي طعامًا، وناديت فقراء، فأكلنا جميعًا، ولم يبت معي من القُراضة شيء.
وقال أبو عبد الله النجار: قال لي سيِّدنا الشيخ عبد القادر: تَرِدُ عليَّ الأثقالُ الكبيرة لو وُضِعَتْ على الجبال تفسَّخت، فإذا كثرت عليَّ وضعتُ جنبي على الأرض، وقلتُ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] ثُمَّ أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال.
وقال لي: كنتُ أشتغلُ بالفِقْه على المشايخ، وأخرج إلى الصَّحراء، ولا آوي في بغداد، وأجلس في الخراب باللَّيل والنَّهار، وكنتُ ألبس جُبَّة صوفٍ، وعلى رأسي خُريقة، وكنتُ أمشي حافيًا في الشَّوك وغيره، وأقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البَقْل، وورق الخسِّ من جانب النَّهر والشَّطِّ، وما هالني شيء إلَّا سلكته.
وقال لي: كنتُ آخذ نفسي بالمجاهدة حتى طَرَقني من الله ﷿ الحال، فكان يَطْرُقني بالليل والنهار وأنا في الصَّحراء، فأصرخ وأهجُّ (^٢) على وجهي، وما كنتُ أعرف إلَّا بالتخارس والجنون، وحُمِلْتُ إلى البيمارَسْتان، وطرقتني الأحوال حتى متُّ، وجاؤوا بالكفن والغاسل، وجعلوني على المغتسل ليغسلوني، ثم سُرِّي عني وقمتُ.
وقال الجُبَّائي: قال لي سيدنا الشيخ عبد القادر: أتمنى أن أكون في الصَّحارى والبراري كما كنتُ في الأوَّل، لا أرى الخَلْق ولا يروني، ثم قال: أراد الله ﷿ مني منفعة الخلق، فإنَّه قد أسلم على يدي أكثر من خمس مئة من اليهود والنَّصارى، وتاب على يدي من العَيَّارين والمشالحة وقُطَّاع الطُّرُق أكثر من مئة ألف، وهذا خيرٌ كثير.
_________________
(١) القراضة: ما سقط بالقرض، ومنه قراضة الذهب. انظر "معجم متن اللغة": ٤/ ٥٣٦.
(٢) كلمة عامية بمعنى أهيم، ولها أصل فصيح، انظر "قاموس رد العامي إلى الفصيح": ٥٦٩.
[ ٢١ / ٨٤ ]
وقال عمر الكميماثي: لم تكن مجالس سيِّدنا الشيخ عبد القادر تخلو ممن يسلم من اليهود والنصارى، ولا ممن يتوب عن قَطْع الطَّريق، وقَتْل النَّفْس، وغير ذلك من الفساد، ولا ممن يرجع عن معتقد سيئ، وأتاه راهِبٌ، وأسلم على يديه في المجلس، ثم قال للنَّاس: إنِّي رجلٌ من أهل اليمن، وإنَّ الإسلام وقع في نَفْسي، وقوي عزمي على أن لا إسلام إلَّا على يد خير أهل اليمن في ظنِّي، وجلستُ مفكِّرًا، فغلب عليَّ النوم، فرأيتُ عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول لي: يا سِنان، اذهب إلى بغداد، وأسلم على يد الشيخ عبد القادر، فإنَّه خيرُ أهلِ الأرض في هذا الوقت.
قال: وأتاه مرة أخرى ثلاثة عشر رجلًا من النَّصارى، وأسلموا على يده في مجلس وعظه، وقالوا: نحن من نصارى المغرب، وأردنا الإسلام، وتردَّدْنا فيمن نقصده لنسلم على يديه، فهتف بنا هاتِفٌ نسمعُ كلامه ولا نرى شخصه يقول: أيُّها الركب ذا الفلاح، ائتوا بغداد، وأسلموا على يد الشيخ عبد القادر، فإنَّه يوضع في قلوبكم من الإيمان عنده ببركته ما لم يوضع فيها عند غيره من سائر الناس في هذا الوقت.
وقال عبد الله الجُبَّائي: كان الشيخ عبد القادر يومًا يتكلَّم في الأسواق في الإخلاص والرِّياء والعُجْب، فالتفتَ إليَّ الشيخ، وقال: إذا رأيتَ الأشياء من الله، وأنَّه وفقك لعمل الخير، وأخرجتَ نفسك من البَين، سَلِمْتَ من العُجْب.
وقال أبو الفرج بن الحمامي: كنتُ كثيرًا ما أسمع عن الشيخ عبد القادر أشياء أستبعد وقوعها، وأنكرها وأدفعها، وكنتُ بحسب ذلك أتشوق إلى لقائه، واتَّفق أني مضيتُ إلى باب الأزَج لحاجةٍ كانت لي هناك، فلما عُدْتُ مررت بمدرسة الشيخ والمؤذن يقيم الصَّلاة؛ فتنبهت بالإقامة على ما كان في نفسي، فقلت: أُصلي العصر، وأُسَلِّم على الشيخ، وذهب عني أنني على غير وضوء، فصلَّى بنا العصر، فلما فرغ من الصَّلاة والدُّعاء، أقبل عليَّ، وقال: أي بني، لو قدمتني بالقَصْد على حاجتك لقضيت لك، ولكن الغفلة شاملة لك، بحيث قد صليت على غير وضوء، وقد سهوت عن ذلك. قال: فتداخلني من العجب بحاله ما أَدْهشني وأَذْهَلَ عقلي من كونه عَلِمَ من حالي ما خفي عني، وحيَّرني، ومنذ حينئذ لازمتُ صحبته، وتعلَّقْتُ بمحبته وخِدْمته، وتعرَّفْتُ بذلك شمول بركته.
[ ٢١ / ٨٥ ]
وقال الجُبَّائي: كنتُ أسمع كتاب "حلية الأولياء" على ابنِ ناصر، فَرَقَّ قلبي، وقلتُ في نفسي: أشتهي أن انقطع عن الخَلْق، وأشتغل بالعبادة. ومضيتُ وصليتُ خلف الشَّيخ عبد القادر، فلما صلَّى جلسنا بين يديه، فنظر إليَّ، وقال: إذا أردتَ الانقطاع فلا تنقطع حتى تتفقَّه، وتجالس الشُّيوخ، وتتأدَّب بهم، فحينئذٍ يصلحُ لك الانقطاع، وإلا فتمضي وتنقطع قبل أن تتفقه، وأنت فريخ ما ريَّشْتَ، فإنْ أشكل عليك شيء من أمر دينك تخرج من زاويتك وتسأل النَّاس! ينبغي لصاحب الزَّاوية أن يكون كالشمعة ليستضاء بنوره.
وقال لي الشيخ أبو الثناء النهرملكي: سمعتُ أنَّ الشيخ عبد القادر لا يقع في ثيابه ذبابة، فقلتُ له: ما لي علم بهذا! وفي بكرة الجمعة اتفقنا ومضينا إلى مجلس الشيخ، فالتفتَ إلينا في أثناء المجلس، وقال: أي شيء تعمل الذُّبابة عندي، لا دبس الدُّنيا عليَّ ولا عَسَلُ الآخرة!
وقال أبو محمّد داود البغدادي: رأيتُ في منامي سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة الشيخ معروف الكَرْخي تأتيه قِصَصُ النَّاس، وهو يعرضها على الله تعالى، فقال لي: يا داود، هاتِ قصَّتك أعرضها على الله تعالى، فقلتُ: وشيخي عزلوه؟ أعني الشيخ عبد القادر. فقال: لا والله ما عزلوه ولا يعزلونه. ثم استيقظتُ، وأتيتُ في السَّحَر إلى مدرسة الشيخ، وجلستُ على باب داره لأُخبره، فناداني مِنْ داخل داره قبل أَنْ أراه أَوْ أكلِّمه: يا داود شيخك ما عزلوه ولا يعزلونه، وهاتِ قِصَّتك أعرضها على الله ﷿، فَوَعِزَّتِهِ، ما عرضتُ قِصَّةً لأصحابي ولا لغيرهم، فَرُدَّتْ على مسألتي فيها.
وقال عمر بن حسين بن خليل الطِّيبي: حضرتُ مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر، وكنت قاعدًا محاذي وجهه، فرأيتُ شيئًا على هيئة القِنْديل البِلَّوْر نَزَلَ من السَّماء إلى أَنْ قارَبَ فم الشَّيخ، ثم عاد وصَعِدَ سريعًا، هكذا ثلاث مرات، فما تمالكتُ أَنْ قمتُ لأقول للنَّاس من فَرْط تَعجُّبي، فبادرني وقال: اقعد، فإنَّ المجالس بالأمانة. فلم أتكلَّم به إلَّا بعد موته.
وقال يحيى بن نجاح الأديب: قلتُ في نفسي: أريد أُحصي كم يقصّ الشيخ عبد القادر شعرًا من التُّوَّاب (^١) في مجلس وعظه، فحضرتُ المجلس ومعي خيطٌ، فلما
_________________
(١) هكذا جمع لفظ تائب، والصواب: من التائبين، والله أعلم.
[ ٢١ / ٨٦ ]
قص شعرًا عقدتُ عقدة تحت ثيابي من الخيط، وأنا في آخر النَّاس، وإذا به يقول: أنا أحل وأنت تعقد.
وقال أبو الخير كرم بن الشيخ القدوة مطر الباذرائي: لما حضرتْ أبي الوفاةُ، قلتُ له: أَوْصني بمن أقتدي بعدك؟ فقال: بالشيخ عبد القادر. فظننته في غَلَبَةِ مرضه، فتركتُه ساعةً، ثم قلتُ له: أوصني بمن أقتدي بعدك؟ قال: بالشِّيخ عبد القادر، فتركته ساعةً، ثم أَعدْتُ عليه القول، فقال: يا بني، زمانٌ يكون فيه الشيخ عبد القادر لا يقتدى إلَّا به. فلما مات أتيتُ بغداد، وحضرتُ مجلس الشيخ عبد القادر، وفيه الشيخ بقاء بن بطو، والشيخ أبو سعد القيلوي والشيخ علي بن الهيتي، وغيرهم من أعيان المشايخ، فسمعتُه يقول: لستُ كوعاظكم، إنما أنا بأمر الله، إنما كلامي على رجال في الهواء. وجعل يرفع رأسه إلى الهواء، فرفعتُ رأسي إلى الفضاء، فإذا بإزائه صفوف رجال من نور على جبل من نور، قد حالوا بين نظري وبين السَّماء من كثرتهم، وهم مُطْرقون، ومنهم من يبكي، ومنهم من يرعد، ومنهم من في ثيابه نار، فأُغشي عليَّ، ثم قمتُ أعدو، وأشقُّ النَّاس حتى طلعت إليه فوق الكرسي، فأمسك بأُذُني، وقال: يا كرم، أما اكتفيتَ بأَوَّل مرَّة من وصية أبيك! فأطرقتُ من هيبته.
وقال مفرج بن نبهان بن ركاب الشيباني: لما اشتهَرَ أمرُ الشَّيخ عبد القادر اجتمع مئة فقيه من أعيان فقهاء بغداد، وأذكيائهم، على أن يسأله كلُّ واحدٍ منهم مسألة في فنٍّ من العلوم غير مسألة صاحبه، ليقطعوه بها، وأتوا مجلس وعظه، وكنتُ يومئذٍ فيه، فلما استقرَّ بهم المجلس أطرق الشَّيخ، فظهرت من صدره بارقةٌ من نور لا يراها إلَّا مَنْ شاءَ الله تعالى، ومرَّت على صدور المئة، ولا تمرُّ على أحدٍ منهم إلَّا ويُبْهَتُ ويضطرب، فصاحوا صيحةً واحدة، ومزَّقوا ثيابهم، وكشفوا رؤوسهم، وصَعِدُوا إليه فوق الكرسي، ووضعوا رؤوسهم على رِجْليه، وضجَّ أهلُ المجلسِ ضجَّةً واحدة، ظننتُ أنَّ بغداد رُجَّتْ لها، فجعل الشيخ يضمُّ إلى صدره واحدًا منهم بعد واحدٍ، حتى أتى على آخرهم، ثم قال لأحدهم: أما أنتَ فمسأَلَتُك كذا، حتى ذَكَر لكلٍّ منهم مسألته وجوابَها، فلما انقضى المجلس أتيتُهم، وقلتُ لهم: ما شأنكم؟ قالوا: لما جلسنا فقدنا جميع ما نعرفه من العِلْم حتى كأنه لم يمر بنا قَطّ، فلما ضمَّنا الشَّيخ إلى صَدْره
[ ٢١ / ٨٧ ]
رَجَعَ إلى كلٍّ منّا ما نُزِعَ منه من العِلْم، ولقد ذكر لنا مسائلنا التي بيتناها له، وذكر فيها أجوبةً لا نعرفها.
وقال أبو الحجر حامد الحَرَّاني الخطيب: دخلتُ على الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه بمدرسته ببغداد، وجلستُ عنده على سَجَّادةٍ لي، فنظر إليَّ، وقال: يا حامد، لتجلسنَّ على بساط الملوك. فلما رجعتُ إلى حَرَّان جبرني السُّلطان نور الدِّين الشَّهيد على ملازمته، وقرَّبني، وأَجْلَسني على بساطه، وولَّاني الأوقاف، فكنتُ أتذكر كلامَ الشيخ ﵁.
وقال أحمد بن صالح الجيلي: كنت مع سيِّدنا الشيخ عبد القادر بالمدرسة النِّظامية، واجتمع إليه الفقهاء والفقراء، فتكلَّم عليهم في القضاء والقدر، فبينا هو يتكلَّم إذ سقطتْ حيةٌ عظيمة في حِجْره من السَّقف، ففرَّ منها كلُّ مَنْ كان حاضرًا عنده، ولم يبق إلَّا هو، ودخلتِ الحيةُ تحت ثيابه، ومرَّت على جسده، وخرجت من طوقه، والتفَّتْ على عُنُقه، ومع ذلك ما قَطَعَ كلامه، ولا غيَّر جلسته، ثم نزلتْ إلى الأرض، وقامت على ذنبها بين يديه، فصوَّتت، ثم كلَّمها بكلامٍ ما فهمناه، ثم ذهبتْ، فجاء النَّاسُ إليه، وسألوه عما قالت له، وقال لها، فقال: قالت لي: لقد اختبرتُ كثيرًا من الأولياء فلم أَرَ مثل ثباتك. فقلتُ لها: إنَّك سَقَطتِ عليَّ وأنا أتكلَّم في القضاء والقدر، وهل أنت إلَّا دُوَيبَّةٌ يحرِّكُك ويُسَكِّنُك القضاء والقدر! فأردتُ أن لا يناقض فِعْلي قولي.
وقال عبد الرَّزَّاق ابنُ سيدنا الشيخ محيي الدِّين رحمة الله عليه: سمعتُ والدي يقول: كنتُ ليلةً في جامع المنصور أُصلِّي، فسمعتُ حِسَّ مشي شيءٍ على البواري (^١)، فجاءت أَصَلَةٌ (^٢) عظيمة، ففتحت فاها موضعَ سجودي، فلما أَرَدْتُ السجود دَفَعْتُها بيدي، وسجدتُ، فلما جلست للتشهُّد مشت على فَخِذي، وطلعت على عُنُقي، والتفَّتْ عليه،، فلما سلَّمْتُ لم أرها، فلما كان من الغد دخلتُ خربة بظاهر الجامع، فرأيتُ شخصًا عيناه مشقوقتان طولًا، فعلمتُ أنَّه جني، فقال: أنا الأَصَلة التي رأيتها البارحة، ولقد اختبرت كثيرًا من الأولياء بما اختبرتك به، فلم يثبت منهم لي كثباتك،
_________________
(١) مفردها بارية، وهو الحصيرة.
(٢) الأصلة: حية عظيمة تهلك بنفخها. "القاموس المحيط" (أصل).
[ ٢١ / ٨٨ ]
وكان منهم من اضطرب ظاهرًا وباطنًا، ومنهم من اضطرب باطنُه، وثبت ظاهره، ورأيتك لم تضطرب باطنًا ولا ظاهرًا، وسألني أن يتوبَ على يدي، رحمة الله عليه.
سمعتُ والدي ﵀ يقول: خرجت في بعض سياحاتي إلى البرية، ومكثتُ أيامًا لا أجد ماءً، فاشتدَّ بي العطَش، فظلَّلتني سحابة، ونزل عليَّ منها شيء يشبه النَّدى، فتروَّيتُ به، ثم رأيتُ نورًا أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر، أنا ربُّك، وقد حلَّلْتُ لك المحرَّمات -أو قال: ما حرمت على غيرك- فقلتُ: أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، اخسأ يا لعين، فإذا ذلك النُّور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني، وقال: يا عبد القادر، نجوتَ منِّي بعملك بحكم ربّك، وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللتُ بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطَّريق. فقلتُ: لربي الفَضْل والمِنَّة. فقيل له: كيف علمتَ أنَّه شيطان؟ قال: بقوله: قد حَلَّلْتُ لك المحرَّمات.
وقال عمر الرَّازي: ما رأتْ عيناي أفقه في علوم الحقائق من سيِّدي الشيخ محيي الدِّين عبد القادر، قيل له: إنَّ بعض مريديه يقول: إنه يرى الله تعالى بعيني رأسه، فاستدعى به، وسأله عن ذلك، فقال: نَعَمْ، فانتهره، ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود، فقيل له: أمحقٌّ هذا أم مُبْطل؟ قال: هو محقٌّ يُلَبَّسُ عليه، وذلك لأنَّه شَهِدَ ببصيرته نور الجمال، ثم خرق بصيرته إلى بصر متقد، فرأى بصره ببصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده، فظنَّ أنَّ بصره رأى ما شهدته بصيرته، وإنما رأى بصرُه بصيرته فحسب وهو لا يدري، قال الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] وإنَّ الله ﷿ يبعث بمشيئته على أيدي ألطافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده، فتأخذ منها ما تأخذ الصُّور من الصور ولا صور، ومن وراء ذلك رداء كبريائه الذي لا سبيل إلى انخراقه. وكان جمعٌ من المشايخ والعلماء حاضرين، فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حُسْن إفصاحه عن حال الرجل.
