ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو القاسم الدِّمَشْقي الحافظ، ويعرف بابنِ عساكر، [وليس هذا الاسم في نسبه من قبل الأب، ولعله من قبل الأم.
وذكره جدِّي، وأثنى عليه في "المنتظم" (^٤)، فقال: علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم الدمشقي المعروف بابن عساكر،] (١) سمع الحديث الكثير، وكانت له به معرفة، وصنَّف تاريخًا لدمشق، وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري، حتى صنف كتابًا سماه "كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري" (^٥).
[وتوفي بدمشق في هذه السنة. هذا صورة ما ذكره جدي ﵀.
قلت] (١): ولد الحافظ أول المحرَّم سنة تسعٍ وتسعين وأربع مئة، وأُمه أُم القاسم بنت القاضي أبي الفَضْل يحيى بن علي القُرَشي، وكان أحدَ أئمة الحديث المشهورين، والعلماء
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) هو زين الدين يوسف بن علي صاحب إربل، وقد توفي سنة (٥٨٦ هـ). انظر "الروضتين": ٤/ ١٦٨.
(٣) له ترجمة في "خريدة القصر"، قسم شعراء الشام: ١/ ٢٧٤ - ٢٨٠، و"المنتظم" ١٠/ ٢٦١، "معجم الأدباء": ١٣/ ٧٣ - ٨٧، "الكامل" لابن الأثير: ١٢/ ٣٥٧، "كتاب الروضتين": ٢/ ٤٢٠، "وفيات الأعيان": ٣/ ٣٠٩ - ٣١١، و"تذكرة الحفاظ": ٤/ ١٣٢٨ - ١٣٣٤، و"سير أعلام النبلاء": ٢٠/ ٥٥٤ - ٥٧١، و"طبقات علماء الحديث" لابن عبد الهادي: ٤/ ١٠٥ - ١١١، وقد استقصيت ثمة مصادر ترجمته.
(٤) ١٠/ ٢٦١.
(٥) هو "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري"، وقد عني بنشره حسام الدين القدسي سنة (١٣٤٧ هـ).
[ ٢١ / ٢٣٩ ]
المذكورين، سافر إلى الشَّرْق سنة عشرين وخمس مئة، وسمع ببغداد وخُرَاسان وأَصْبهان ونَيْسابور وهَرَاة، ثم حجَّ، وسمع بمكة والمدينة والشَّام، واشتغل بالفِقْه، وصنَّف كُتُبًا كثيرة منها: ["تاريخ دمشق" بثمان مئة جزء في ثمانين مجلدة، وكتاب] (^١) "الإشراف في معرفة الأطراف"، و"فضل أصحاب الحديث" و"الأربعين" و"الجهاد" و"فضائل مكة والمدينة" و"البيت المقدس" و"فضل قُريش والأنصار" و"فضائل أهل البيت" و"فضائل الصحابة" و"مسند أبي حنيفة" و"كتاب الزَّلازل"، وغير ذلك.
وقال ابنُ السَّمعاني: أنشدني لنفسه: [من البسيط]
وصاحبٍ خانَ ما استَوْدَعْتُه وأتى … ما لا يليقُ بأربابِ الدِّياناتِ
وأظهر السِّرَّ مختارًا بلا سببٍ … وذاك والله من أوفى الجناياتِ
أما أتاه عن المختار في خبرٍ … أَنَّ المجالس تُغْشى بالأمانات (^٢)
وقال ابنُ السَّمْعاني: طلب الحافظُ مني كتاب "دلائل النُّبوة" للبيهقي، وأخرتُ إنفاذه، فكتَبَ من دمشق إلى خُراسان يعاتبني، فقال: [من مجزوء الكامل]
ما خِلْتُ حاجاتي إليـ … ـك وإنْ نأتْ داري مُضَاعهْ (^٣)
وأراك قد أَهْمَلْتَها … وأَضَعْتَها كلَّ الإضاعهْ
أنسيتَ ثَدْيَ مودَّةٍ … بيني وبينك في الرَّضاعهْ
ولقد عَهِدْتُك في الوفا … ءِ أخا تميمٍ لا قُضاعهْ
وأراكَ نُكْرًا لا تخا … فُ على الصَّداقة والبضاعهْ (^٤)
[وذكره العماد في "الخريدة"، وقال: سمعت عليه من التاريخ الذي صنفه من أنواع ما ألفه، وأنشدني لنفسه في ربى دمشق] (^٥) [من المتقارب]
أيا نفسُ وَيْحَك جاءَ المَشْيبُ … فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) الأبيات في "الخريدة": ١/ ٢٧٥.
(٣) في (ح): "ما كنت أعرف أن حاجاتي إليك": وبه لا يستقيم الوزن مع سائر الأبيات، والمثبت من "الخريدة".
(٤) الأبيات في "الخريدة": ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٥) في (ح): "وقال العماد: أنشدني لنفسه بقرية المزة هذه الأبيات" والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٤٠ ]
تولَّى شبابي كأَن لم يكنْ … وجاء مشيبي كأَن لم يَزَلْ
فيا ليتَ شعْري ممن أكون … وما قدَّر الله لي في الأَزَل (^١)
ذكر وفاته:
توفي ليلة الاثنين حادي عشر رجب، وقد بلغ [من العمر] (^٢) اثنتين وسبعين سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، وميدان الحصى، صلَّى عليه القُطْب النَّيسابوري، وحَضَرَ صلاحُ الدِّين الصَّلاة عليه، [سمع ببغداد أبا القاسم هبة الله بن الحصين وغيره، وحج إلى مكة في سنة إحدى وعشرين وخمس مئة، فسمع بها أبا أحمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل المصري، وغيره، ثم سافر إلى المشرق، فسمع بنيسابور وغيرها] (٢) وكان ولده أبو محمد القاسم يقول. سمع أبي من ألف شيخ وثلاث مئة شيخ وبضع وثمانين امرأة [(^٣) وسمع منه الحافظ أبو العلاء الهمذاني وهو أكبر منه، وذكر ابنه القاسم أنه صنف ستين كتابًا، وكانوا يفضلونه على الخطيب، وله بنى نور الدين دار الحديث بدمشق، وعاش ابنه القاسم إلى سنة ست مئة، وتوفي بها، وسنذكره].
وقال الحافظ: أنشدني أبو الفوارس المظفر بن عمر الآمِدِي: [من الطويل]
وَدِدْتُ بأنَّ الدَّهْرَ ينظُرُ نظرةً … بعينِ جلا عنها الغيايةَ نورُها
إلى هذه الدُّنيا التي قد تخبَّطَتْ … وجُنَّتْ فساس النَّاسَ فيها حميرُها
فينكِرَ ما لا يَرْتضيه محصِّلٌ … ويأنفَ أن تُعْزى إليه أمورُها
فقد أبغضتْ فيها الجسومَ نفوسها … مَلالًا وضاقتْ بالقلوبِ صدورُها (^٤)