صاحبُ مِصْر، ابنُ يوسف بن الحافظ، أبو محمَّد، لم يلِ أبوه الخلافة [وقد ذكرناه] (^٣)، وأمه أم ولد يقال لها سِتُّ المُنى. ولد سنة أربع وأربعين وخمس مئة، وبويع في رجب سنة خمس وخمسين [وخمس مئة] (٣) وهو ابن إحدى عشرة سنة، وتوفي يوم عاشوراء وعمره ثلاث وعشرون سنة (^٤)، فكانت أيَّامه إحدى عشرة سنة وشهورًا.
واختلفوا في سبب وفاته على أقوالٍ، أحدها: أنَّه تفكَّر في أموره، فرآها في إدبار، فأصابه ذَرَبٌ عظيم، فمات منه.
والثاني: أنَّه لما خُطِبَ لبني العَبَّاس بَلَغَهُ؛ فاغتَمَّ، ومات. وقيل: إنَّ أهله أخفوا عنه ذلك، وقالوا: إنْ سَلِمَ فهو يعلم، وإن مات فلا ينبغي أن ننغِّص عليه هذه الأيام التي بقيت من عمره.
_________________
(١) الأبيات في "الخريدة": قسم شعراء الشام: ١/ ٣١٤ - ٣١٥، مع اختلاف في بعض الألفاظ، ما خلا الأبيات الثلاثة الأخيرة فيها، وإخالها زيادة من ناسخ لأنها من طبقة أدنى من ذلك الشعر، وقد كررت فيه قافية سلفت، والله أعلم.
(٢) ترجمته في "الكامل": ١١/ ٢٥٥ وما بعدها، "وفيات الأعيان": ٣/ ١٠٩ - ١١٢، و"اتعاظ الحنفا": ٣/ ٢٤٣ وما بعدها، و"سير أعلام النبلاء": ١٥/ ٢٠٧ - ٢١٥، وفيه تتمة مصادر ترجمته.
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في "السير" أنَّه ولد سنة (٥٤٦ هـ)، فيكون عمره حين بويع تسع سنين، وعمره حين توفي إحدى وعشرون سنة.
[ ٢١ / ١٨١ ]
والثَّالث: أنَّه لما أيقن بزوالِ دولته كان في يده خاتم، له فَصٌّ مسموم، فمصَّه، فمات.
وجلس صلاح الدين في عزائه، ومشى بين يدي جِنازته، وتولى غَسْله وتكفينه، ودفَنَه عند أهله، واستولى صلاحُ الدِّين على ما في القَصْر من الأموال والذَّخائر والتُّحَف والجواهر والعبيد والخدم والخيل والمتاع وغيره.
وكان في القَصْر من الجواهر النَّفيسة ما لم يكن عند خليفةٍ ولا ملك مما قد جُمِعَ على طول السِّنين، فمنه: القضيب الزُّمرُّذ، وطوله قبضة ونصف، والحبل الياقوت الأحمر، والدُّرَّة اليتيمة مثل بيض الحَمام، والياقوتة الحمراء وتسمى الحافر، وزنها أربعة عشر مثقالًا، ومن الكُتُب المنتخبة بالخطوط المنسوبة مئة ألف مجلد، ووَجَدَ عِمامة القائم وطَيلَسانه بحاله، بَعَثَ البساسِيريُّ بهما إلى المستنصر، ووجد أموالًا لا تعدُّ ولا تحصى.
وأفرد أهلَ العاضد ناحيةَ عن القصر، وأجرى عليهم [جميع] (^١) ما يحتاجون إليه، وسلَّمهم إلى قراقوش، فعَزَلَ الرِّجال عن النِّساء، واحتاط عليهم، وفرَّق الأموال التي أخذها من القَصر في العساكر، وباع بعضَ الجواري والعبيد، وأعطى للقاضي الفاضل من الكُتب ما أراد، وبعثَ إلى نور الدِّين بعِمامة القائم وطَيلَسانه، وهدايا، وتحفًا، وطِيبًا، ومئة ألف دينار - وكان نور الدين بحلب - فلما حضرت بين يديه، قال: والله ما كان بنا حاجة إلى هذا، ما وصل إلينا عُشْر معشار ما أنفقناه على العساكر التي جهَّزناها إلى مِصْر، وما قصدنا [بفتح مصر إلا فتح السَّاحل، وقلع الكفار منه] (^٢)، وأنشد:] من البسيط]
لم يُنْفقِ الذَّهبَ المُرْبي بكَثْرَتِهِ … على الحصى وبه فقرٌ إلى الذَّهَبِ
وانقضت أيَّامْ المِصْريين بوفاة العاضد، وعِدَّتهم أربعة عشر على عدد بني أمية، إلا أن أيَّامهم طالت، فملكوا مئتين وثماني سنين، وبنو أمية ملكوا نيِّفًا وتسعين سنة.
[وقد ذكرنا سيرة المصريين على وجه التفصيل، وتقلب الأمور والأحوال، ونذكرهم هنا على وجه الإجمال فنقول: أولهم] (^٣):
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): وما قصدنا بفتحها إلا فتوح الساحل، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في (ح): وأول المصريين، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ١٨٢ ]
عبيد الله الملقب بالمهدي، وهو جَدُّهم. قال ابنُ عبد البر: هو عبيد الله بن محمّد بن ميمون بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق ﵇، والثاني: ابنه أبو القاسم محمد [بن عبيد الله] (١)، ويلقب بالقائم بأمر الله، والثالث: ابنه إسماعيل [بن محمّد] (١)، ويلقب بالمنصور، والرَّابع: ابنه أبو تميم مَعَدّ، ويلقب بالمُعِزِّ لدين الله، وهو الَّذي بنى له جوهر القاهرة، والخامس: ابنه نزار [بن معد] (١) ويلقب بالعزيز بالله، والسادس: ابنه منصور، ويلقب بالحاكم بأمر الله، والسَّابع: ابنه علي [بن منصور] (١)، ويلقب بالظَّاهر لدين الله، والثامن: ابنه معَدَّ [بن علي] (١)، ويلقب بالمستنصر بالله، وَليَ ستين سنة، والتَّاسع: أبو القاسم أحمد، ويلقب بالمُسْتَعْلي، والعاشر: ابنه منصور [بن أبي القاسم] (١) ويلقب بالآمر بأحكام الله، وقُتِلَ، والحادي عشر: أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، ويلقب بالحافظِ لدين الله، والثَّاني عشر: ولدة إسماعيل ويلقب بالظَّافر، وقُتِلَ. والثَّالث عشر: عيسى، ويلقب بالفائز بأمر الله، والرَّابع عشر: العاضد.
[وقد رثاهم جماعة، منهم عمارة اليمني بقصيدته التي يقول فيها:
رميتَ يا دَهْرُ كفَّ المجد بالشَّلل
وهي كانت سبب قتله] (١).