وقال الشيخ المعمر جرادة: لقد كنت يومًا في دار سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁، وهو جالسٌ ينسخ، فسقط عليه من السقف تراب، فنفضه ثلاث مرَّات، يسقط عليه وهو ينفضه، ثم رَفَع رأسه في الرابعة إلى السَّقْف، فرأى فأرة تبعثر، فقال: طار رأسك.
[ ٢١ / ٨٩ ]
فسقطت جُثَّتها ناحية ورأسها ناحية، فترك النَّسخ وبكى. فقلتُ: يا سيدي، ما يبكيك؟ قال: أخشى أن يتأذى قلبي من رجل مُسْلم، فيصيبه مثل ما أصاب هذه الفأرة.
وقال الشيخ عمر بن مسعود البزاز: كان سيدي الشيخ عبد القادر ﵁ يومًا يتوضأ في المدرسة، فبال عليه عصفور، فرفع رأسه إليه وهو طائر، فسقط ميتًا، فلما أَتَمَّ وضوءه غَسَلَ موضع البول من الثوب، وخلعه وأعطانيه، وأمرني أن أبيعه وأتصدَّق بثمنه، وقال: هذا بهذا.
وقال أبو اليُسْر عبد الرَّحمن بن عبد الله: كان عبد الصَّمد بن همَّام من العدول ذوي اليسار والثروة، وكان شديدَ الانحراف عن سيدنا الشيخ محيي الدِّين رحمة الله عليه، والإنكار لما يُحكى عنه من الكرامات مع الانقطاع عنه بالكُلِّية، ثم لازمه ملازمةً شديدة، فعَجِبَ النَّاس من ذلك، فسألته بعد وفاة الشيخ عن سبب ذلك، فقال: كنتُ لقِلَّة سعادتي أولًا على ما تعلم مني، فاتفق أني اجتزت يومًا بمدرسة الشيخ، والصلاة قد أُقيمت، فقلتُ في نفسي: أُصلِّي بسرعة وأُزيل ما بي -وكنتُ حاقنًا- فدخلت، ووجدت إلى جانب المنبر الذي يجلس عليه الشيخ خِلْوًا، فصلَّيتُ فيه وأنا لا أشعر أنَّه يوم المجلس، وتكاثَرَ النَّاسُ لحضور المجلس تكاثرًا منعني من التصرُّف في نفسي والخروج من مكاني، وتزايد ما بي من الاحتياج إلى الخلاء، وصَعِدَ الشيخ إلى المنبر، وقد كِدْتُ أتلف، فتضاعَفَ ما بي من بُغْض الشيخ ذلك الوقت، وتحيَّرت في نفسي، وكدت أُحْدث في ثيابي، ثم قلت: أفتضح بين النَّاس، ويشم مني رائحة خبيثة، فعاينت في ذلك الموت، فبينا أنا مفكر في أمري إذْ نزل الشيخ من المِنْبر درجات، وأَسْبل كُمَّه على رأسي، فرأيت نفسي في روضة خضراء بفلاةٍ من الأرض، وماء جارٍ، فأزلتُ ما بي، وتوضَّأتُ للصَّلاة، وصلَّيتُ ركعتين، ثم رفع الشيخ كُمَّه عن رأسي، وإذا أنا تحت المنبر على حالي، وقد زال ما بي جميعه، فكَثُرَ تعجُّبي من ذلك جدًّا، ووجدتُ أطرافي رطْبةً من أثر الوضوء، فتحيَّرْتُ في أمري، وذَهَلَ عقلي، فلما انقضى المجلس قمت، ففقدت منديلي، ومفاتيحُ صندوقي فيه، وطلبتُ ذلك في موضعي الذي كنت قاعدًا فيه، وفيما يليه، فلم أجده، فمضيتُ إلى منزلي، وأحضرت صانعًا فتح صندوقي، وعمل له مفاتيح، وكنتُ في ذلك الوقت على عَزْمٍ إلى عراق العجم لمهمٍّ
[ ٢١ / ٩٠ ]
اعتراني، فتوجَّهت عند اليوم الذي حضرت فيه المجلس، فلما سرت عن بغداد ثلاثة أيام، اجتزت بمكانٍ أفيحَ، وفيه روضةٌ خضراء وماءٌ جارٍ، فقال لي بعضُ الرِّفْقة: ألا تنزل ها هنا نصلي ونأكل شيئًا، فإننا لا نجد أمامنا ماء؟ فنزلت، فتخيلته المكان الذي رأيته آنفًا لا أشكُّ فيه، فتوضَّأتُ للصلاة، وقصدت مكانًا أُصلِّي فيه، فإذا فيه منديلي بعينه، وفيه مفاتيحي التي فقدتها يوم المجلس هناك، فكدت أخرج من عقلي، فقضيتُ سفري وعُدْتُ، وأهمُّ الأمور عندي ملازمةُ الشيخ واستدراك ما فَرَطَ مني، فلازمتُه لما أراد الله تعالى بي من السَّعادة والبركة، فشاهدتُ منه ما لا أذكره قَطُّ مخافةَ أن يشك السَّامع في حديثي، فقلتُ له: حدِّثْ بما رأيتَ منه، فمِثْلُك لا تتطرَّق إليه التُّهم مما يحكي. فقال لي: ليس لي إلى ذلك حاجة، فقد كان يُحكى لي عند من لا أشك في صِدْقه وعدالته ما يُشبه هذا، فلا أصدقه. فقلت: لقد أراد الله بك خيرًا، فقال: الحمد لله الذي لم أمت على ما كنت عليه.
وقال الحافظ أبو العَبَّاس أحمد بن أحمد بن أحمد البَنْدَنيجي: حضرتُ أنا والشيخ جمال الدِّين بن الجوزي ﵀ مجلس سَيِّدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فقرأ القارئ آية، فذكر الشيخ في تفسيرها وَجْهًا، فقلتُ للشيخ جمال الدين: أتعلم هذا الوَجْه؟ قال: نَعَمْ، فذكر الشيخ فيها أحَدَ عشر وجهًا، وأنا أقول له: أتعلم هذا الوَجْه؟ وهو يقول: نَعَمْ، ثم ذكر الشيخ وجهًا آخر، فقلتُ له: أتعلم هذا؟ قال: لا، حتى ذكر فيها كمال أربعين وجهًا، يعزو كلَّ وَجْهٍ إلى قائله، والشيخ جمال الدِّين يقول: لا أعرف هذا الوجه، واشتدَّ تعجبه من سَعَة عِلْم سيدنا الشيخ، ﵁. ثم قال: نترك القال ونرجع إلى الحال، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاضطرب النَّاس اضطرابًا شديدًا، وخَرَقَ الشيخ جمال الدين بن الجوزي ثيابه.
وقال محمَّد الحسني المَوْصلي: سمعتُ أبي يقول: كان سيدنا الشيخ عبد القادر يتكلَّم في ثلاثة عشر عِلْمًا، وكان يذكر في مدرسته درسًا من التفسير، ودرسًا من الحديث، ودرسًا من المذهب، ودرسًا من الخلاف، وكان يُقرأ عليه في طرفي النهار التَّفسير وعلوم الحديث، والمذهب والخلاف والأصول والنحو، وكان يُقْرِئُ القرآن بالقراءات بعد الظُّهْر.
[ ٢١ / ٩١ ]
وقال الشيخ عمر البزاز: كانت الفتاوى تأتيه من بلاد العراق وغيره، وما رأيناه تبيتُ عنده فتوى ليطالع عليها أو يفكر فيها، بل يكتب عليها عقيب قراءتها، وكان يفتي على مذهب الإمام الشَّافعي وأحمد رحمهما الله، وتعرض فتاواه على علماء العراق، فما كان تَعَجُّبهم من صوابه أشدَّ من تعجُّبهم من سُرْعة جوابه فيها، وكان من اشتغل عليه في فنٍّ من الفنون الشَّرعية افتُقِرَ إليه فيه، وساد على أقرانه.
وقال الشيخ عبد الرَّزَّاق: جاءت فتوى من العَجَم إلى بغداد بعد أن عُرِضَتْ على علماء العراقَيْن: عراقِ العجم وعراق العرب، فلم يتضح لأحدٍ منهم جوابٌ شافٍ، وصورتُها: ما يقول السَّادة العلماء في رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاق الثَّلاث أَنَّه لا بُدَّ له أن يعبد الله ﷿ عبادةً ينفرد بها دون جميعِ النَّاس في وقتِ تَلَبُّسِهِ بها، فما يفعل من العبادات؟ فأُتي بها إلى والدي، فكتب عليها على الفور: يأتي مكة ويخلى له الطَّواف، ويطوف أُسبوعًا وحده، وتنحل يمينه. فما باتَ المستفتي ببغداد.
وقال الخضر بن أبي العَبَّاس المَوْصلي: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ في النوم ببغداد بمدرسة سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁ في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة مكانًا عظيم السَّعَة، وفيه مشايخ البر والبحر، وسيدنا الشيخ عبد القادر في صدرهم، ومن المشايخ مَنْ على رأسه عِمامة فحسب، منهم من فوق عِمامته طرحة، ومنهم من فوق عِمامته طَرْحتان، وفوق عِمامة سيدنا الشيخ محيي الدين ثلاث طَرَحَات، فبقيت في النوم مفكِّرًا في تلك الطَّرحات الثلاث، ما هُنَّ؟ واستيقظتُ، فإذا به قائمٌ على رأسي، فقال: طرحة تشريف علم الشَّريعة، وطرحة تشريف علم الحقيقة، وطرحة الشَّرف.
وقال الشيخ علي بن الهيتي: زرت مع سيدي الشَّيخ عبد القادر والشَّيخ بقاء بن بطو قبر الإمام أحمد رحمة الله عليه، فشهِدْتُه خرج من قبره، وضمَّ الشَّيخ عبد القادر إلى صدره، وألْبسه خِلْعة، وقال له: يا شيخ عبد القادر، قد افتُقِرَ إليك في عِلْم الشَّريعة، وعلم الحقيقة، وعلم الحال.
وقال أبو نَصْر بن عمر البغدادي المشَّاء المعروف بالصَّحراوي: سمعتُ أبي يقول: استدعيتُ الجان مرَّة بالعزائم، وأبطأت إجابتهم أكثر من عادتي، ثمَّ أتوني، وقالوا: لا تعد تستدعينا إذا كان الشيخ عبد القادر يتكلَّم على النَّاس. فقلتُ: ولم؟ قالوا: إنَّا
[ ٢١ / ٩٢ ]
نحضره. قلتُ: وأنتم أيضًا؟ قالوا: إنَّ ازْدحامنا بمجلسه أشد من ازدحام الإِنس، وإنَّ منا طوائف كثيرة أسلمت، وتابت على يده.
وقال محمَّد بن الخضر الحسيني: سمعتُ أبي يقول: كان سيِّدنا الشيخ عبد القادر ﵁ يتكلَّم في مجلسه بأنواعِ العلوم ولا يبيِّتُ ما يقول، وكان إذا صَعِدَ الكرسي لا يتصدق أحد، ولا يَمْخُط ولا يتنحنح ولا يتكلَّم. ولا يقوم هيبة له إلى وسط المجلس، فيقول: مضى القال وعظنا بالحال، فيضطرب النَّاس اضطرابًا شديدًا، ويتداخلهم الحال والوَجْد، وكان يُعَدُّ من كراماته أن أقصى من [في] (^١) مجلسه يسمع صوتَه كما يسمعه أدناهم منه على كَثْرتهم، وكان يتكلَّم على خواطر أهلِ المجلس، ويواجههم بالكَشْف، وكان إذا قام فوق الكرسي، يقوم النَّاس لجلالته، وإذا قال لهم اسكتوا سكتوا، حتى لم يُسْمَعْ منهم سوى أنفاسهم هيبةً له، وكان النَّاس يضعون أيديهم في مجلسه، فيقع على رجال بينهم يدركونهم باللَّمس ولا يرونهم، ويسمعون وقت كلامه في الفضاء حِسًّا وصياحًا، وربما سمعوا وَجْبَة ساقط من الجوِّ إلى أرض المجلس، وذلك رجال الغيب وغيرهم.
وقال الشيخ أبو سَعْد القيلويي رحمة الله عليه: رأيتُ رسول الله ﷺ وغيره من الأَنبياء - صلوات الله عليهم - في مجلس الشيخ عبد القادر، وإنَّ السيد ليشرف عنده، وإنَّ أرواح الأنبياء ﵈ لتتجول في السَّموات والأرض جَوَلان الرِّياح في الآفاق، ورأيتُ الملائكة يحضرونه طوائف بعد طوائف، ورأيتُ رجال الغيب يتسابقون إلى مجلسه، ورأيتُ أبا العَبَّاس الخضر ﵇ يُكْثِرُ من حضوره، فسألته فقال: مَنْ أراد الفلاح فعليه بملازمة هذا المجلس.
وقال الشيخ محمَّد بن أبي الفَتْح الهَرَوي: حضرتُ يومًا مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فتكلَّم حتى استغرقَ في كلامه، وقال: لو أراد الله تعالى أن يبعث طيرًا أخضر يسمع كلامي لفعل. فلم يتمَّ كلامه حتى جاء طائرٌ أخضر حسنُ الصُّورة، ودخل في كُمِّه وما خرج.
_________________
(١) زيادة من عندنا يقتضيها السياق.
[ ٢١ / ٩٣ ]
قال: وتكلَّم يومًا آخر في مجلسه، فتداخل بعض الناس فترة، فقال: لو أراد الله ﷾ أن يرسل طيورًا خُضْرًا تسمع كلامي لفعل، فلم يتمَّ كلامه حتى امتلأَ المجلسُ بطيورٍ خُضْر يراها مَنْ حَضَرَ.
قال: وتكلَّم يومًا في قُدرة الله تعالى، وغَمَر النَّاسَ من كلامه هيبةٌ وخشوع، فمرَّ بالمجلس طائر عجيبُ الخِلْقة، فاشتغل بعضُ النَّاس بالنَّظر إليه عن سماع كلام الشيخ، فقال: وعِزَّة المعبود، لو شئت أن أقول لهذا الطائر من قِطَعًا قِطعًا لمات قِطَعًا قطَعًا، فما تمَّ كلامه حتى وَقَعَ الطَّائر إلى أرض المجلس قِطَعًا.
وقال الشيخ بقاء بن بطو: فبينا هو يتكلَّم على المرقاة الأُولى من الكرسي، إذْ قطع كلامه وسها ساعةً، ونَزَل إلى الأرض، ثمَّ صَعِدَ الكرسي، وجلس على المرقاة الثانية، فأُشْهِدْتُ أنَّ المرقاة الأُولى قد اتَّسعت حتى صارت مَدَّ البصر، وفُرِشَت من السُّنْدس الأخضر، وجلس عليها رسولُ الله ﷺ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وتجلَّى الحقُّ سبحانه على قلب الشيخ، فمال حتى كاد أن يسقط، فامسكه رسولُ الله ﷺ لئلا يقع، ثمَّ تضاءل حتى صار كالعُصْفور، ثمَّ نمى حتى صار على صورةٍ هائلة، ثمَّ توارى عني.
فسئل الشيخ بقاء عن رؤيته رسول الله ﷺ، وأصحابه ﵃، فقال: أرواحهم تشكَّلَتْ، وأن الله تعالى أيَّدهم بقوَّةٍ يظهرون بها، فيراهم من قوَّاه الله تعالى لرؤيتهم في صور الأجساد وصفات الأعيان بدليلِ حديث المعراج.
وسئل عن تضاؤل الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، ونموه، فقال: كان التَّجلِّي الأوّل بصفة لا يثبت لبدوها بشر إلا بتأييد نبوي، فلذلك كاد الشيخ يسقط لولا تدراكه رسولُ الله ﷺ، وكان التَّجلِّي الثَّاني بصفة الجلال من حيث موصوفه، فلذلك تضاءل، وكان التجلِّي الثَّالث بصفة الجمال من حيث مشاهده، فذلك انتعش ونمى، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الشيخ عبد الوهَّاب بن سيدنا الشيخ محيي الدِّين رحمة الله عليهما: سافرتُ إلى بلاد العجم، وتفننت في العلوم، فلمَّا رجعت إلى بغداد، قلتُ لوالدي: أُريد أن أتكلَّم على النَّاس بحضرتك. فأَذِنَ لي، فَصَعِدْتُ الكرسي، وتكلَّمت بما شاء الله من
[ ٢١ / ٩٤ ]
العلوم والمواعظ، فلم يخشع قلب، ولم تجرِ دمعة، فضجَّ أهلُ المجلس بوالدي يسألونه أن يتكلَّم عليهم، فنزلتُ وصَعِدَ، وقال: كنتُ صائمًا أمسِ، وقَلَتْ لي أُم يحيى بويضات، وجعلَتْها في سكيريجة، فجاء السِّنَّور، فرمت بها، فانكسرت، فَضَجَّ أهلُ المجلس بالصُّراخ، فلمَّا نزل، قلتُ له في ذلك، فقال: يا بني، أنتَ مُدِلٌّ بسفرك، أسافرتَ إلى هنا؟ وأشار بأُصبعه إلى السَّماء، ثمَّ قال: يا بني، إنِّي لما صَعِدْتُ الكُرْسي تجلَّى الحقُّ ﷿ على قلبي وبسطني، فحدَّثتُ بما سَمِعْتُ، فكان الذي رأيت.
