ابن إسحاق، أبو محمَّد الحِمْيري، ويعرف بابن النَّقَّار الكاتب.
ولد بطرابلُس سنة تسع وسبعين وأربع مئة، [ونشأ بها، وقرأ القرآن والأدب] (^٤) ولما استولى الفرنج عليها انتقل إلى دمشق (^٥). [وله شعر رقيق ومعنى دقيق، ومنه هذه الأبيات] (٤)
بادِر إلى اللَّذَّاتِ في أَزْمانها … وارْكُضْ خيولَ اللَّهو في مَيدانها
واستقبلِ الدُّنيا بصَدْرٍ واسعٍ … ما أَوْسَعَتْ لكَ من رحيبِ مكانها
_________________
(١) "الخريدة": ٣/ ١١ - ١٦.
(٢) "الخريدة": ٣/ ١٠.
(٣) له ترجمة في "تاريخ ابن عساكر" (خ): ٨/ ١٠٥٥ - ١٠٠٧، و"الخريدة"، قسم شعراء الشام: ١/ ٣١٤ - ٣١٥، و"تكملة إكمال الإكمال": ٣٤٨، و"توضيح المشتبه": ٩/ ١١٨، "النجوم الزاهرة": ٦/ ٦٥.
(٤) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) في (م) و(ش): وذكره العماد الكاتب في "الخريدة"، وقال: ابن المنقار الكاتب الدمشقي، كان فاضلًا، كتب لملوك دمشق ولنور الدين محمود بن زنكي، وعاش نيِّفًا وتسعين سنة، وله شعر، وسيأتي هذا النقل في (ح) بعد الأبيات الآتية.
[ ٢١ / ١٧٩ ]
واستخدمِ الأيَّام قبل نفورها … واستغنمِ اللَّذَّاتِ قبل حِرانها
جاءَتْكَ أيَّامُ الرَّبيعِ فمرحبًا … بقُدُومها وبحُسْنِ فِعْلِ زمانِها
وحَبَتْك من سرِّ السَّحاب بجنَّةٍ … تتفنَنُ الأبصارُ في أفنانِها
وبَدَتْ لك الدُّنيا تُدِلُّ بحُسْنها … وبهائِها وتميسُ في أرْدانِها
أرأيتَ أبهى من بدائعِ نَوْرِها … في الرَّوضِ طالعةً على غُدْرانها
فكانَ مَعْبد أُوْ مُخارِقَ أصبحا (^١) … في طِيبِ صوتهما كبعض قِيانها
يا صاح ما لك لا تزال مُوَلَّهًا … تُعطي الصَّبابةَ منك فَضْلَ عِنانها
ما للرِّياض إلى دموعك حاجةٌ … قد ناب صَوْبُ الغَيثِ عن هَمَلانها
هل أذكَرَتْكَ علامةٌ لشقيقها … أم هيَّجتْك إشارةٌ في بانها
أم حرَّكَتْ منك البلابلُ ساكنًا … بحنينِ ما رَجَّعْنَ من ألحانها
ما ذاك إلا أنَّ في الأحبابِ ما … أجرى لك العَبَراتِ من ألوانها
فذكرتَ ألوانَ الخُدودِ بوَرْدِها … وسوالف الأَصْداغ من رَيحانها
وكذا المحاسنُ لا تكون محاسنًا … إلا إذا جُليت على أقرانها
آهًا لقلبٍ لم يزل في صَبْوَةٍ … وصبابةٍ يُلْقى على نيرانها
غَلَبَتْ عليه يدُ النَّوى ويدُ الهوى … كالنَّارِ لا يقوى على سُلْطانها
يا قاصدًا أرضَ الأَحِبَّة زائرًا … بلِّغْ تحيَّتَنا إلى سُكَّانِها (^٢)
وقال العماد الكاتب: ابن النَّقَّار الدِّمشقي، كان فاضلًا، كتَبَ لملوكِ دمشق ولنور الدين، وعاش نيفًا وتسعين سنة، ومن شِعْره: [من الكامل]
الله يعلَمُ أنَّني ما خِلْتُهُ … يَصْبو إلى الهِجْران حين وَصَلْتُهُ
مَنْ مُنْصفي مِن ظالمٍ مُتَعَتِّبٍ … يزدادُ ظُلْمًا كلَّما حكَمْتُهُ
ملَّكْتُه رُوحي ليحفظَ مُلْكَه … فأضاعني وأضاع ما ملَّكْتُهُ
_________________
(١) معبد هو ابن وهب، من كبار المغنين في العصر الأموي، توفي سنة (١٢٦ هـ)، وله ترجمة في الأغاني: ١/ ٣٦ - ٥٩ طبعة دار الكتب، ومخارق: هو ابن يحيى الجزار، كان إمام عصره في فن الغناء في العصر العباسي، وتوفي سنة (١٢٣ هـ)، وله ترجمة في الأغاني: ٣/ ٧١ - ٧٢ طبعة دار الكتب، ولم يصرف الشاعر "معبد" لضرورة الشعر.
(٢) القصيدة بتمامها في "تاريخ ابن عساكر": ٨/ ١٠٠٦ - ١٠٠٧.
[ ٢١ / ١٨٠ ]
لا ذَنْبَ لي إلا هواه لأَنَّه … لما دعاني للسَّقام أَجَبْتُهُ
أحبابَنَا أنفقتُ عُمْري عندكُمْ … فمتى أُعوِّضُ بعضَ ما أَنْفَقْتُهُ
وبمن أعود إلى سواكُمْ قاصدًا … والقَلْبُ في عَرَصاتكم خَلَّفْتُهُ
ولمن ألوم على الهوى وأنا الَّذي … قُدْتُ الفؤاد إلى الغرامِ وسُقْتُهُ
أأرومُ غيركُمُ صديقًا صادقًا … هيهاتَ ضاقَ الوقتُ عمَّا رُمْتُهُ
قد كُنْتُ أَعْذِلُ كلَّ صَبٍّ في الهوى … وألومه في العِشْق حتَّى ذُقْتُهُ
ما لي سوى قلبي وفيك أَذَبْتُهُ … ما لي سوى دمعي وفيك سكَبْتُهُ
أبكي إذا جَنَّ الظلامُ تشوُّقًا … في طول ليلٍ في هواك سَهِرْتُهُ
وأنوح إنْ ناحَ الحمامُ ضحىً على … إلفٍ فقدتُ الصَّبْرَ حين فَقَدْتُهُ
ما كُنْتُ أعرِفُ ما الغرامُ ولا الأسى … والشَّوْقُ والتَّبريحُ حتَّى ذُقْتُهُ (^١)