ابن القاسم، أبو الفضل، كمال الدين بن الشَّهْرُزُوري.
قاضي دمشق والشَّام، ولد سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة، وقدم بغداد، فتفقَّه على أَسْعد المِيهَني بالنِّظامية، وسَمِعَ [(^٣) الحديث ببغداد والمَوْصِل، وكان رئيس أهل بيته، وولي قضاء القضاة بدمشق وحمص وحماة وحلب وجميع الشام في أيام نور الدين بن زنكي]، وكان إليه في أيام نورِ الدِّين مع القضاء أمرُ المدارس والمساجد والأوقاف والحِسْبة والأمور الدينية والشَّرعية، وكان صاحبَ القلم والسَّيف، و[كانت] (٤) شِحْنِكيَّة دمشق إليه، ولَّى فيها بعض غِلْمانه، ثم ولاها نورُ الدِّين لصلاحِ الدِّين، وكانت بينهما مضاغنة، وكان كلُّ واحد ينقض حُكْم الآخر، فلما كاتبه صلاح الدِّين على أن يساعده على أَخْذ دمشق أعانه، وفَتَحَ له أبوابها، فلما دَخَلها صلاح الدين مشى إلى داره، وطيَّب قلبه، [وقد ذكرناه.
وذكره العماد في "الخريدة" بمعنى ما ذكرنا، وقال] (^٤): كان فاضلًا، جَوَادًا سَمْحًا، دَيِّنًا عفيفًا، ذا مروءةٍ ظاهرة، وصدقات دارَّة وافرة، وبرٍّ متَّصل؛ جاء إلى الشيخ أحمد والد الشيخ أبي عمر شيخ الحنابلة، وأحمد أوَّل من سَكَنَ منهم قاسيون، فزاره ومعه ألف دينار، فدفعها إليه، فامتنع الشيخ أحمد من أَخْذِها، فاشترى كمال الدِّين قرية الهامة بوادي بردى، ووقَفَ نصفَها على الشيخ أحمد، والمقادسة، والنِّصف الآخر على الأُسارى، وهي باقيةٌ إلى هلمَّ جرّا.
_________________
(١) "الخريدة": ١/ ٢٤٥.
(٢) له ترجمة في "خريدة القصر" قسم شعراء الشام: ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٧، و"المنتظم": ١٠/ ٢٦٨، و"الكامل" لابن الأثير: ١١/ ٤٤١، و"كتاب الروضتين": ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٨، و"وفيات الأعيان": ٤/ ٢٤١ - ٢٤٤، و"المختصر المحتاج إليه": ١/ ٥٥، و"سير أعلام النبلاء": ٢١/ ٥٧ - ٥٨، وفيه تتمة مصادر ترجمته.
(٣) في (ح): وسمع بها وبالموصل، وكان رئيسًا، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٤٥ ]
ذكر وفاته
كان بينه وبين شَرَفِ الدِّين بن أبي عَصْرُون ما يكون بين أبناء الدُّنيا على المناصب، وكان نورُ الدِّين يفضِّله على ابنِ أبي عَصْرون، وهو عنده بمنزلةِ الوزير، وبعث به إلى بغداد رسولًا، فكتَبَ إلى الخليفة المقتفي ورقة يقول: المملوك محمد بن عبد الله الرَّسول. فكتَبَ المقتفي عليها: ﷺ.
وكان ابنُ أبي عَصْرون أقومَ منه بالفتوى، فلما مرض وبلغ ابن أبي عصرون وهو بحلب قَدِمَ دمشق، فدخل عليه وعانقه وبكيا، فلما مات تولى ابن أبي عَصْرون أمره، وخرج في جِنازته ماشيًا؛ هو وجميع الملوك مشاة: سيف الإسلام، وتقي الدين عمر، وشمس الدولة، وغيرهم، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، وحُمِلَ إلى قاسيون، فدفن في سَفْحه قريبًا من الجادة عند مسجد البصارو، ولم يكن عنده من أولاده أحد، وإنما كان عنده ابنُ أخيه ضياء الدِّين أبو الفضائل.
وكان كمال الدين قد تصدَّق بجميع ما كان عنده، وأوصى بماله، ووقف أوقافًا كثيرة على أبواب البر، وقيل: إنه لم يكن له كفن، فكُفِّنَ في إحرامه، وكانت وفاته سادس المحرَّم.
وأوصى بالقضاء إلى ابن أخيه ضياء الدِّين مع وجود ولده، فآثَرَ صلاحُ الدين أن يولي القضاءَ شَرَفَ الدين بن أبي عَصْرون من غير أن يعزل ضياء الدين، وأفضى بسرِّه إلى الفاضل، وما كان صلاح الدين يمكنه عزله خوفًا من الشَّناعة ولا يصرِّح، بل يقول: هذا الشيخ ابن أبي عصرون شيخ الشَّافعية ماله منصب، أريد منصبًا أُولِّيه. ففهم ضياءُ الدِّين، فكتبَ إلى صلاح الدين يستعفي من القضاء، فأعجبه ذلك، وزاد في إقطاعه، وبعثه رسولًا إلى الخليفة.
وولى ابن أبي عصرون القضاء، وأمره أن يستنيب أبا المعالي محيي الدِّين محمد بن زكي الدِّين، فاستنابه بتوقيعٍ من صلاح الدِّين، وأقام ابن أبي عصرون قاضيًا إلى أن ضَعُفَ بصره، فأشار الفاضل بتولية أبي حامد محمّد (^١)، واستمرَّ إلى سنة سبعٍ وثمانين وخمس مئة، فصُرِفَ، واشتغل محيي الدين محمّد بن زكي الدِّين بالقضاء.
_________________
(١) هو ابن شرف الدين بن أبي عصرون، وقد توفي سنة (٦٠١ هـ).
[ ٢١ / ٢٤٦ ]
ومن شعر كمال الدين الشَّهْرُزُوري: [من الطويل]
وجاؤوا عشاءً يُهْرعَون وقد بدا … بجسميَ من داء الصَّبابةِ ألوانُ
فقالوا وكلٌّ مُعْظِمٌ بعضَ ما أرى … أصابتك عينٌ قلت إن وأجفانُ
وقال: [من الكامل]
ولقد أتيتكَ والنُّجومُ رواصدٌ … والفجرُ وهمٌ في ضمير المَشْرِقِ
وركبتُ مِ الأهوال (^١) كلَّ عظيمةٍ … شوقًا إليك لعلَّنا أن نلتقي
[(^٢) وكان لكمال الدِّين ولد اسمه محمد بن محمد بن عبد الله، ولقبه محيي الدين، وكان أبوه [عيَّنه] (^٣) قاضيًا على حلب، ولما مات كمال الدين رثاه بأبيات (^٤).
وكان للقاضي كمال الدين ثلاثة إخوة، أحدهم اسمه يحيى بن عبد الله، مات سنة نيف وستين وخمس مئة.
والآخر القاسم بن عبد الله، ولقبه شمس الدين، ولي قضاء الموصل، وكان يعظ، وله كلام حسن وقبول، وتوفي في سنة ثلاثين وخمس مئة، وقد ذكرناه هناك.
والثالث سعد بن عبد الله، نذكره في سنة ست وسبعين وخمس مئة، إن شاء الله].