قال عبد الوهَّاب: وكنتُ بعد ذلك ربما أصعد الكرسي، وأتكلَّم على الناس بفنون العلوم ووالدي يسمع، فلا يتأثر أحد، ثمَّ أنزل ويصعد، فيقول بأوله: الشجاعة صَبْرُ ساعة. فيصيح أهل المجلس، فكنتُ أسأله عن ذلك، فيقول: أنتَ المتكلِّم، وأنا المتكلِّم فيَّ غيري. وكان إذا سُئِلَ مسألة في مجالس وعظه ربما يقول: أستأذِنُ في الكلام عليها. ويُطْرِقُ، فتجلِّلُه الهيبة، ويعلوه الوقار، ثمَّ يتكلَّم عليها بما شاء الله تعالى، وكان يقول: وعِزَّة العزيز ما تكلَّمْتُ حتى قيل لي تكلَّم، فقد أمكنتك من الرد يا عبد القادر، تكلَّم يسمعْ منك.
وقال أبو عمر وعثمان الصَّيريفيني وعبد الحق الحريمي: كان شيخنا محيي الدين عبد القادر ﵁ يبكي ويقول: يا رب كيف أهدي لك الروح، وقد صَحَّ بالبُرْهان أنَّ الكُلَّ لك.
ومما كان ينشد [من الطويل]:
وما ينفعُ الإعراب إذ لم يكن تُقىً … وما ضَرَّ ذا تقوى لسانٌ معجَّمُ
وقال عبد الوهَّاب بن سيِّدنا الشيخ محيي الدِّين ﵁: كان والدي يتكلَّم في الأُسبوع ثلاث مرَّات بالمدرسة بُكْرة الجُمُعة، وعَشِيَّة الثلاثاء، وبالرِّباط بكرة الأحد، وكان يحضره العُلَماء والفقهاء والمشايخ وغيرهم، ومدَّة كلامه على النَّاس أربعون سنة، أولها سنة إحدى وعشرين وخمس مئة، وآخرها سنة إحدى وستين وخمس مئة، ومدَّة تصدُّره للتدريس والفتوى بمدرسته ثلاث وثلاثون سنة، أولها سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، وآخرها سنة إحدى وستين، وكان يقرأُ في مجلسه أخوان قراءةً مرسلة
[ ٢١ / ٩٥ ]
مجوَّدة بغير ألحان، ويقرأُ أيضًا في مجلسه الشَّريف مسعود الهاشمي، وكان يموت في مجلسه الرَّجُلان والثَّلاثة، ويكتب ما يقول في مجلسه أربع مئة محبرة عالم وغيره، وكان كثيرًا ما يخطو في الهواء في مجلسه على رؤوس النَّاس خطواتٍ، ثمَّ يرجع إلى الكرسي.
وقال أبو الفَتْح الهَرَوي: خدمتُ سَيِّدي الشيخ عبد القادر ﵁ أربعين سنة، فكان في مُدَّتها يصلي الصُّبح بوضوء العِشاء، وكان إذا أحدث جَدَّد في وقته وضوءًا، وصلَّى رَكْعتين، وكان يصلِّي العشاء، ويدخل خلوته، ولا يدخلها معه أحد، ولا يخرج منها إلا عند طلوع الفجر، ولقد أتاه الخليفة باللَّيل مرارًا يقصد الاجتماع به، فلا يقدر على ذلك إلى الفجر، وبتُّ عنده ليالي، فكان يصلِّي أول الليل يسيرًا، ثمَّ يذكر إلى أن يمضي الثُّلُث الأَوَّل، يقول: المحيط الرَّب الشَّهيد الحسيب الفعَّال الخلَّاق الخالق البارئ المصوّر، فتتضاءل جثته مرة، وتعظم مرة، ويرتفع في الهواء إلى أن يغيب عن نظري مرة، ثمَّ يُصلِّي قائمًا على قدميه يتلو القرآن إلى أن يذهب الثُّلُث الثاني، وكان يطيل في سجوده جدًّا؛ يباشر بوجهه الأرض، ثمَّ يجلس متوجِّهًا مراقبًا مشاهدًا إلى قريب طلوع الفجر، ثمَّ يأخذ في الدُّعاء والابتهال والتذلُّل، ويغشاه نور يكاد يَخْطَفُ الأبصار إلى أن يغيب فيه عن النظر، وكنتُ أسمع عنده: سلامٌ عليكم، سلام عليكم، وهو يردُّ السَّلام إلى أن يخرج إلى صلاة الصُّبح.
وقال الشيخ أبو مسعود الحريمي: سمعتُ سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁ يقول: أقمتُ في صحارى العراق وخرابه خمسًا وعشرين سنة مجرَّدًا سائحًا، لا أعرف الخَلْق ولا يعرفوني، يأتيني طوائفُ من رجالِ الغيب والجان أُعلمهم الطَّريق إلى الله تعالى، ورافقني الخَضِر ﵇ في أول دخولي العراق، وما كنتُ عَرَفْتُه، وشرَطَ أن لا أخالفه، وقال لي: اقعد هنا. فجلستُ في المكان الذي أقعدني فيه ثلاث سنين، يأتيني
في كلِّ سنة مرة، ويقول لي: مكانَك حتى آتيك.
وكانت الدُّنيا وزخارِفُها وشهواتُها تأتيني في صور، فيحميني الله تعالى من الالتفات إليها، وتأتيني الشياطين في صور شتَّى مزعجات ويقاتلوني، فيقويني الله تعالى عليهم، وتبرز إليَّ نفسي في صورة، فتارة تتضرع إليَّ فيما تريده، وتارة تحاربني، فينصرني الله
[ ٢١ / ٩٦ ]
﷿ عليها، وما أخذتُ نفسي في حال البداية بطريقٍ من طُرُقِ المجاهدات إلا ولازمتُه واعْتَنَقَتْهُ نفسي، وأخذته بكلتا يدي، وأقمتُ زمانًا في خراب المدائن، آخذ نفسي بطرق المجاهدات، فمكثتُ سنة آكلُ المنبوذ، ولا أشرب الماء، وسنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ، وسنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام، ونمت بإيوان كسرى في ليلةٍ شديدة البرد، فاحتلمتُ، فقمتُ وذهبت إلى الشَّطِّ واغتسلتُ، فنمت تلك الليلة أربعين مرة، واحتلمت أربعين مرة، واغتسلتُ في الشَّطِّ أربعين مرة، ثمَّ صَعِدْتُ إلى الإيوان خوفَ النَّوم، وأقمت في خرائب الكَرْخ سنين لا أقتات فيها إلا بالبُرْدي، ويأتيني رجلٌ في رأس كلِّ سنة بجُبَّة صوف، ودخلتُ في ألف فنٍّ حتى استريحَ من دُنْياكم، وما كنتُ أُعرف إلا بالتخارس والبَلَه والجنون، وكنتُ أمشي حافيًا في الشَّوْك وغيره، وما هالني شيء إلا سلكته، ولا غلبتني نفسي فيما تريده قَطُّ، ولا أعجبني شيء من زينة الدُّنيا قطُّ، فقلت له: يا سيدي، ولا لما كنتَ صغيرًا؟ قال: ولا لما كنت صغيرًا.
وقال الشيخ عثمان الصَّريفيني: سمعتُ سيدنا الشَّيخ عبد القادر رحمة الله عليه يقول: كنتُ أجلس في الخراب باللَّيل والنَّهار، ولا آوي في بغداد، وكانت الشَّياطين تأتيني صفوفًا رجالًا وركبانًا بأنواع السِّلاح، وأَزْعج الصُّوَر، يقاتلوني ويرموني بشهب النَّار، فأجد في قلبي تثبيتًا لا يُغَيَّر عنه، وأسمع مخاطِبًا من باطني يقول لي: قم إليهم يا عبد القادر، فقد ثبتناك تثبيتًا، وأيَّدناك بنصرنا، فما هو إلا أن أنهض إليهم، فيفرون يمينًا وشمالًا، ويذهبون من حيث أتوا، وكان يأتيني الشيطان منهم وحده، ويقول لي: اذهب من هنا، وإلا فعلتُ وفعلتُ. ويحذرني تحذيرًا كثيرًا، فألطمه بيدي، فيفرُّ مني، فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيحترق وأنا أنظر إليه. وأتاني مرَّة شخصٌ كريه المنظر، منتن الرِّيح، وقال لي: أنا إِبْليس أتيتك أخدمك، فقد أعييتني وأعييت أتباعي. فقلتُ: اذهب. فأبى، فجاءته يدٌ من فوقه، وضربَتْ أُمَّ رأسه، فغاص في الأَرْض، ثمَّ أتاني ثانية، وبيده شهابٌ من نار، يقاتلني به، فأتاني رجلٌ مُلَثَّم راكب فرسًا أَشْهَبَ، وناولني سيفًا، فنكَصَ إبليس على عقبيه، ثمَّ رأيته مرَّةً ثالثة جالسًا بالبُعْد مني، وهو يبكي، ويحثو التُّراب على رأسه، ويقول: قد أَيِسْتُ منك يا عبد القادر. فقلتُ. اخسأْ يا لعين، فإنِّي لا أزال حَذِرًا منك، فقال: هذه أَشَدُّ عليَّ، ثمَّ كَشَفَ لي
[ ٢١ / ٩٧ ]
عن أشراك كثيرة متَّصلة بي من كلِّ جهة، فقلت: ما هذا؟ قيل لي: هذه أسباب الخَلْق متصلة بك. فتوجَّهتُ في أمرها سنة أخرى حتى تقطَّعت كلَّها، وانفردتُ عنها، ثمَّ كُشِفَ لي عن باطني، فرأيتُ قلبي مناطًا بعلائق كثيرة، فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: هذه إرادتك واختياراتك. فتوجَّهتُ في أمرها سنة أخرى حتى تقطعت جميعها، وتخلَّص منها قلبي، ثمَّ كُشِفَ لي عن نفسي، فرأيتُ أدواءها باقية، وهواها حيٌّ، وشيطانها مارِد، فتوجَّهتُ في ذلك سنة أخرى، فتراءت أدواء النَّفْس، وماتَ الهوى، وأسلم الشَّيطان، وصار الأمر كلُّه لله، فبقيت وَحْدي، الوجود كلُّه مِنْ خَلْفي، وما وصلتُ إلى مطلوبي بَعْدُ، فاجتذبت إلى بابِ التوكُّل لأدخل منه على مطلوبي، فإذا عنده زحمةٌ، فجُزْتُه، ثمَّ اجتذبت إلى باب التَّسليم لأدخل منه، فإذا عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب الغنى لأدخل منه، فوجدتُ عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب القرب لأدخل منه على مطلوبي، وإذا عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب المشاهدة لأدخل منه على مطلوبي، فإذا عنده زحمة، فجزته، ثمَّ اجتذبت إلى باب الفَقْر، فإذا هو خالٍ، فدخلت منه، فرأيتُ فيه كل ما تركته، وفُتِحَ لي منه الكنز الأكبر، وأُوتيت فيه العز الأعظم، والغِنى السَّرْمَد، والحرمة الخالصة، ومُحقت البقايا، ونُسِخَتِ الصِّفات، وجاء الوجود الثَّاني.
وقال الشيخ عمر البزاز: سمعتُ سيدنا الشيخ عبد القادر ﵁ يقول: كانتِ الأحوال تطرقني في بدايتي في السِّياحة، فأقاويها، فأملكها، فأغيب منها عن وجودي، وأعدو وأنا لا أدري، فإذا سُرِّيَ عنِّي من ذلك وجدتُ نفسي في مكان بعيدٍ عن المكان الذي كنتُ فيه، وطرقني الحالُ مرَّة، وأنا في خرائب بغداد، وَعَدَوْتُ قَدْرَ ساعة وأنا لا أدري، ثمَّ سُرِّي عني وأنا في بلاد ششتر، بيني وبين بغداد اثنا عشر يومًا، فبقيت مفكِّرًا في أمري، فإذا امرأةٌ تقول: أتعجب مِنْ هذا الأمر، وأنت الشيخ عبد القادر!
وقال الجُبَّائي: قال سَيِّدنا الشيخ عبد القادر ﵁: كان إذا وُلِدَ لي ولدٌ أخذته على يدي، وقلتُ: هذا ميت فأُخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثر عند موته شيئًا؛ لأني قد أخرجته من قلبي أول ما يولد.
[ ٢١ / ٩٨ ]
قال: فكان يموتُ من أولاده الذكور والإناث ليلة مجلسه فلا يقطع المجلس، ويصعد على الكرسي، ويعظ الناس، والغاسل يغسل الميت، فإذا فرغوا من غسله، جاؤوا به إلى المجلس، فينزل سيدنا الشيخ، ويصلِّي عليه.
وقال ابن الأخضر: كنتُ أدخل على سيدنا الشيخ عبد القادر - سلام الله عليه - في وسط الشتاء وقوَّة برده، وعليه قميصٌ واحد، وعلى رأسه طاقية، والعَرَقُ يخرج من جسده، وحوله من يروِّحُه كما يكون في شِدَّة الحَرِّ.
وقال أبو النَّجيب عبد القاهر السُّهْرَوَرْدِي: كان الشيخ حَمَّاد الدَّبَّاس يُسمع له كل ليلة كدَويِّ النَّحل، فقال أصحابُه للشيخ عبد القادر في سنة ثمانٍ وخمس مئة، وكان في صحبته يومئذٍ: اسأله عن ذلك. فسأله فقال له: إنَّ لي اثني عشر ألف مريد، وإني أذكر أسماءهم كلَّ ليلة، وأسأل لكلٍّ منهم حاجته إلى الله ﷿، وإذا أصابَ مريدٌ لي دنيا، فلا ينقضي عنه شهره ذلك حتى يتوب إشفاقًا عليه أن يتمادى فيه. فقال له الشيخ عبد القادر: لئن أعطاني الله تعالى منزلةً عنده لآخذنَّ من ربي ﵎ عهدًا لمريديَّ إلى يوم القيامة أن لا يموتَ أحدُهم إلا على توبة، ولأكوننَّ بذلك ضمينًا لهم، فقال الشيخ حماد: أشهدني الله تعالى سيعطيه ذلك، ويبسط ظل جاهه عليهم.
وقال المشايخ أبو السعود وأبو عبد الله محمَّد الأواني وعمر البزاز: ضَمِنَ سَيِّدُنا الشيخ عبد القادر لمريديه إلى يوم القيامة أن لا يموت أحدٌ منهم إلَّا على توبة، واعطي أن مريديه ومريدي مريديه إلى سبعةٍ يدخلون الجنة، وقال: أنا كافِلٌ لمريد المريد إلى سبعة، ولو انكشفت عورةٌ بالمغرب وأنا بالمشرق لسترتُها، وأُمِرْنا من حيثُ الحال والقدر أن نحفظ بهممنا أصحابنا، وطوبى لمن رآني، وأنا حسرةٌ لمن لم يرني.
وقال الشيخ علي الفرنثي: قال سَيِّدُنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه: أُعطيت سِجِلًّا مَدّ البصر فيه أسماء أصحابي ومريديّ إلى يوم القيامة، وقيل لي: قد وُهِبوا لك.
وقال السَّادة المشايخ عبد الغني وموفق الدين بن قدامة، وعبد الملك بن ديالى رحمة الله عليهم: سمعنا شيخَنا عبدَ القادر ﵀ يقول ببغداد على الكرسي في شهور سنة إحدى وستين وخمس مئة، وقد سُئِلَ عن فَضْل من انتمى إليه: البيضة منا بألف، والفَرْخ ما يُقَوَّم.
[ ٢١ / ٩٩ ]
وقال الشيخ أبو الحسن الجوسقي: حَضَرَ عند سيدنا الشيخ عبد القادر - سلام الله عليه - الشيخ علي بن الهيتي، والشيخ بقاء بن بطو، فقال سيدنا الشيخ عبد القادر: لي من كل طويلة فحل لا يقاوى، ولي في كل أرضٍ خيلٌ لا تسابق، ولي في كل جيش سلطان لا يخالف، ولي في كل منصب خليفةٌ لا يُعزل.
وقال المشايخ؛ أبو الفرج الدويرة، وعبد الكريم الأثري ويحيى بن يوسف الصرصري، وعلي بن محمَّد الشهراباني: كُنَّا عند الشيخ علي بن إدريس البعقوبي سنة عشر وست مئة، فجاء الشيخ عمر اليزيدي، فقال له الشيخ علي بن إدريس: اقصص عليهم رُؤْياك. فقال: رأيتُ في النَّوم القيامة قد قامت، والأنبياء وأممهم قادمين الموقف، ويتبع بعضَ الأنبياء الرَّجلان والرَّجل الواحد، ثمَّ أقبل رسولُ الله ﷺ يقدمه كالسَّيل وكاللَّيل، وفيهم المشايخ، ومع كلِّ شيحٍ أصحابُه متفاوتون عددًا وأنوارًا وبهجة، وأقبلَ رجلٌ في عِداد المشايخ، ومعه خَلْقٌ كثير يفضلون غيرهم، فسألتُ عنهم، فقيل: هذا الشيخ عبد القادر وأصحابه. فتقدَّمتُ إليه، وقلتُ له: يا سَيِّدي، ما رأيت في المشايخ أبهى منك، ولا في أتباعهم أحسن من أتباعك، فأنشد: [من الطويل]
إذا كان مِنَّا سيِّدٌ في عشيرةٍ … عَلاها وإنْ ضاق الخِناقُ حَمَاها
وما اخْتُبِرَتْ إلَّا وأصبحَ شَيخَها … وما افْتَخَرَتْ إلا وكانَ فَتاها
وما ضُرِبَتْ بالأَبْرَقَينِ خيامُنا … فأصبح مأوى الطَّارقين سواها (^١)
قال: فاستيقظتُ وأنا أحفظهن، وكان الشيخ محمّد الخَيَّاط الواعظ حاضرًا، فقال له الشيخ عليُّ بنُ إدريس: يا محمَّد، أَنْشِدْنا شيئًا في هذا المعنى على لسان الشيخ عبد القادر. فقال: [من الطويل]
هنيئًا لصحبي أنَّني قائِدُ الرَّكْبِ … أسيرُ بهم قَصْدًا إلى المَنْزِلِ الرَّحْبِ
وأكنُفُهُمْ والكُلُّ في شُغْلِ أمره … وأُنزلُهُمْ في حَضْرَة القُدْس من قُرْبي
ولي معهدٌ كلُّ الطَّوائِفِ دونَهُ … ولي مَنْهَلٌ عَذْبُ المشارِبِ والشِّرْبِ
وأهل الصَّفا يسعون خَلْفي وكلُّهُمْ … له هِمَّةٌ أمضى من الصَّارِمِ العَضْبِ
_________________
(١) الأبيات لأبي فراس الحمداني، وهي في "ديوانه": ٢/ ٤٢٥ طبعة المعهد الفرنسي بدمشق، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
[ ٢١ / ١٠٠ ]
فقال له الشيخ علي: أحسنتَ أحسنتَ، ولقد صدقت.
وقال الشيخ عمر البزاز: سمعتُ سيِّدي الشَّيخ عبد القادر ﵁ يقول: عَثَرَ حسين الحلاج فلم يكن في زمانه من يأخذ بيده، ولو كنتُ في زمنه لأخذتُ بيده، وأنا لكلِّ من عَثَر به مركوبه من أصحابي ومريديّ ومحبيّ إلى يوم القيامة آخذ بيده، يا هذا؛ فرسي مُسْرَج، ورمحي منصوب، وسيفي شاهر، وقوسي موتر، أحفظك لله، وأنتَ غافل!
ذكر شيء من أجوبته ﵁:
سُئِلَ عن صفات الموارد الإلهية والطَّوارق الشَّيطانية، فقال: الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب بسبب، ولا يأتي على نَمَطٍ واحد، ولا في وقتٍ مخصوص، والطَّارق الشَّيطاني بخلاف ذلك غالبًا.
وسئل عن المحبة، فقال: هي تشويش في القلوب يقع في المحبوب، فتصير الدُّنيا عليه كحَلْقة خاتم أو مجمع مأتم، والحبُّ سُكْرٌ لا صحو معه، وذِكْرٌ لا محو معه، وقَلَقٌ لا سكون معه، وخلوص المحبوب بكلِّ وَجْه سِرًّا وعلانية بإيثار اضطرار لا بإيثار اختيار، وبإرادة خِلْقة لا بإرادة كُلْفة، والحبُّ العمى عن غير المحبوب غيرةً عليه، والعمى عن المحبوب هيبةً له، فهو عمى كلُّه، والمحبون سُكارى لا يصحون إلا بمشاهدة محبوبهم، مَرْضى لا يشفون إلا بملاحظة مطلوبهم، حيارى لا يأنسون إلا بمولاهم، ولا يلهجون بغير ذكره، ولا يجيبون غير داعيه، وفي هذا المعنى يقول مجنون ليلى: [من الطويل]
لقد لامني في حُبِّ ليلى أقاربي
الأبيات (^١).
وسئل ﵁ عن التَّوحيد، فقال: هو إشارة سِرِّ الضَّمائر بإخفاء السَّرائر، عند ورود الحضرة، ومجاوزةُ القلب منتهى مقامات الأفكار، وارتفاعُه على أعلى درجات الوصال، وتجلُّله أستارَ التَّعظيم، وتخطِّيه إلى التقرُّب بأقدام التجريد، وترقيه إلى التَّداني بسعي التفريد، مع تلاشي الكونين، وتعطُّل الملكين، وخَلْعِ النَّعلينِ، واقتباس النُّورين، وفناء العالمين تحت لمَعان أنوار بروق الكَشْف من غير ما عزيمة متقدِّمة.
_________________
(١) وعجزه: أبي وابنُ عميِّ وابن خالي وخاليا وانظر الأبيات في "ديوانه": ص ٣٠٦ - ٣٠٧.
[ ٢١ / ١٠١ ]
وسئل عن التَّجريد، فقال: هو تجريد السِّرِّ عن المدثر بثياب السكون عن طلب المحبوب، وتعريه في التنزيل بلباس الطمأنينة على مفارقة المحدود، والرُّجوع من الخلق إلى الحقِّ مُبينًا.
وسئل عن الهِمَّة، فقال: هي أن يتعزَّى بنفسه عن حُبِّ الدُّنيا، وبروحه عن التعلُّقِ بالعقبى، وبقلبه عن إرادةٍ مع إرادة المولى، وبتجرُّدِ سِرِّه عن الإشارة إلى الكون ولو بلمحةٍ أو طرفة.
وسئل عن الشَّوق، فقال: أحسنُ الأشواقِ ما كان عن مشاهدة، فهو لا يَفْتُرُ على اللِّقاء، ولا يَسْكُنُ على الرؤية، ولا يذهب على الدُّنو، ولا يزول على الأُنْس، بل كلما ازداد لقاءً ازداد تشوُّقًا، ولا يصحُّ الشَّوق حتى يتجرَّد من عِلَله، وهي موافقة روح، أو متابعة هِمَّة، أو حَظُّ نَفْس، فيكونُ شوقًا مجرَّدًا عن الأسباب، فلا يدري السببَ الذي أوجب له ذلك الشوق، لأنه هو ذا يشاهده ويتشوق إلى المشاهدة مع المشاهدة.
وسئل عن التوكل، فقال: هو اشتغالُ السِّرِّ بالله عن غير الله، فينسى ما يتوكَّلُ عليه لأجله، ويستغني عما سواه، فيرتفع عن خشية الفَنَاء في التوكل، والتوكُّلُ استشراف السِّرِّ بملاحة عين المعرفة إلى خفي غيب المقدورات، واعتقاد حقيقة اليقين بمعاني مذاهب المعرفة أنها محتومة، لا يقدح فيها تناقض.
وسئل عن التَّوبة، فقال: التوبة نَظَرُ الحقِّ تعالى إلى عنايته السَّابقة القديمة لعبده، وإشارته بتلك العناية إلى قلب عبده، وتجريده إياه بالشَّفقة، مجتذبًا إليه وقابضًا، فإذا كان ذلك كذلك انجذب القلب إليه عن كلِّ هِمَّةٍ فاسدة، وتابعته الروح، ووافقه العقل، وصحَّتِ التوبة، وصار الأمر كلُّه لله تعالى.
وسئل عن البكاء، فقال: ابك له، وابك منه، وابك عليه.
وسئل عن الدُّنيا، فقال: أَخْرِجْها من قَلْبك إلى يدك، فإنها لا تغرُّك.
وسئل عن التَّصوف، فقال: الصُّوفي من جَعَل ضالَّته مراد الحقِّ منه، ورَفَضَ الدُّنيا فَخَدَمَتْه ووفَّتْه أقسامه، وحَصَلَ له في الدُّنيا قبل الآخرة مرامه، فعليه من ربه سلامه.
[ ٢١ / ١٠٢ ]
وسئل عن الفَرْق بين التعزُّز والتكبُّر، فقال: التعزُّز ما كان لله وفي الله، ويفيد ذُلَّ النَّفْس، وارتفاع الهِمَّة إلى الله ﷿. والتَّكبُّرُ ما كان للنَّفْس، وفي الهوى، ويفيد هيجان الطَّبع وقهقرة الإرادة عن الله ﷿، والكِبْر الطَّبيعي أسهل من الكبر المكتسب.
وسئل عن الشُّكْر، فقال: حقيقةُ الشكر الاعترافُ بنعمة المُنْعم على وَجْه الخضوع، ومشاهدةُ المِنَّة وحفظُ الحُرْمة على وَجْه معرفة العجز عن الشكر، وينقسم أقسامًا:
شكر باللِّسان: وهو الاعتراف بالنعمة بنعت الاستكانة.
وشكر بالأركان: وهو الإنصاف بالخدمة، والوقار.
وشكر بالقلب: وهو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحُرمة، ثمَّ التَّرقِّي بعد حضور هذه المشاهدة إلى الغيبة في رؤية المنعم عن رؤية النِّعمة. والشاكر الذي يشكر على الموجود، والشَّكور الذي يشكر على المفقود. والحامد الذي يشهد مع المنع عطاء، والضُّرّ نفعًا، ثمَّ يستوي عنده الوصفان، والحمد الذي يستنفد المحامد شهود الكمال بوصف الجمال، ونعت الجلال بعين المعرفة على بساط القُرْب.
وسئل عن الصبر، فقال: هو الوقوف مع البلاء بحُسْنِ الأدب، والثَّبات مع الله ﷿، وتلقي أمر أقضيته بالرُّحْب والسَّعَة على أحكام الكتاب والسُّنَّة، وينقسم أقسامًا: صبر لله، وهو الثَّبات على أداء أمره، وانتهاء نهيه. وصبر مع الله: وهو السُّكون تحت جريان قضائه وفعله فيك، وإظهار الغِنى مع حلول الفقر من غير تعبيس. وصبر على الله: وهو الرُّكون إلى وَعْده في كلِّ شيء، والسير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن، وهِجْران الخَلْق في جَنْبِ الحقِّ شديد، والمسير من النَّفس إلى الله أشدّ، والصَّبر مع الله أشد، والفقيرُ الصَّابر أفضل من الغنيِّ الشَّاكر، والفقير الشَّاكر أفضل منهما، والفقير الصَّابر الشاكر أفضل منهم، وما خطب البلاء إلا مَنْ عرف المبتلي.
وسُئِلَ عن حُسن الخُلُق، فقال: هو أن [لا] يؤثر فيك جفاءُ الخَلْق بعد مطالعتك الحق (^١)، واستصغار نفسك وما منها معرفةً بعيوبها، واستعظام الخلق وما منهم نظرًا إلى ما أُودعوا من الحِكَم والإيمان، وهو أفضلُ مناقب العبد، وبه تظهر جواهر الرجال.
_________________
(١) في (ح): هو أن يؤثر فيك خفاء الحق، والمثبت من "الغنية": ٢/ ١٩٢، وما بين حاصرتين منه.
[ ٢١ / ١٠٣ ]
وسئل عن الأخذ والرَّدِّ، فقال: الأخذ مع وجود الهوى من غير الأمر عنادٌ وشقاق، الأخذ مع عدم الهوى وفاق واتِّفاق، وتركه رياءٌ ونفاق.
وسُئِلَ عن الفناء، فقال: هو أن يطالع الحقُّ تعالى سِرَّ وليِّه بأَدنى تجليه، فيتلاشى الكون ويفنى الولي تحت تلك الإشارة، وفناؤه في ذلك الوقت بقاءٌ، لكنَّه يفنى تحت إشارة الباقي، فإنْ كانت إشارة الحق نفسه، فإنَّ تجليه بنفسه، فكأنَّه ينفيه عنه، ثمَّ ينفيه به.
وسئل عن الوفاء، فقال: هو الرِّعاية لحقوق الله تعالى في الحرمات أن لا يطالعها بسِرٍّ ولا نَظَر، والمحافظة على حدود الله قولًا وفعلًا، والمسارعة إلى مرضاته بالكُلِّية سِرًّا وجَهْرًا.
وسُئِلَ عن الرِّضا، فقال: هو ارتفاع التَّردُّد، والاكتفاء بما سَبَق في عِلْم الله ﷿ في أزله، والرِّضا أن لا يستشرف القَلْبُ إلى نزولِ قضاءٍ من الأقضية بعينه، فإذا نَزَلَ قضاءٌ، فلا يستشرف القلب إلى زواله.
وسئل ﵁ عن الخوف، فقال: الخوفُ على أنواعٍ: فالخوفُ للمُذْنبين، والرَّهبة للعابدين، والخَشْية للعالمين، والوَجْد للمحبين، والهيبة للعارفين، فخوفُ المُذنبين من العقوبات، وخوفُ العابدين من فوت ثواب العبادات، وخوفُ العالمين من الشكر الخفي للطَّاعات، وخوفُ المحبين فوت اللِّقاء، وخوف العارفين الهيبة والتَّعظيم، وهو أشد الخوف؛ لأنَّه لا يزول أبدًا، وسائر هذه الأنواع تسكن إذا قوبلت بالرَّحمة واللُّطف.
وسُئِلَ عن الدُّعاء، فقال: هو على ثلاث درجات: تصريح، وتعريض، وإشارة، فالتَّصريح: ما يلفظ به، والتَّعريض: دعاء في دعاء مضمر، وقول في قول مستور، وإشارة في فعل مخفي، فمن التعريض قولُ النَّبي ﷺ: "لا تكِلْنا إلى أنفسنا طَرْفة عين" (^١)، ومن الإشارة قولُ إبراهيمَ الخليل ﷺ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، يشير إلى الرؤية، والتَّصريح قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
_________________
(١) كذا قال، ولم أجده مرفوعًا في دواوين السنة المعتمدة.
[ ٢١ / ١٠٤ ]
وسُئِلَ عن المشاهدة، فقال: هي العمى عن الكونين بعين الفؤاد، ومطالعة الحقِّ بعين المعرفة على غير توهُّم استدراكٍ، ولا طَمَعٍ في تصوُّرٍ ولا تكييف، واطِّلاع القلوب بصفاء اليقين إلى ما أخبر الحق تعالى به من الغيوب.
وسُئِلَ ﵁ عن معنى القُرْب، فقال: هو طَيُّ المسافاتِ بلطف المداناة.
وقيل بين يديه: ما أحسنَ المولَّهين، فقال: عقلاءُ الله تعالى أحسن، لأنَّ المولَّه سُلِبَ عقله بنظرة أو لحظةٍ، والعاقل تهبُّ عليه نسمات الله فلا تحرِّك من شعر لحيته طاقة تجمّل بها على تحامل النبوة (^١).
وقال الشيخ عبد الرَّزَّاق: كان من أدعية والدي في مجالس وعظه: اللهمَّ، إنَّا نسألك إيمانًا يصلح للعرض عليك، وإتقانًا نقف به في القيامة بين يديك، وعصمة تنقذنا بها من ورطات الذنوب، ورحمة تطهرنا بها من دَنَس العيوب، وعِلْمًا نفقه به أوامرك ونواهيك، وفهمًا نعلم به كيف نناجيك، واجعلنا في الدُّنيا والآخرة من أَهْل ولايتك، واملأ قلوبنا بنور معرفتك، وكَحِّلْ عيون عقولنا بإثمد هدايتك، واحرس أقدام أفكارنا من زوالق مواطئ الشبهات، وامنع طيور نفوسنا من الوقوع في شباك موبقات الشهوات، أعِنَّا في إقام الصَّلوات على تَرْك الشهوات، وامحُ سطور سيئاتنا من جرائد أعمالنا بأيدي الحسنات، كن لنا حيثُ ينقطع الرَّجاء منا إذا أعرض أهلُ الوجود بوجوههم عنا، حين نحصل في ظُلَم اللحود رهائن أفعالنا إلى اليوم المشهود، أَجِرْ عبدك الضَّعيف على ما ألف من العِصْمة من الزَّلل، ووَفِقْه والحاضرين لصالح القَوْل والعمل، وأَجْرِ على لسانه ما ينتفع به السَّامع، وتَذْرِفُ له المدامع، ويلين له القَلْبُ الخاشع، واغفرْ له وللحاضرين، ولجميع المسلمين.
وكان من أدعيته:
اللهم، إنَّا نعوذ بوصلك من صَدِّك، وبقربك من طَرْدك، وبقَبُولك من ردِّك، فاجعلنا من أهل طاعتك ووُدِّك، وأَهِّلنا لشكرك وحمدك.
_________________
(١) كذا، ولم تتجه لي العبارة.
[ ٢١ / ١٠٥ ]
وكان ربما خَتَمَ مجلسه بأن يقول: جَعَلَنا الله وإياكم ممن تَنَبَّه لخلاصه، وتنزَّه عن الدُّنيا، وتذكر يوم حشره، واقتفى آثار الصَّالحين، إنَّه وليُّ ذلك، والقادر عليه.
تسمية شيوخه:
اشتغل بالقرآن العظيم حتى أتقنه، وتفقه بأبي الوفاء علي بن عَقيل، وأبي الخَطَّاب محفوظ الكَلْواذاني، وأبي الحسن محمَّد بن القاضي أبي العلاء، وأبي سَعْد المبارك بن علي المُخَرِّمي مَذْهبًا وخلافًا وفروعًا وأصولًا، وقرأ الأدب على أبي زكريا يحيى بن علي التِّبْريزي، وسَمِعَ الحديث من جماعةٍ، منهم: أبو غالب محمَّد بن الحسن الباقِلَّاني، وأبو سَعْد محمَّد بن عبد الكريم بن خُشَيش، وأبو الغنائم محمَّد بن علي بن ميمون النَّرْسي، وأبو بكر أحمد بن المُظفَّر، وأبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسن القارئ السَّرَّاج، وأبو القاسم علي بن أحمد بن بيان الكَرْخي، وأبو عثمان إسماعيل بن محمَّد، وأبو طالب عبد القادر بن محمَّد بن يوسف، وابن عمه عبد الرَّحمن بن أحمد، وأبو البركات هبة الله بن المبارك، وأبو العِزّ محمَّد بن المختار، وأبو نَصْر محمَّد، وأبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى أولاد الإمام أبي علي بن البَنَّاء، وأبو الحسين المبارك ابن الطُّيوري، وأبو منصور عبد الرَّحمن القَزَّاز، وأبو البركات طلحة العاقولي، وغيرهم.
وصَحِبَ الشيخ أبا الخير حَمَّاد الدَّبَّاس (^١)، وأخذ عنه عِلْم الطَّريقة، وتأدَّب به، وأخذ الخِرْقة الشَّريفة من أبي سَعْد المبارك المخرِّمي، ولقي جماعةً من أعيان زُهَّاد الزمان، وأضيف إلى مدرسة المخرِّمي مما حولها من المنازل والأمكنة ما يزيد على مثليها، وبذل الأغنياءُ في عمارتها أموالهم، وعمل الفقراء بأنفسهم، فتكملت المدرسة المنسوبة إليه الآن، وكان الفراغ منها في سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، وتصدَّر بها للتدريس والفتوى، وجَلَسَ بها للوعظ، وقُصِدَت بالزِّيارات والنُّذور، واجتمع عنده بها من العلماء والفقهاء والصُّلحاء جماعة من الآفاق، فحملوا عنه وسمعوا عنه، وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق، وتتلمذ له خلق كثير، فممن انتمى إليه من المشايخ وأخذ عنه شيئًا من العلوم الشيخ الإمام القُدْوة أبو عمرو عمار بن مرزوق بن حميد بن سلام القُرَشي، نزيل مِصْر.
_________________
(١) في ترجمته في "السير" ١٩/ ٥٩٤: "أبو عبد الله".
[ ٢١ / ١٠٦ ]
قال الشيخ عبد الرَّزَّاق: لما حَجَّ والدي ﵀ في السنة التي كنتُ فيها معه، اجتمع به في عرفات الشيخان: عمَّار بن مرزوق، وأبو مَدْين، ولبسا منه خرقة بركة، وسمعا عليه جزءًا من مروياته، وجلسا بين يديه.
وقال الشيخ سَعْد بن عمار بن مرزوق: كان أبي ﵀ يقول: قال شيخُنا عبد القادر كذا وكذا، رأيتُ سَيِّدَنا الشيخ عبد القادر يفعل كذا وكذا، سمعتُ أستاذنا الشيخ عبد القادر يقول كذا، وكان إمامنا وقُدْوتنا الشيخ عبد القادر يفعل كذا.
والقاضي أبو يعلى محمَّد ابن الفَرَّاء.
قال عبد العزيز بن الأخضر: سمعتُ القاضي أبا يعلى ابن الفَرَّاء يقول: جالستُ الشيخ عبد القادر كثيرًا، وقلتُ بإرادته.
والشيخ الفقيه أبو الفَتْح نَصْر بن فِتْيان بن مطر بن المَنِّي، والشيخ أبو محمَّد محمود بن عثمان النَّعَّال، والإمام أبو حفص عمر بن أبي نَصْر بن علي الغَزَّالي، والشيخ أبو محمَّد الحسن الفارسي، والشيخ عبد الله بن أحمد بن الخَشَّاب، والحافظ أبو العِزّ عبد المغيث بن زهير بن علوي الحَرْبي، والإمام أبو عمر عثمان بن إسماعيل الملقب بشافعي زمانه، والشيخ محمَّد الكِيزاني، والشيخ الفقيه رسلان بن عبد الله بن شعبان، والشيخ أبو السعود أحمد بن أبي بكر الحَرِيمي العَطَّار، والشيخ محمّد بن قائد الأَوَاني، وعبد الله بن سنان الرُّدَيني، والحسن بن عبد الله بن رافع الأنصاري، وطلحة بن مُظَفَّر بن غانم العَلْثي، وأحمد بن أسعد بن وهب بن علي الهَرَوي، ومحمَّد بن الأزهر الصَّريفيني، و[أحمد بن] (^١) يحيى بن بركة بن محفوظ الدَّبيقي، وعلي بن أحمد بن وهب الأَزَجي، وقاضي القضاة عليّ، وأخوه الحسن ابنا أحمد بن الدَّامَغَاني، وقاضي القضاة عبد الملك بن علي بن دِرْباس الماراني، وأخوه عثمان، وولده عبد الرَّحمن، وإبراهيم بن مُزَيبل بن نَصْر المخزومي الضَّرير، وولده عبد الله، ومحمَّد بن رسلان الشَّافعي، وولده عبد الرحمن، وعبد الله بن نَصْر بن حمزة البكري، وعبد الجبَّار بن أبي الفَضْل القَفْصي، وعلي بن طاهر الأَنصاري، وعبد الغني بن عبد
_________________
(١) ما بين حاصرتين من "معجم البلدان": ٢/ ٤٣٨.
[ ٢١ / ١٠٧ ]
الواحد المقدسي الحافظ، وأبو عمر محمَّد بن أحمد ابن قدامة المقدسي، وإبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، وعبد الله بن أحمد بن محمَّد بن قدامة المقدسي الإمام موفق الدِّين، ﵀.
قال الشيخ شمس الدِّين ﵀: سمعتُ الشيخ موفق الدين ﵀ يقول: لبست أنا والحافظ عبد الغني الخِرْقة من يد شيخ الإِسلام عبد القادر في وقتٍ واحد، واشتغلنا عليه بالفِقْه، وسمعنا منه، وانتفعنا بصحبته، ولم ندرك من حياته غير خمسين ليلة.
[وأبو] (^١) محمَّد بن أبي الحسن الجُبَّائي، وخلف بن عَيَّاش المِصْري، وعبد المنعم بن علي الحَرَّاني، وإبراهيم الحداد التيمي، وعبد الله الأسدي اليمنى، وعطيف بن زياد اليمني، وعمر بن أحمد اليَمَني، ومدافع بن أحمد وإبراهيم بن بشارة العدني، وعمر بن مسعود البَزَّاز، وأسباه مير بن محمّد الجيلاني، وعبد الله البطائحي نزيل بَعْلَبَكّ، ومكي بن أبي عثمان السَّعْدي وولداه عبد الرَّحمن وصالح، وعبد الله بن الحسين العُكْبَرِي، وأبو القاسم بن أبي بكر بن أحمد، وأخوه أحمد، وعتيق، وعبد العزيز بن أبي نَضْر الجُنَابَذي، ومحمّد بن أبي المكارم الحجة البعقوبي، وعبد الملك بن ديالى، وولداه أبو الفرج وأبو أحمد، وعبد الرَّحمن بن نجم الخَزْرجي، ويحيى التكريتي، وهلال بن أُميَّة العَدَني، ويوسف بن المُظَفَّر - يعرف بالعاقول - وأحمد بن إسماعيل بن حمزة، وعبد الله بن أحمد المنصوري، ومحمّد بن شهرويه الصّريفيني، وعثمان الياسري، ومحمّد الواعظ الخَيَّاط، وتاج الدِّين بن بطة، وعمر المدائني، وعبد الرَّحمن بن بقاء، ومحمّد بن النَّحال، وعبد العزيز بن دُلَف، وعبد الكريم بن محمّد المِصْري، وعبد الله بن محمَّد بن الوليد، وعبد المحسن بن الدَّوَيرة، ومحمد بن أبي الحسين، ومحمَّد بن عبد الصَّمد الصُّوفي نزيل مِصْر، ودُلَف الحَرِيمي، ومحمد بن أحمد المؤدِّب، ويوسف بن هبة الله الدِّمَشْقي، وعبد الباقي بن عبد الجبار الهَرَوي، وأحمد بن الدَّبيقي البابَصْري، وعبد الرَّحمن بن محمَّد الهاشمي، وأحمد بن مطيع، وعلي بن النَّفيس المأموني، ومحمد بن الليث الضَّرير، والشريف أحمد بن مسعود، وعلي بن أبي بكر بن إدريس، ومحمد بن نَصْر، وعبد اللطيف بن محمَّد
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة من عندنا.
[ ٢١ / ١٠٨ ]
الحَرَّاني وغيرهم، ممن يطول هذا المختصر بذكرهم، وإنما سمينا أعيان من بَلَغنا من أصحابه.
ذكر أولاده، ﵃:
كان له عِدَّة أولاد ذكورًا وإناثًا، فمن أعيانهم الشيخ عبد الوهَّاب، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي غالب بن البَنَّاء وغيرهما، ورحل إلى بلاد العَجَم في طلب العِلْم، ودرَّس بعد والده بمدرسته، وحدَّث ووعظ وأفتى، وتخرَّج به جماعة، منهم: الشِّريف الحسيني البغدادي، وأحمد بن عبد الواسع بن أميركاه، وغيرهما، وتوفي ببغداد ليلة الخامس وعشرين من شوَّال سنةَ ثلاثٍ وتسعين وخمس مئة، ودفن من الغد بمقبرة الحَلْبة، ومولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، ﵀.
والشيخ عيسى، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي الحسن محمَّد بن صَرْما وغيرهما، ودرَّس، وحدَّث، ووعظ، وأفتى، وصنَّف، ومن مصنَّفاته كتاب "جواهر الأسرار ولطائف الأنوار" في علوم الصُّوفية، وقَدِمَ مصر، وحدَّث بها، ووعظ، وتخرَّج به من أهلها غيرُ واحد، منهم: أبو نزار ربيعة بن الحسن الحَضْرمي الصَّنعاني، ومسافر بن يعمر المِصْري، وأحمد بن مَيسرة، وحامد بن أحمد المِصْري الأَرْتاحي، ومحمّد بن حمد الفقيه المحدِّث، وعبد الخالق بن صالح القُرَشي الأموي المِصْري، وغيرهم.
والشيخ أبو بكر عبد العزيز، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي منصور عبد الرَّحمن بن محمَّد القَزَّاز، وغيرهما، وحدَّث ووعظ، ودرَّس، وتخرَّج به غيرُ واحد، وكان بَهِيًّا متواضعًا، رحل إلى الحيال؛ قرية من قُرى سِنْجار، واستوطنها، ﵀.
والشيخ عبد الجبار، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن أبي منصور القَزَّاز، وغيرهما.
والشيخ عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده، وسَمِعَ منه، ومن أبي الحسن بن صَرْما وغيرهما، وحدَّث وأملى، وخرَّجَ، ودرَّس، وأفتى، وناظر، وتخرَّج به غيرُ واحد، منهم: إسحاق بن أحمد بن غانم العَلْثي، وعليّ بن علي خطيب رُؤْيا وغيرهما، وحُدِّث عنه أنَّه مَكَثَ ثلاثين سنة لا يرفع رأسه إلى السَّماء حياءً من ربه ﷿. وتوفي ببغداد
[ ٢١ / ١٠٩ ]
في السادس من شَوَّال سنة [ثلاث وست مئة، ومولده سنة] (^١) ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، ﵀.
والشيخ إبراهيم، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن سعيد بن البَنَّاء وغيرهما، ورحل إلى واسط، وتوفي بها سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة.
والشيخ محمّد، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن ابن البَنَّاء، وأبي الوقت، وغيرهم، وحدَّث، وتوفي ببغداد في الخامس والعشرين من ذي القَعْدة سنةَ ست مئة، ودُفِنَ من يومه بمقبرة الحَلْبة، ﵀.
والشيخ عبد الله، سمع من أبيه، ومن ابن البَنَّاء، وتوفي ببغداد في السَّابع والعشرين من صفر سنةَ سبعٍ وثمانين وخمس مئة، ومولده سنة ثمانٍ وخمس مئة، وهو أسنُّ أولاد سيدنا الشيخ محيي الدِّين، رحمة الله عليه.
والشيخ يحيى، تفقَّه على والده، وسمع منه، ومن محمَّد بن عبد الباقي وغيرهما، وحدَّث، وانتفع به النَّاس، وقَدِمَ مِصْر، وتوفي ببغداد في ليلة النِّصف من شعبان سنة ستّ مئة، ودُفِن عند أخيه عبد الوهَّاب، ومولده في سادس ربيع الأوّل سنة خمسين وخمس مئة، ﵀.
والشيخ موسى، تفقَّه على والده، وسَمِعَ منه، ومن ابن البَنَّاء وغيرهما، وحدَّث بدمشق وعمَّر، وانتفع به النَّاس، ودخل مِصْر، واستوطن دمشق، وتوفي بها بالعقيبة في ليلة مستهل جُمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وست مئة، ودفن بسفح جبل قاسيون، ومولده سَلْخ ربيع الأول سنة تسعٍ وثلاثين وخمس مئة، ويقال: سنة سبع وثلاثين وخمس مئة، وهو آخر مَنْ مات من أولاده ﵃.
والشيخ عفيف بن المبارك سِبْطه، تفقَّه على جَدِّه، وسمع منه، ومن أبي زُرْعة.
وعبد السَّلام بن الشيخ عبد الوهَّاب، تفقَّه على جَدِّه وأبيه، ودرَّس وأفتى، وتولى عِدَّة ولايات، ومولده ثامن ذي الحِجَّة سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، وتوفي ببغداد
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ٢١ / ١١٠ ]
في ثالث رجب سنة إحدى عشرة وست مئة، ودُفِنَ من يومه في مقبرة الحَلْبة، وسيأتي ذكره إنْ شاء الله تعالى.
وسليمان بن عبد الوهَّاب: سمع من غير واحد، وحدَّث.
وداود بن عبد الوهَّاب، تفقه وسَمِعَ وحدَّث، وتوفي ببغداد في ثامن عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وأربعين وست مئة، ودُفِنَ من الغد بمقبرة الحَلْبة عند أبيه وجَدِّه، ﵀.
ونصر بن الشيخ عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده وغيره، وسمع منه، ومن والده، ومن عمه عبد الوهَّاب، ومن أبي هاشم الدُّوْشابي وغيرهم، ودرَّس وحدَّث، وأملى، ووعظ، وأفتى وناظر، وتولى قضاء القضاة بمدينة السَّلام، وتخرَّج به في عِلْمي الشَّريعة والحقيقة غيرُ واحد، وتوفي ببغداد في السَّادس عشر من شَوَّال سنة ثلاثٍ وثلاثين وستّ مئة، ودفن بباب حَرْب، ومولده الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمس مئة. وأُمه أَمَةُ الكريم تاج النِّساء بنت فضائل بن علي التَّكْريتي، سمعت وحدَّثت، وكان لها حظٌّ وافر من الخير والصَّلاح، وتوفيت ببغداد في الثَّاني عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة وست مئة، ودُفنت بباب حَرْب.
وعبدُ الرَّحيم بن الشيخ عبد الرَّزاق، سمع من محمّد بن عبد الباقي، وشُهْدة بنت الإِبَرِي، وخديجة بنت أحمد النَّهرواني وغيرهم، وحدَّث، وتوفي ببغداد في سابع ربيع الأوّل سنة ستٍّ وست مئة، ودُفِنَ من يومه بباب حرْب.
وإسماعيل بن عبد الرَّزَّاق، سمع من غير واحد، وتفقَّه، وحدَّث، وتوفي ببغداد في ثالث عشر المحرَّم سنة ست مئة، ودُفِنَ بمقبرة الإمام أحمد، رحمة الله عليه.
وأبو المحاسن بن عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده، وغيره، وسمع منه، ومن عمِّه عبد الوهَّاب وأبي الفَتْح، وغيرهم. وتوفي شهيدًا بأيدي التَّتر ببغداد في صفر سنة ست وخمسين وست مئة، ومولده سنة أربع وسبعين وخمس مئة ببغداد، ﵀.
والشيخة سعادة بنت عبد الرَّزَّاق، سمعت من عبد الحق، وغيره، وتوفيت ببغداد في سابع عشر جُمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وست مئة، وصَلَّى عليها أبو صالح.
[ ٢١ / ١١١ ]
والشيخة عائشة بنت عبد الرَّزَّاق، سَمِعَتْ من عبد الحقِّ وغيره، وحدَّثت، وكانت خَيِّرة، زاهدة، عابدة، صالحة، توفيت ببغداد في ثالث عشر ربيع الأَوَّل سنة ثمانٍ وعشرين وست مئة، ودُفِنَتْ من الغد بباب حَرْب.
ومحمَّد بن عبد العزيز، سمع من غير واحد، وكانت الحيال داره وتُرْبَتَه، وأُخته زهراء زاهدة، سَمِعَتْ وحدَّثَتْ، وتوفيت ببغداد في السَّابع من جُمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وست مئة.
والشيخ محمّد بن نَصْر بن عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على والده، وسمع منه ومن غيره، وكان يُشْبه جدَّ أبيه سيدنا شيخ الإِسلام محيي الدِّين رحمة الله عليه، وتوفي ببغداد سنة ستٍّ وخمسين وست مئة.
والشيخ يحيى بن نَصْر بن عبد الرزاق، تفقَّه على والده وغيره، وسمع من والده، ومن غيره، وحدَّث ووعظ، وله كلامٌ حسن على لسان أهل الحقيقة، وشِعْرٌ بديع، سُئِلَ عن المتمكِّن، فأنشد لنفسه: [من البسيط]
يسقي ويشربُ لا تلهيه سَكْرَتُهُ … عن النَّديمِ ولا يلهو عن الكاسِ
أطاعه سُكْرُهُ حتى تحكَّمَ في … حالِ الصُّحاةِ وذا من أَعْجَبِ النَّاسِ
ثمَّ تلعَّب فيهما بالعبارة، فقال: [من الوافر]
ويَشْرَب ثُمَّ يسقيها النَّدامى … ولا يُلْهيه كأسٌ عن نديمِ
له مع سُكْره تأييدُ صاحٍ … ونشوةُ شارِبٍ وندى كريمِ
والشيخ محمّد بن علي البغدادي التَّوحيدي، سِبْط عبد الرَّزَّاق، تفقَّه على خاله نصر، وتخرَّج به، وسمع منه، ومن عليِّ بن أبي بكر البعقوبي، وعمر السُّهْرَوَرْدِي، وإسحاق العَلْثي، وهبة الله المنصوري الخطيب وغيرهم، توفي ببغداد على أيدي التَّتر شهيدًا في صفر سنة ستٍّ وخمسين وستّ مئة، ولقد كان منهم بمصر غير واحد وبغيرها من البلاد، ﵏ أجمعين.
ذكر ثناء المشايخ على سيدنا الشيخ محيي الدِّين ﵁، وتعظيمهم له وتأدُّبهم معه، وذكرهم لشيء من طريقه، وتنبههم على عِظَم مَحَلِّه وعلوِّ قَدْره.
[ ٢١ / ١١٢ ]
قال أبو الفتح الهروي: سمعتُ الشيخ علي بن الهِيتي يقول: لا مريدين بشيخهم أسعد من مريدي الشيخ عبد القادر، سلام الله عليه.
قال: وسمعتُ الشيخ أبا سعد القيلويي يقول: ما رَجَعَ سيدنا الشيخ عبد القادر إلى العالم إلَّا على أن من تمسَّك بذيله نجا.
وقال بقاء بن بطو: رأيتُ أصحابَ سيدي الشيخ عبد القادر كلَّهم غُرًّا في جحفل السعداء.
وقال الشيخ عدي بن أبي البركات: سمعتُ عمي الشيخ عدي بن مسافر سنة أربعٍ وخمسين وخمس مئة بزاويته بالجبل يقول: مَنْ سألني من أصحاب المشايخ أن أُلبسه خرقةً فعلتُ له ذلك، إلا أصحابَ الشيخ عبد القادر، فإنهم منغمسون في الرحمة، وهل يترك أحدٌ البحر ويأتي إلى السَّاقية!
وقال الشيخ علي بن إدريس البعقوبي: سُئِلَ الشيخ علي بن الهيتي وأنا أسمع عن طريق سيِّدنا الشيخ عبد القادر، ﵁، فقال: كان قدمه التَّفويض والموافقة مع التَّبرِّي من الحَوْل والقُوة، وطريقه تجريدُ التَّوحيد، وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية بسر قائم في مقام العِنْدية لا بشيء ولا لشيء، وكانت عبوديته مستمدَّة من لحظ كمال الرُّبوبية، فهو عبدٌ سما عن مصاحبة التفرقة إلى مطالعة الجمع مع أحكام الشَّرع.
وقال الشيخ عدي بن أبي البركات: قيل لعمِّي الشيخ عَدِي بن مسافر، وأنا أسمع: ما طريقُ الشيخ عبد القادر؟ فقال: الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والرُّوح، واتِّحاد الباطن والظَّاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النَّفع والضّر، والقُرْب والبُعْد.
وقال الخليل بن أحمد الصَّرْصَرِي: سمعتُ الشيخ بقاء بن بطو يقول: طريقُ سيِّدنا الشيخ عبد القادر ﵁ اتحاد القول والفعل، واتحاد النفس والوقت، ومعانقة الإخلاص والتَّسليم، وموافقة الكِتاب والسُّنَّة في كل خطرة ولحظة، ونفس ووارد وحال، والثبوت مع الله ﷿.
[ ٢١ / ١١٣ ]
وقال الشيخ أبو سعد القيلويي: قوة سيدنا الشيخ عبد القادر مع الله وفي الله وبالله، ضَعُفَتْ عندها قُوى الصَّناديد، ولقد سبق كثيرًا من المتقدِّمين بتمسكه بعروة من طريقة لا انفصامَ لها، ولقد رفعه الله إلى مقام عزيز بتدقيقه في تحقيقه.
وقال الشيخ عبد الرَّحمن الرِّفاعي: قَدِمْتُ بغداد، وحضرتُ الشيخ عبد القادر - سلام الله عليه - فرأيتُ من حاله وفراغ قلبه وخلوِّ سِرِّه ما أذهلني، فلما رجعتُ إلى أُم عبيدة (^١) أخبرت خالي الشيخ أحمد عنه بذلك، فقال: يا ولدي، ومن يُطيق مثل قوة الشيخ عبد القادر وما هو عليه، وما وصل إليه.
وقال أبو محمَّد الحسن: سمعتُ الشيخ علي الفرنثي يقول لرجلٍ: لو رأيتَ الشيخ عبد القادر لرأيتَ رجلًا فاقت قوتُه في طريقه إلى ربه قوى أهل الطَّرائق شِدَّة ولزومًا، كانت طريقه التَّوحيد وصفًا وحُكْمًا وحالًا، وتحقيقه الشَّرْع ظاهرًا وباطنًا، ووصفه: قلبٌ فارغ، وكونٌ غائب، ومشاهدة ربٍّ حاضر، بسريرة لا تتجاذبها الشكوك، وسِرٍّ لا تتنازعه الأغيار، وقلبٍ لا تفرقه البقايا، جعل الملكوت الأكبر من ورائه، والمُلْك الأعظم تحت قدمه، ﵁.
وقال الشيخ أبو محمد الشَّنْبكي: سمعتُ شيخنا أبا بكر بن هوار يقول: أوتاد العراق ثمانية: معروف الكَرْخي، والإمام أحمد بن حنبل، وبِشْر الحافي، ومنصور بن عَمَّار، والجُنَيد، والسَّرِي، وسَهْل بن عبد الله التُّستري، وعبد القادر الجِيلي. فقلتُ له: ومن عبد القادر؟ قال: عجميٌّ شريف، يسكن بغداد، يكون ظهوره في القرن الخامس، وهو أحدُ الصِّدِّيقين الأوتاد، الأفراد، أعيان الدُّنيا، أقطاب الزَّمان.
وقال الشيخ أبو محمَّد الشَّنْبكي: كان شيخنا أبو بكر بن هوار يذكر الشيخ عبد القادر الذي يتوق يظهر بالعراق في وسط القرن الخامس، وينص على فضْله، وما كان علمي به يتجاوز مسمعي، ثمَّ كوشفت بمقامات الأولياء، فإذا هو في صدورهم، وكوشفت بمقامات العلماء، فإذا هو في صدورهم، وكوشفت بمقامات الأقطاب، فإذا هو في صدورهم، وكوشفت بمراتب المقرَّبين، فإذا هو من أعلاهم، وكوشفت بأطوار
_________________
(١) أم عبيدة: أرض بالبطائح، وانظر "طبقات الشعراني": ١/ ١٢١.
[ ٢١ / ١١٤ ]
المكاشفين، فإذا هو من أجلِّهم، وسيظهره الله مظهرًا لا يظهر فيه إلا الصِّدِّيقون المُؤَيَّدون العلماء بالله تعالى، وهو ممن يُقْتدى بأفعاله وأقواله، وسوف يرفع الله ببركته خَلْقًا من العباد إلى الدَّرجات العُلى، وهو ممن يباهي الله به الأمم يوم القيامة.
قلتُ: وكان الشيخ أبو بكر بن هوار - رحمة الله عليه - عظيمَ القَدْر، كبيرَ الشَّأْن وإليه ينتمي أكثر أعيان مشايخ العراق، وتتلمذ له خَلْق كثير لا يحصون من أرباب المقامات الرَّفيعة، وكان جميلَ الصِّفات، شريف الأخلاق، كامل الآداب، كثيرَ التَّواضع، شديدَ الاقتفاء لأحكام الشَّرْع، مكرِّمًا لأهل السُّنَّة والدِّين، دائم المجاهدة، لازم المراقبة إلى الرَّبِّ، وله كلامٌ عالٍ في علوم المعارف.
قال الشيخ أبو محمَّد الشَّنْبكي: كان شيخنا أبو بكر بن هوار شاطرًا، يقطع الطَّريق بالبطائح، ومعه رفقاء هو مقدَّمهم، فسمع ليلةً امرأةً تقول لزوجها: انزل ها هنا لئلا يأخذنا ابن هوار وأصحابه. فاتعظ وبكى، وقال: الناس يخافوني وأنا لا أخاف الله تعالى. وتاب في وقته ذاك، وتاب معه أصحابه، وانقطع مكانه متوجِّهًا إلى ربِّه على قدم الصِّدق والإخلاص في إرادته، ووقع في نفسه أن يُسَلِّم نفسه إلى من يُوصله إلى رَبِّه ﷿، ولم يكن يومئذٍ بالعراق شيخٌ مشهور، فرأى في منامه رسولَ الله ﷺ، وأبا بكر الصِّدِّيق ﵁، فقال: يا رسولَ الله، ألبسني خِرْقة، فقال له: يا ابن هوار، أنا نبيُّك وهذا شيخك، وأشار إلى الصِّدِّيق رضوان الله عليه، ثمَّ قال: يا أبا بكر، ألبس سَمِيَّك ابن هوار. فألبسه الصِّدِّيق ﵁ ثوبًا وطاقية، ومَرَّ بيده على رأسه، ومسح على ناصيته وقال: بارك الله فيك، وقال له رسولُ الله ﷺ: يا أبا بكر، بك تحيا سنن أهل الطريق من أمتي بالعراق بعد موتها، ويقوم منار أربابِ الحقائق من أحباب الله تعالى، وفيك تكون المشيخة بالعراق إلى يوم القيامة، وقد هَبَّت نسمات الله بظهورك. ثمَّ استيقظ، فوجد الثوب والطَّاقية عليه، وكانت على رأسه ثواليل، فلم يَرَها، وكأنَّه نودي في العراق أن ابنَ هوار وصل إلى الله ﷿، فأهرع إليه الخلق من كل قطر، وبَدَتْ علامات قُرْبه من الله تعالى، وترادف إخباره عن ربه ﷿، وكنت آتيه وهو في البطيحة وحده، والأُسْد مُحْدقةٌ به، يتمرَّغ بعضُها على قدميه.
[ ٢١ / ١١٥ ]
وقال الشيخ أحمد بن أبي الحسن الرفاعي: سمعت خالي الشيخ منصور يقول: أول من ذلَّل الأُسد والحيَّات لأهل البطائح الشيخ أبو بكر بن هوار، وسبب ذلك أنَّه أراد أن يرحل إلى مكة، فأحدقت به الأفاعي والحَيَّات والكواسر من الطُّيور والجن، وسأَلَتْه بالله العظيم أن لا يرحل عنهم، فأخذ عليهم أن لا يؤذوا مريدًا له ولا محبًّا إلى يوم القيامة.
وقال الشيخ عزاز بن مستودع: الشيخ أبو بكر بن هوار أول المشايخ بالعراق بعد مضي السَّلف، وكانت الأنوار تُرى تخترق البطائح من كَثْرة ما يَطْرُقها رجالُ الغيب لزيارته، وكان مجابَ الدَّعوة، وكان ظاهر التَّصريف، إذا أجدبت قريةٌ أتاه أهلُها يشتكون إليه الجَدْب، ويسألونه الاستسقاء، فيقول لهم: أدركوا أهلكم. فما يلحقون بيوتهم حتى يخوضوا في ماء المطر، ولا يعدو المطر تلك القرية.
وزُلزلت واسط مرة زلزالًا شديدًا رجَّت منه الجبال، وتساقط البُنْيان، وضجَّ النَّاس بالصُّراخ، فإذا الشيخ أبو بكر بينهم، وبينه وبين واسط أيام، فسكن الزَّلْزال، وطلبوه فلم يروه. وكان بواسط يومئذٍ رجلٌ صالح، فرأى في منامه تلك الليلة مَلَكين نازلَين من السَّماء أحدهما يقول للآخر: كادت هذه الأرض أن تذهب اليوم. فقال له صاحبه: وما أمسكها؟ قال: إنَّ الله تعالى نَظَر إلى ابن هوار، فرحم الخَلْق، وأَذِنَ في تسكين الزَّلزال.
وقال الشيخ أحمد بنُ أبي الحسن الرِّفاعي: أتتِ امرأةٌ إلى الشيخ أبي بكر بن هوار، وقالت له: إنَّ ابني غرق في الشَّطِّ، وليس لي سواه، وأنا أُقسم بالله ﷿ أنَّ الله أقدرك على رَدِّه عليَّ، فإن لم تفعل شكوتك غدًا إلى الله ورسوله، وأقول: يا ربّ، أتيته ملهوفة، وكان قادرًا على رَدِّ لهفتي، فلم يفعل. فأَطْرق، ثمَّ قال: أرني أين غَرِقَ ابنُك. فأتت به إلى الشَّطِّ، فإذا ابنها قد طفا على وَجْه الماء ميتًا، فسبح الشيخ في الماء حتى وصل إليه، وحمله على عاتقه، وأعطاه لأُمه، وقال: خُذيه، فقد وجدته حَيًّا، فانصرفت وهو يمشي معها، ويدُه في يدها، كأَنْ لم يكن به شيء قَطُّ.
قلتُ: وكان الشيخ أبو محمَّد الشَّنْبكي جليلَ القَدْر، انتهت إليه الرياسة في تربية السَّالكين الصَّادقين بالعراق، وكَشْف مشكلاتهم، وتخرَّج بصحبته غيرُ واحد من العظماء مثل الشيخ أبي الوفاء، والشيخ منصور، والشيخ عزاز وغيرهم، وكان لطيف الصِّفات، وافر العقل، مخفوض الجناح، شديد الحياء، دائبًا في اتِّباع أحكام الشَّرْع
[ ٢١ / ١١٦ ]
وآداب السنة، وله كلامٌ نفيس في الحقائق، وكان يقطع الطَّريق، ثُمَّ تاب على يد ابن هوار، وأقام عنده ثلاثة أيام، فقال ابنُ هوار في اليوم الرَّابع: قد صرتَ شيخًا مكمَّلًا، ثمَّ قال لأصحابه: قد وصل أبو محمَّد إلى الله تعالى في ثلاثة أيام، فقال: تركتُ الدُّنيا في اليوم الأوَّل، والآخرة في اليوم الثَّاني، وطلبتُ الله في اليوم الثالث طلبًا مجرَّدًا عما سواه، فوجدته.
واشتهر أمره في الآفاق، فظهرت أمارات قُرْبه من الله ﷾، وتتابعت كراماته، فكان يبرئ اللهُ تعالى بدعوته الأكمه والأبرص والمجنون، ويبارك له في اليسير.
قلت: إنما قصدتُ بذكر بعضِ مناقب ابن هوار والشَّنْبكي - رحمة الله عليهما - ليُعلم محلّهما، ويتمسك بقولهما في حَقِّ سيدنا محيي الدِّين ﵁ حسبما تقتضيه شهادةُ مثلهما، وإنْ كان ليس هذا موضع استقفاء أحوالهما.
وقال الشيخ عبد اللَّطيف: سمعتُ أبي يقول: سمعت الشيخ عزاز بن مستودع البطائحي، يقول: قد دخل بغداد شابٌّ عجمي شريف، اسمه عبد القادر، ستبرز في هيئته المقامات، وتظهر في جلاله الكرامات، ويسطو بعِزَّة الحال، ويعلو في رفعة المحبة، ويُسَلِّم إليه الكون وجميع من فيه من الفاضل والمفضول يده، وله قدمٌ راسخة في التمكين، تقدم بها في القدر، ويد بيضاء في الحقائق امتاز بها في الأزل، ولسان بين يدي الله ﷿ في حضرة القُدْس، وإنه من أرباب المراتب التي فاتت كثيرًا من الأولياء.
قلتُ: كان الشيخ عزاز من أعيان مشايخ العراق، اجتمع إليه جماعةٌ من الصُّلحاء وذوي المراتب، وأخذوا عنه علم الطَّريقة، وانتفعوا به، وكان جميلَ الأوصاف، متَّبعًا لأحكام الشَّرْع والسُّنَّة، مفوِّضًا لأحكام الله، مُسْترسلًا مع أقداره، كثير المجاهدة والمراقبة والمعانقة لطريق السَّلف في السِّرِّ والجَهْر، وله كلامٌ عالٍ على لسان أهل المعارف، وكراماتٌ ظاهرة، وكانت الجن تكلِّمه، والأُسْد تأنس به، والوحوش تألفه، والطير تأوي إليه، وكان يقول: من أَنِسَ بالله أَنِسَ به كلُّ شيء، ومن خاطبه الله تعالى
[ ٢١ / ١١٧ ]
خاطبه كلُّ شيء، ومَنْ هاب الله هابه كلُّ شيء، ومَنْ وَصَلَ إلى الله تأخَّر عنه كلُّ شيء إجلالًا لي، ومَنْ عرف الله جهله كل شيء بعظيم ما أودعه.
وقال الشيخ عبد اللَّطيف: كان الشيخ عزاز يمشي بين النخل، فاشتهى الرُّطَب، فتدالَّت له عراجين النخل، فأكل منها، ثمَّ عادت إلى حالها.
قال: ومرَّ بأسد قد افترس شابًّا بالبطيحة، وقد قضم ساقه نصفين، فصاح عليه، فولَّى منهزمًا، فتناول الشيخ من الأرض حصاةً قدر الفولة، وحذفه بها، فخرَّ ميتًا، ثمَّ جاء إلى الشَّاب، ووضع ما انكسر من ساقه في موضعه، وأَمَرَّ عليه يده، فإذا هو سويٌّ، فقام يعدو إلى أهله، ومات الشيخ بعد ذلك بيسير.
قلت: كان الشيخ منصور من سادات المشايخ، صاحب حال، ومقامات وكرامات ظاهرة، ومواهب باهرة، كانت أمه تدخل وهي حامل به على شيخه الشيخ أبي محمَّد الشَّنْبكي، وكان بينها وبينه نسب، فنهض لها قائمًا، ونَكِرَتْ منه ذلك، وسُئِلَ عنه فقال: إنما أقوم للجنين الذي في بطنها إجلالًا له، فإنَّه أحدُ المقرَّبين إلى الله تعالى أصحاب المقامات، وله شأنٌ عظيم.
قلت: وكان الشيخ منصور جميلًا بهيًّا، كاملَ الآداب، معانقًا طريق السَّلف والاسترسال مع أحكام الله ﷿ في الشِّدَّة والرخاء، لم يَكْبُ جوادُ طريقه، وكان مجابَ الدَّعوة، وله كلامٌ جليل في علوم الحقائق.
وقال الشيخ علي بن الهيتي: أتاه رجلٌ من مِصْر، وقال له: يا سيدي، قد هاجرتُ إليك من مصر، وتركت مالي وولدي، ووطني وجاهي رغبةً في صُحْبتك. فنفخ الشيخ منصور في صَدْر الرَّجل، فأضاءت في قلبه برقة كشفت له عن الملكوت الأعلى، وقال له: هذه بتركك المال والولد والوطن. ثمَّ نفخ في صدره بعد شهر، فمحقت منه البقايا، وانتسخت منه الحظوظ، وقال له: هذه بتركك الجاه والرِّياسة. ثمَّ نفخ في صدره بعد شهر، فأشهد مقامه بين يدي الله ﷿، وأقيم فيه، وقال له: هذه بهجرتك إليَّ. ثمَّ قال له: يا هذا، إني استوهبتك من الله ﷿، وقد وهبك لي، وصرَّفني فيك، وجعل عطيتك على يدي، وهذه غايتك التي أنت عندها قائم. ولم يزل هذا الرجل على هذا الحال إلى أن توفي بالبطائح.
[ ٢١ / ١١٨ ]
وقال الشيخ أحمد بن الرِّفاعي: سُئِلَ شيخنا خالي منصور عن المحبة، فقال، وأنا أسمع: المحب سكران في خُماره، حيران في شرابه، لا يخرج من سكرة إلا إلى حيرة، ولا من حيرة إلا إلى سَكْرة، ثمَّ أنشد:
الحبُّ سُكْرٌ خُماره التَّلَفُ … يَحْسُنُ فيه الذُّبول والدَّنَفُ
والحب كالموت يفني كل ذي شغفٍ … ومن تطعَّمه أودى به التَّلف
في الحُبِّ مات الأُلى أصفوا محبتهم … لو لم يحبوا لما ماتوا وما تلفوا (^١)
سكن نهر دقلا من أرض البطائح، واستوطنها إلى أن مات بها، وقد عَلَتْ سِنُّه، وقبره بظاهرها يزار، ولما حضرته الوفاة، قالت له زوجته: أَوْصِ لولدك، فقال: بل لابن أختي أحمد. فلما كرَّرت عليه القول، قال لابنه ولابن أخته: ائتياني بنخيلٍ كثير. ولم يأته ابن أخته بشيء، فقال له: يا أحمد لم تأتِ بشيء. فقال له: إني وجدته كلّه يُسَبِّح، فلم أستطع أن أقطع منه شيئًا. فقال الشيخ لزوجته: سألتُ غير مرة أن يكون ابني، فقيل لي: بل ابن أُختك أحمد.
وحكى جماعةٌ من أصحاب الشيخ منصور البطائحي، وهو خال الشيخ أحمد الرفاعي، وبصحبته انتفع وتخرَّج، قالوا: ذُكر الشيخ عبد القادر وهو شابٌّ عند شيخنا الشيخ منصور، فقال: سيأتي زمانٌ يُفْتقر إليه فيه، وتعلو منزلته بين العارفين، ويموت وهو أحبُّ أهلِ الأرض إلى الله تعالى ورسوله في ذلك الوقت، فمن أدرك منكم ذلك فليعرف حُرْمته، وليعظِّمَ أمره.
وقال الشيخ علي بن الهيتي: كان شيخنا أبو الوفاء يتكلَّم على النَّاس فوق الكرسي، فدخل الشيخ عبد القادر إلى مجلسه، وهو يومئذٍ شابٌّ أَوَّلَ ما دخل بغداد، فقطع كلامه، وأمر بإخراج الشيخ عبد القادر، فأُخرج وتكلَّم، ثمَّ دخل الشيخ عبد القادر المجلس، فقطع كلامه، وأمر بإخراجه، فأُخرج، وتكلَّم، ثمَّ دخل الشيخ عبد القادر ثالثةً، فنزل الشيخ أبو الوفاء، واعتنقه، وقبَّلَ بين عينيه، وقال: قوموا لوليِّ الله يا أهلَ بغداد، ما أمرتُ بإخراجه إهانةً له، بل لتعرفوه، وعِزَّة المعبود على رأسه سناجق قد تجاوزت ذوائبها المشرق والمغرب. ثمَّ قال له: يا عبد القادر، الوقت الآن لنا وسيصير
_________________
(١) البيت الأول من المنسرح، والثاني والثالث من البسيط!
[ ٢١ / ١١٩ ]
لك يا عبد القادر، قد وهبوك العراق يا عبد القادر، كلُّ ديك يصيح ويسكت إلا ديكك، فإنَّه يصيح إلى يوم القيامة. وأعطاه سجادته وقميصه، ومسبحته وقصعته وعُكَّازه، فقيل له: خُذْ عليه العهد، فقال: على جبينه داعي المخرِّمي (^١). فلما انقضى المجلس، ونزل تاجُ العارفين أبو الوفاء من الكُرْسي جلس على آخر مرقاة، وأمسك بيد الشيخ عبد القادر، وقال له في غلبات النَّاس: يا عبد القادر، لك الوقت، فإذا جاء فاذكر هذه الشيبة. وقبضَ على كريمته.
قال الشيخ عمر البزاز: وكانت مسبحة الشيخ أبي الوفاء التي أعطاها لسيدنا الشيخ عبد القادر إذا وضعها سيدنا الشيخ على الأرض تدور وحدها حبةً حبَّة، فلما مات أخذها بعده الشيخ علي بن الهيتي، وكانت القصعة التي أعطاها له لا يَمَسُّها أحد إلا وأرجفت يده إلى كتفه.
وقال مطر: كنتُ يومًا عند شيخنا أبي الوفاء بزاويته معلمينا (^٢)، فقال لي: يا مطر، أغلق الباب، فإذا جاء شابٌّ عجمي يطلب الدُّخول عليَّ فامنعه، فقمت، وإذا الشيخ عبد القادر وهو شابٌّ يومئذٍ، فطلب الدخول عليه، فاستأذنتُ الشيخ، فلم يأذن له في الدُّخول، ورأيتُه يمشي في الزَّاوية كالمنزعج، ثمَّ أَذِنَ له، فلما رآه مشى إليه خُطُواتٍ، واعتنقا طويلًا، وقال له: يا عبد القادر، وعِزَّة من له العِزَّة، ما منعتك من الدُّخول عليّ أول مرَّة جحدًا لحقِّك بل خشية، لمَّا علمت أنك تأخذ وتعطيني أَمِنْتُ.
قلت: كان الشيخ تاج العارفين أبو الوفاء سيدَ مشايخ العراق في وقته، وله الكراماتُ الخارقة، وانتهت إليه رياسة هذا الشَّأْن في زمانه، وتخرَّج به جماعةٌ من صدور مشايخ العراق مثل الشيخ علي بن الهيتي، والشيخ بقاء بن بطو، والشيخ عبد الرَّحمن الطفسونجي، والشيخ مطر، والشيخ حامد الكُرْدي، والشيخ أحمد البقلي وغيرهم، وكان له أربعون خادمًا من أصحاب الأحوال، ولما أخذ عليه شيخه الشَّنْبكي العهد قال: قد وقع اليوم في شبكتي طائِرٌ لم يقع مثلُه في شبكة الشيخ أبي الوفاء.
_________________
(١) لعله يعني شيخه المخرِّمي، والله أعلم، انظر ص ٧٨ من هذا الجزء.
(٢) كذا، ولم أتبينها.
[ ٢١ / ١٢٠ ]
[وكانت مشايخ البطائح يقولون: عجبًا لمن يذكر أبا الوفاء] (^١)، ولم يمرّ يده على وجهه، ويسمِّي الله تعالى، ويصلي على النبي ﷺ، كيف لا يسقط وجهه من هيبته!
ورُوي أن الشيخ عزاز رأى النبي ﷺ في المنام، فقال: يا رسول الله، ما تقول في أبي الوفاء؟ قال: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ما أقول فيمن أباهي به الأمم يوم القيامة!
وكان للشيخ أبي الوفاء كلامٌ عالٍ على لسان أهل الحقائق، رحمة الله عليه، منه: مَنْ أخلص لله تعالى في معاملته يخلُصُ من الذُّنوب الكاذبة، ومن ضَيَّع حكم وقته فهو جاهل، ومن قَصَّر فيه فهو غافل، ومن أهمله فهو عاجز، والتَّسْليم إرسالُ النَّفس في ميادين الأحكام، وترك الشفقة عليها من الطَّوارق.
وقال الشيخ علي بن الهِيتي: طرقت منازلةٌ من منازل الغيب عشرةً من الأولياء زمن شيخنا أبي الوفا ﵁، واشتركت فيها أسرارهم، وأشكل شيء من أمرها عليهم، فاجتمعوا، وأتوا إلى الشيخ أبي الوفاء ليسألوه عنها، فوجدوه نائمًا، وسمعوا كلَّ عضو منه ينطق بالتسبيح والتَّهليل، فجلسوا ينتظرون يقظته، فنطقت لهم أعضاؤه وخاطبتهم بمنازلهم، وكشفت لهم منها ما أَشكل عليهم، وانصرفوا قبل أن يستيقظ. وكان نرجسي الأصل؛ قبيلة من الأكراد.
وقال سيدنا محيي الدِّين رحمة الله عليه: ليس على باب الحق ﷿ كُرْدي مثل الشيخ أبي الوفاء.
وقال الشيخ حماد بن مسلم الدَّبَّاس، وقد ذكر عنده سيدنا الشيخ محيي الدين عبد القادر ﵁، وهو يومئذٍ شاب: رأيتُ على رأسه علمين قد نصبا من البهموت الأسفل إلى الملكوت الأعلى، وسمعت الشاويش يصيح له في الأفق الأعلى بألقاب الصِّدِّيقين.
وقال محمود بن النعال: سمعتُ أبي يقول: كنتُ يومًا عند الشيخ حماد الدَّبَّاس، فجاء الشيخ عبد القادر وهو شابٌّ يومئذٍ، فقام إليه، وتلقَّاه، وقال: مرحبًا بالجبل الراسخ، والطَّوْد المنيف الذي لا يتحرَّك، وأجلسه إلى جانبه، وقال له: ما الفرق بين الحديث والكلام؟ فقال: الحديث ما استدعيت من الجواب، والكلام ما صدقك من الخطاب، وانزعاج القلب لدعوة الانتباه أرجح من أعمال الثَّقلين، فقال له الشيخ حماد: أنت سيد العارفين في عَصْرك.
_________________
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (خ)، والمثبت من "طبقات الشعراني": ١/ ١١٦.
[ ٢١ / ١٢١ ]
قلتُ: كان الشيخ حماد الدَّبَّاس أحدَ العلماء الرَّاسخين في العِلْم وعلوم الحقائق، وانتهت إليه تربية المريدين ببغداد، وانعقد عليه الإجماع في الكَشْف عن مخفيات المراد، وانتمى إليه معظمُ مشايخ بغداد وصوفيتهم في وقته، وهو أحدُ مَنْ أخذ عنه سيدنا الشيخ عبد القادر - رحمة الله عليه - وصحبه، وأثنى عليه، وروى كراماته، وكان أبو الوفاء إذا قَدِمَ بغداد، ينزل عنده ويعظِّم شأنه، وكان المشايخ ببغداد يعظمون أمره ويتأدَّبون في حضرته، وينصتون لسماع كلامه.
وقال الشيخ أبو النَّجيب: الشيخ حماد الدباس من أَجَلِّ من لقيتُ من مشايخ بغداد، وهو أوَّلُ شيخ فتح الله عليَّ ببركته، وكانت دَبَّاسته لا يدخلها زنبور ولا ذبابة، وله كلامٌ عالٍ في طريقة القوم، رحمة الله عليه.
وقال سيدنا الشيخ عبد القادر: قدم بغداد رجلٌ يقال له يوسف الهَمَذاني، وكان يقال: إنه القُطْب، ونزل في رباط، فلما سمعتُ به مشيت إلى الرِّباط، فلم أره، فقيل لي: هو في السِّرْداب، فنزلتُ إليه، فلما رآني قام، وأجلسني، ففرسني، وذكر لي جميعَ أحوالي، وحَلَّ لي جميع ما كان مشكلًا عليّ، ثمَّ قال لي: يا عبد القادر، تكلَّم على النَّاس. فقلتُ: يا سيدي، أنا رجلٌ أعجمي أيش أتكلَّم على فصحاء بغداد؟ فقال لي: أنتَ حفظت القرآن والفِقْه وأُصول الفقه والخلاف والنَّحو واللغة وتفسير القرآن، ألا يصلح لك أن تتكلَّم على النَّاس؟! اصعد على الكرسي وتكلم، فإني أرى فيك عِذْقًا وسيصير نخلةً.
قلتُ: تَقَدَّم ذكر يوسف الهَمَذاني في سنة خمس وثلاثين وخمس مئة.
وقال الشيخ أبو سلمان داود المَنْبِجي: كنتُ يومًا عند الشيخ عقيل المنبجي، فقيل له: قد اشتَهَر ببغداد أمر شاب عجمي شريف اسمه عبد القادر. فقال الشيخ عقيل: وإن أمره في السَّماء أشهر منه في الأرض، ذاك الفتى الرَّفيع المدعو في الملكوت بالباز الأشهب، وسينفرد في وقته، وسَيُرَدُّ إليه الأمر، ويصدر عنه.
والشيخ عقيل أول من لَقَّب سيدنا الشيخ محيي الدّين ﵁ بالباز الأشهب فيما نعلم.
[ ٢١ / ١٢٢ ]
قلت: كان عقيل شيخ شيوخ الشَّام في وقته، وتخرَّج بصحبته الشيخ عَدِي بن مسافر، والشيخ موسى الزولي وغيرهما، وهو أوَّل من دخل بالخرقة العمرية إلى الشَّام، وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم الشيخ علي الفرنثي: رأيتُ أربعة من المشايخ يتصرَّفون في قبورهم كما يتصرف الأحياء: الشيخ عبد القادر، والشيخ معروف الكرخي، والشيخ عقيلًا المنبجي، والشيخ حياة بن قيس الحَرَّاني.
وكان للشيخ عقيل كلامٌ عالٍ في المعارف.
وقال الشيخ أبو المجد بن أحمد: أخبرنا أبي عن أبيه قال: حضرت الشيخ عقيلًا بظاهر منبج تحت الجبل، وعنده جمعٌ من الصُّلحاء، فقال له أحدهم: ما علامة الصَّادق؟ قال: لو قال لهذا الجبل تحرَّك فيتحرك الجبل، ثمَّ قال له: ما علامة المتصرِّف؟ قال: لو أراد وحوش البَرِّ والبحر أن تأتيه لفعلت. فما تمَّ كلامه حتى نَزَلَ علينا من الجبل وحوش سدتِ الفضاء، وأخبرنا الصَّيادون أنَّ شَطَّ الفرات امتلأ في ذلك الوقت أسماكًا. قال: يا سيدي، وما علامةُ المبارك على أهل زمانه؟ قال: لو وكز برجله هذه الصَّخرة لتفجَّرت عيونًا. قال: فتفجَّرت صخرةٌ كانت بين يديه عيونًا، ثمَّ عادت صخرة كحالها أوَّل مرة.
سكن ﵁ منبج، واستوطنها نيفًا وأربعين سنة، وماتَ بها، وقد عَلَت سِنُّه، وقبره بها ظاهر يزار.
وقال الشيخ عمر الصِّنْهاجي: جاء بعضُ أصحابنا إلى الشيخ أبي يعزى يستأذنه في المسير إلى بغداد، فقال له: إذا أتيتَ بغداد فلا يفوتنك رؤية رجل بها شريف عجمي اسمه عبد القادر، فإذا رأيته سَلِّم عليه عني وسَلْه لي الدُّعاء، وقيل له: لا تنسَ أبا يعزى من قلبك، فإنَّه والله لم يخلِّف في العجم بأسره مثله، وإنك لن ترى في العراق مثله، وإن المشرق ليفضل عن المغرب به، وإنَّ علمه ونسبه قد ميَّزاه على الأولياء تمييزًا واضحًا كثيرًا.
قلتُ: كان الشيخ أبو يعزى من أعيان المشايخ بالمغرب، وتخرَّج به من أكابر مشايخها وأعلام زُهَّادها جماعةٌ، وأقام في بدايته في خمس عشر سنة لا يأكل إلا حب الخُبازى، وكانت الأُسْد تأوي إليه، والطَّير تعكف عليه، وكانت الأُسد إذا ضربت
[ ٢١ / ١٢٣ ]
وافترست القفول جاء فأمسك بأذنابها وقادها، فتنقاد له ذليلة، وكان أهل المغرب يستسقون به فيُسْقون، ويرجعون إليه في المعضلات فتنكشف.
وقال الشيخ أبو محمَّد الإِفريقي: جاء إلى الشيخ أبي يعزى المحتطبون يشكون إليه كثرة الأُسْد في غابةٍ يحتطبون فيها، فقال لخادمه: اذهب إلى طرف الغابة، وناد بأعلى صوتك: معاشر الأسد يأمركِ أبو يعزى أنْ ترحلي من هذه الغابة. قال: فذهب وفعل ذلك، فكانت الأُسد تُرى خارجةً من الغابة تحمل أشبالها حتى لم يبق فيها شيء منها، ولم يُر بعد ذلك فيها أسد.
وقال الشيخ شاور السبتي المحلي: صنعَ الخليفةُ ببغداد وليمةً، ودعا إليها جميع مشايخ العراق وعلمائها، فحضروا كلُّهم إلا سيدنا الشيخ محيي الدِّين عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أحمد الرِّفاعي رحمة الله عليهم، فلمَّا انصرف النَّاس قال الوزير للخليفة: إنَّ الشيخ عبد القادر والشيخ عديًّا والشيخ أحمد لم يحضروا، فقال الخليفة: فكأن لم يحضر إذن أحد. ثمَّ أمر حاجبه أن يأتي إلى الشيخ عبد القادر يدعوه أن ينطلق إلى جبل الهَكَّار، وإلى أُم عبيدة ليحضر الشيخ عدي والشيخ أحمد، قال الشيخ شاور: فقال لي الشيخ عبد القادر قبل أن يقوم الحاجب من مجلس الخليفة، وقبل أن تُسَطَّر البطاقتان: يا شاور، اذهب إلى المسجد الذي بظاهر باب الحَلْبة تجد فيه الشيخ عدي بن مسافر ومعه اثنان، فادعهم لي، ثمَّ امضِ إلى مقبرة الشُّونيزي تجد فيها الشيخ أحمد الرّفاعي ومعه اثنان، فادعهم لي، قال: فذهبت إلى المسجد الذي بظاهر باب الحَلْبة، فوجدت الشيخ عديًّا ومعه اثنان، فقلتُ: يا سيدي، أحب الشيخ عبد القادر، فقال: سَمْعًا وطاعة، وقاموا، فذهبتُ معهم، فقال لي الشيخ عدي: يا شاور، ألا تذهب إلى الشيخ أحمد كما أمرك الشيخ عبد القادر (^١)؟ قلتُ: بلى، فأتيت مقبرة الشُّونيزي، فوجدت الشيخ أحمد ومعه اثنان، فقلتُ: يا سيدي، أجب الشيخ عبد القادر، فقال: سمعًا وطاعة. وقاموا، فتوافى الشيخان في باب رباط الشيخ عبد القادر وقتَ المغرب، فقام إليهم الشيخ، وتلقاهم، فما لبثوا غير يسير، فجاء الحاجب إلى الشيخ، فوافاهما عنده، فأسرع إلى الخليفة، وأخبره باجتماعهم،
_________________
(١) في النسخة: عدي، وهو سبق قلم، والصواب ما أثبته، انظر صدر الخبر.
[ ٢١ / ١٢٤ ]
فكتب الخليفةُ إليهم بخطِّه يسألهم الحضور، وبَعَثَ إليهم ولده وحاجبه، فأجابوه وذهبوا، وأمرني سيدنا الشيخ محيي الدين بالمسير معه، فلمَّا كُنَّا بالشَّطِّ إذا الشيخ ابن الهيتي، فتلقاه المشايخ، وسار معهم، فأُتي بنا إلى دارٍ حَسَنةٍ، فإذا الخليفةُ فيها قائم، مشدود الوسط، ومعه خادمان له، وليس في الدار سواهم، فتلقَّاهم الخليفة، وقال لهم: يا سادة، إنَّ الملوك إذا اجتازوا برعاياهم بسطوا لهم الحرير ليطؤوه، ووضع لهم ذيله، وسألهم أن يمشوا عليه، ففعلوا، وانتهى بنا إلى سماطٍ مهيأ، فجلسوا، وأكلوا وأكلنا معهم، ثمَّ خرجوا، وأتوا إلى زيارة قبر الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وكانت ليلةً شديدة الظُّلْمة، فجعل الشيخ عبد القادر كلما مرَّ بحجرٍ أو خشبة أو جدار أو قبرٍ أشار بيده إليه، فيضيء كضوء القمر، ويمشون في نوره إلى أن ينتهي ضوءه، فيشير الشيخ إلى آخر، فيضيء، فما زالوا يمشون في النُّور، وليس فيهم من يتقدَّم على الشيخ عبد القادر إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فدخل المشايخ الأربعة يزورون، ووقفنا على باب المزار حتى خرجوا، فلما أرادوا أن يتفرَّقوا، قال الشيخ عدي للشيخ عبد القادر: أوصني. قال: أوصيك بالكتاب والسُّنَّة. ثمَّ تفرَّقوا.
وقال الشيخ عمر البزاز: كان سيدنا الشيخ محيي الدِّين - رحمة الله عليه - يثني كثيرًا على الشيخ عدي بن مسافر، فاشتقت إلى رؤيته، واستأذنتُ الشيخ في زيارته، فأَذِنَ لي، فسافرت حتى أتيتُ جبل الهَكَّار، فوجدته قائمًا على باب زاويته بلاكش، فقال: أهلًا يا عمر، تركت البحر، وجئت إلى السَّاقية! يا عمر، الشيخ عبد القادر مالك أزِمَّة الأولياء كلِّهم، وقائد.
عدي بن مسافر ﵁ مشهور، ومحلُّه معروف، وقد تقدَّم ذكره في السنة السابعة والخمسين وخمس مئة، فينظر هناك.
وقال الشيخ العارف القُدْوة علي بن وهب السِّنْجاري: عبد القادر أحدُ أعيان الدُّنيا، الشيخ عبد القادر أحدُ أفراد الأولياء، الشيخ عبد القادر من تُحَفِ الوجود، الشيخ عبد القادر من هدايا الله تعالى إلى الكون، طوبى لمن رآه، طوبى لمن جالسه، طوبى لمن باتَ في خاطر الشيخ عبد القادر.
[ ٢١ / ١٢٥ ]
قلت: كان الشيخ عليُّ بن وهب كبيرَ القَدْر، تتلمذ له جماعةٌ من الأكابر مثل الشيخ سويد السِّنجاري، والشيخ أبي بكر الجاري، وجماعة لا يحصون كثرة، ويقال: إنه مات عن أربعين رجلًا من مريديه كلهم أصحاب أحوال، وحدّث عنهم أنَّه لما مات اجتمعوا في رَوْضة تجاه زاويته، فجعل كل منهم يأخذ من تلك الروضة قبضة من نباتها، ويتنفس عليها، فتزهر من جميع الأزهار مختلفة ألوانها حتى أَقَرَّ بعضُهم لبعض بالتمكُّن والتَّصريف، والشيخ علي بن وهب يسمى برادّ الفائت؛ لأنَّه من فَقَدَ حالًا كان له وأتى إليه رَدَّه عليه بزيادة.
ومناقبه كثيرة، وهو ربعي شيباني، سكن البدوية؛ قرية من أعمال سِنْجار، وبها مات وقد نيَّف على الثمانين، وقبره ظاهر يزار، وكان عالمًا فاضلًا فصيحًا متواضعًا، لا يحلف بالله تعالى، ولا يرفع رأسه إلى السماء حياءً من الله تعالى، رحمة الله عليه ورضوانه.
وقال الشيخ يحيى التكريتي: لما قدم الشيخ موسى بن ماهين الزولي بغداد حاجًّا كنتُ أنا ووالدي معه، فلما اجتمع بالشيخ عبد القادر رأينا من احترام الشيخ موسى له وأدبه معه ما لم نَرَه فَعَلَه مع غيره من النَّاس، فلما خلونا به قال له والدي: ما رأيتُك احترمتَ أحدًا مثلما احترمت الشيخ عبد القادر، فقال: الشيخ عبد القادر خيرُ النَّاس في زماننا هذا، وسُلْطان العارفين في وقتنا، وكيف لا أتأدَّب مع من تتأدب معه ملائكة السَّماء.
قلتُ: كان الشيخ موسى من أجلِّ المشايخ وأعظمهم حالًا، وهو أحد من أبرزه الله إلى العباد، وأنطقه بالمُغَيَّبات، وخَرَقَ له العادات، وأوقع له الهيبة في القلوب، وانعقد عليه إجماع المشايخ وغيرهم، وقُصِدَ بحلِّ مشكلات الموارد، وكَشْفِ مخفياتها، وتربية السالكين، وتخرَّج بصحبته كثير من مشايخ بلاد المشرق، وتتلمذ له جماعةٌ من أهل الأحوال، وكان سيِّدنا محيي الدِّين يُثْني عليه كثيرًا، ويعظِّمُ شأنه.
ولما اجتمع الشيخ إبراهيم الأعزب والشيخ عسكر النعيبي بالبطائح، قال الشيخ عسكر للشيخ إبراهيم (^١).
_________________
(١) بياض في الأصلِ.
[ ٢١ / ١٢٦ ]
وكان للشيخ موسى كلامٌ بليغ على لسانِ أهل المعرفة، وكان إذا مَسَّ الحديد بيده لان حتى يصيرَ كاللُّبان.
ووقع بمارِدِين حريقٌ، فضجَّ النَّاس به، فأعطاهم عُكَّازه، وأمرهم أن يلقوه في النَّار، فألقوه، فانطفأت لوقتها، وأخرجوا العُكَّاز لم يسخن ولا اسْوَدَّ.
ووإن كثير الإخبار بالمغيَّبات، وأتته امرأةٌ بصغير عمره أربعة أشهر، فدعاه إليه، فأتاه يعدو، فأقرأه سورة الإخلاص، فقرأها الصَّبيُّ، وما زال يمشي ويتكلَّم من ذلك الوقت، وكبر والتحى، فوالله ما زادَتْ فصاحةُ نُطْقه على فصاحته حين تكلَّم بين يدي الشَّيخ أَوَّل مرَّة.
ومات الشيخ بمارِدِين وقد عَلَتْ سِنُّه، وقبره ظاهر يزار، ولما وضع في لحده نهض قائمًا يصلي، واتَّسع له اللَّحد، وأُغمي على من كان نزل قبره، وكان جميلًا بهيًّا فاضلًا، رحمة الله عليه.
وقال الشيخ شهاب الدِّين: دخلتُ مع عمِّي الشيخ أبي النَّجيب عبد القاهر السُّهْرَوَرْدِي في سنة ستين وخمس مئة إلى الشيخ عبد القادر، فتأدَّب عمي معه أدبًا عظيمًا، وجلس بين يديه أُذُنًا بلا لسان، فلما رجعنا إلى النِّظامية، قلتُ له في ذلك، فقال: كيف لا أتأدَّب معه وهو له الوجود التَّام، وقد صرف في وجود الملك، وبُوهي به في وجود الملكوت، وانفرد في عالم الكون في هذا الوقت؟ وكيف لا أتأدَّب مع من صرَّفه مالكي في قلبي وحالي، وفي قلوب الأولياء وأحوالهم، إن شاء أمسكها، وإن شاء أرسلها؟
قلت: كان الشيخ أبو النجيب عظيمَ القَدْرِ، جَمَعَ بين العِلْم والعمل، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
قلتُ: وحكى لي ابنُ الشيخ عز الدين عبد العزيز السلمي الشافعي نزيل مِصْر، كان يقول: كراماتُ الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه (^١).
وقال الشيخ محمَّد بن أبي العَبَّاس الخضر بن عبد الله الحسني المَوْصلي: سمعتُ أبي يقول: كنتُ يومًا جالسًا بين يدي سيدنا الشيخ محيي الدِّين عبد القادر ﵁، فخطر في نفسي زيارة الشيخ أحمد الرِّفاعي، فقال لي: يا سيدنا، أتحبُّ زيارة الشيخ أحمد؟
_________________
(١) لم يذكر عنه شيئًا من كراماته، ولعله بيَّض لها، ولم يسدَّها.
[ ٢١ / ١٢٧ ]
قلتُ: نعم. فأطرقَ يسيرًا، ثمَّ قال: يا خضر، ما ترى الشيخ أحمد؟ فإذا إلى جانبه شيخٌ مهيب، فقمتُ إليه، وسلَّمت عليه، فقال: يا خضر، مَنْ يرى مثل الشيخ عبد القادر سيد الأولياء يتمنَّى رؤية مثلي، وهل أنا إلا من رعيَّته! ثمَّ غاب عني، فبعد وفاة سيدنا الشيخ رحمة الله عليه انحدرت إلى أُم عبيدة لأزوره، فقَدِمْتُ عليه، إذا هو الشخص الذي رأيته إلى جانب الشيخ عبد القادر - رحمة الله عليه - في بغداد، لم تجدد رؤيته عندي زيادة، فقال لي: يا خضر، ألم تَكْفِكَ الأُولى؟
وقال الشيخ عبد الله البطائحي رحمة الله عليه: انحدرتُ في حياة سيدي الشيخ محيي الدين عبد القادر ﵁ إلى أُم عُبيدة، وأقمتُ برواق الشيخ أحمد أيامًا، فقال لي الشيخ أحمد يومًا: اذكر لي شيئًا من مناقب الشيخ عبد القادر وصفاته، فذكرتُ منها شيئًا، فجاء رجلٌ في أثناء حديثي، فقال لي: مَهْ، لا تذكر عندنا مناقب غير هذا. وأشار إلى الشيخ أحمد، فنظر إليه الشيخ أحمد مُغْضَبًا، فوقع الرَّجل بين يديه ميتًا، ثمَّ قال: ومَنْ يبلغ مبلغ الشيخ عبد القادر، ذاك بحر الشَّريعة عن يمينه، وبحر الحقيقة عن يساره، من أيِّهما شاء اغترف الشيخ عبد القادر، لا ثاني له في وقتنا هذا.
قال: وسمعتُه يوصي أولاده فيه وأكابر أصحابه، وقد جاء رجل يودِّعه مسافرًا إلى بغداد قال: إذا دَخَلْتُم بغداد، فلا تقدِّموا على زيارة الشيخ عبد القادر شيئًا إن كان حيًّا، ولا على زيارة قبره إن كان ميتًا، فقد أُخذ له العهد: أَيما رجلٍ من أصحاب الأحوال دخل بغداد، فلم يَزُرْه، سُلِبَ حاله، ولو قبيل الموت. والشيخ عبد القادر خَسِرَه من لم يَرَه، ﵁.
قلتُ: كان الشيخ أحمد الرِّفاعي رحمة الله عليه عظيم القَدْر كبير الشأن، ومحلُّه عظيم، وحاله أشهر من أن ينبَّه عليه، وهو أحدُ من اشتهر في الدُّنيا، وتتلمذ له من الخَلْق عالمٌ لا يُحصون كثرةً في كلِّ بلد وقطر، ولم أر في مُدُنِ المسلمين مكانًا يخلو من زاوية ومكان برسمهم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب مفصَّلًا.
دخل عليه رجلٌ، فوضع له الشيخ طعامًا، فقال: إذا جاء وقتي أكلتُ، وقال له: ومتى وقتك؟ قال: المغرب، قال: عن كم؟ قال: عن ستة أشهر، فلما كان وقتُ المغرب قُدِّم له الطَّعام، فسأله الرجل أن يأكل معه، فقال: إذا جاء وقتي أكلتُ، قال:
[ ٢١ / ١٢٨ ]
ومتى وقتك؟ قال: بعد ستة أشهر، قال: وكم مضى لك؟ قال: ستة أشهر، فسئل الشيخ عن ذلك فقال: دخلت أنا إلى دارنا يومًا شديد الحر وأنا عطشان، فوجدتُ ماءً مخلوطًا ببياض العجين، فأردتُ أن أشربه، فقالت لي نفسي: ترى الماء البارد في الكوز! ثمَّ امتنعتُ من الشرب، وعاهدتُ الله تعالى أن لا آكل ولا أشرب إلى سنة.
والشيخ أحمد أحدُ مَنْ قهر أحواله وملك أسراره، وانتهت إليه الرياسة في علوم الطَّريق، وشَرْحِ أحوال القوم، وكَشْفِ منازلاتهم، وله كلامٌ شريف على لسان أهل الحقائق.
وقال الشيخ أبو الحسن علي ابن أخت الشيخ أحمد: كنتُ يومًا جالسًا على باب خلوة خالي، وليس فيها غيره، فسمعتُ عنده حِسًّا، فنظرتُ، فإذا عنده رجلٌ، فتحدَّثا طويلًا ثمَّ خرج من كوَّةٍ في الحائط، ومَرَّ في الهواء كالبَرْقَ الخاطف، فدخلت على خالي، وقلت: ما الرجل؟ قال: أورأيته؟! قلتُ: نعم. قال: هو الذي يحفظ الله به قَطْر البحر، وهو أحدُ الأربعة الخواص إلا إنه هُجر منذ ثلاث ليال، وهو لا يعلم، قلت: فبأي سبب؟ قال: مُطرت جزيرته حتى سالت أوديتها، فَخَطَر في نفسه: لو كان هذا في العمران. ثمَّ استغفر، فَهُجِرَ، فقلتُ: أَوَأعْلَمْتَه؟ قال: لا، فقلت: لو أَذِنْتَ لي لأعْلَمْتُه. قال: رَنِّقْ، فرنَّقْتُ (^١)، ثمَّ سمعتُ صوته: ارفع رأسك. فرفعتُه، وإذا بجزيرة في البحر، قمت أمشي فيها، وإذا بالرجل، فأخبرتُه، فقال: ناشدتك اللهَ إلا ما وضعت خرقتي في عُنُقي، وسحبتني على وجهي، ونادِ عليَّ: هذا جزاءُ من يعترض. فوضعتُ الخِرْقة في عنقه، ثمَّ هممتُ بسحبه، وإذا هاتفٌ يقول: يا عليّ، دَعْه، فقد ضجَّتْ ملائكة السماء باكيةً عليه، وقد رضي عنه. فأغمي عليَّ ساعة، ثمَّ سُرِّي عني، وإذا أنا بين يدي خالي بخلوته، ووالله لا أدري كيف ذهبتُ، ولا كيف جِئْتُ.
قلت: وكرامات سيدنا شيخ الإِسلام مُحيي الدِّين عبد القادر رحمة الله عليه كثيرة، ومناقبه غزيرة، وقد اقتصرنا على هذه النبذة، إذ لا يحتمل هذا الكتاب أكثر منها، وبالله التوفيق.
_________________
(١) عن رنَّقَ الطائرُ: إذا خفق بجناحيه في الهواء، وثبت ولم يطر، فرنَّقْتُ: أي تهيأتُ لذلك. انظر "لسان العرب" (رنق).
[ ٢١ / ١٢٩ ]
وكذلك نبهت على محل المشايخ الذين أثنوا عليه بما يعرف به مَحَلَّهم الناظِرُ في هذه الترجمة والمتأمّل لها، ويعلم أنَّ الفَضْل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفَضْل العظيم، مع أنَّه لم يجتمع لأحدٍ من المناقب، وأسباب المحامد ما اجتمع لسيدنا الشيخ محيي الدِّين - رحمة الله عليه - من العِلْم والعمل والحسب، والمواهب الجسيمة، والنّعم المتتابعة، نفعنا الله ببركته، وحشرنا في زمرته، وأماتنا على محبته، فقد حُكي أن بعض محبيه حَلَفَ بالطَّلاق أن سيدنا الشيخ عبد القادر أفضل من أبي يزيد البِسْطامي رحمة الله عليه، ثمَّ استفتى علماءَ العراق، فكلٌّ منهم أحجم عن الجواب، فتحيَّر في أمره، فقيل له: عليك بالشيخ عبد القادر، فهو أخبر بذلك، فجاء إليه، وقصَّ عليه قِصَّته، فقال: وما الذي حملك على هذا؟ فقال: قد وقع ذلك، فَمُرْني ما أفعل؟ هل أفارق زوجتي أو أستمر على مضاجعتها؟ فقال: ضاجع زوجتك، فكلُّ ما وَصَلَ إليه أبو يزيد البِسْطامي وصلتُ إليه، وسبقتُه بفضيلة عِلْم الفُتْيا، وهو لم يفت، وتزوَّجْتُ ولم يتزوج، ورُزِقْتُ الأولاد.
قلت: وسَيِّدنا أحقُّ النَّاسِ بقول المتنبي: [من الطويل]
إذا علويٌّ لم يكن مثل طاهر … فما هو إلا حجة للنواصب (^١)
[وفيها توفي] (^٢)