ابن هبة الله بن المُظَفَّر بن علي بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبيد بن عمرو بن خالد بن الرُّفَيل، أبو الفرج الوزير، ابنُ رئيس الرُّؤساء -[وقد ذكرنا ترجمة ابن مسلمة (^٣) وزير القائم بأمر الله] (^٤) - ولقبه عَضُد الدِّين.
ولد سنة أربع عشرة وخمس مئة، وكان أبوه أستاذ دار المقتفي، وأقرَّه المستنجد، فلما ولي المستضيء استوزره، وقصده قطب الدِّين قيماز [على ما ذكرنا] (٤)، ثم عاد استوزره المستضيء، فَشَرَعَ ظهير الدِّين أبو بكر بن العَطَّار صاحب المخزن في عداوته، فغيَّر قلب الخليفة عليه، فطَلَبَ الحجَّ في هذه السَّنة، فأَذِنَ له، فتجهَّز جِهازًا عظيمًا؛ اشترى ستّ مئة جمل لحمل المُنْقطعين وزادهم، وحَمَلَ معه جماعةً من العلماء والزُّهَّاد، ومارَسْتانًا فيه جميع ما يحتاجون إليه (^٥) من الرَّوايا والقُرب والزَّاد وغيره ما لم يحمله وزير، فلما كان يوم الأربعاء رابع ذي القَعْدة ركب في شَبَّارة (^٦)، وعَبَرَ في دِجْلة إلى الجانب الغربي، وجميع أهل بغداد من الجانبين يدعون له ويثنون عليه، لأَنَّه كان مُحْسنًا إليهم بماله وجاهه ومروءته، قريبًا من النَّاس، ولما صَعِدَ من
_________________
(١) في (ح): "وقيل إنهم لما امتنعوا من تسليمها"، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) له ترجمة في "المنتظم": ١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٥، ٢٨٠، و"الكامل": ١١/ ٤٤٦ - ٤٤٧، و"الروضتين": ٢/ ٤٨١، و"المختصر المحتاج إليه": ١/ ٥٥ - ٥٨، والفخري في "الآداب السلطانية": ٢٣٢ - ٢٣٣، و"سير أعلام النبلاء": ٢١/ ٧٥ - ٧٧، وفيه تتمة مصادر ترجمته.
(٣) ابن مسلمة هو علي بن الحسين بن أحمد، أبو القاسم، مات مقتولًا سنة (٤٥٠ هـ)، فانظر ترجمته في حوادثها.
(٤) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) في (ح): ما يحتاج من الروايا، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٦) ضرب من الزوارق، انظر: "تكملة المعاجم" لدوزي، الطبعة الفرنسية: ١/ ٧١٩.
[ ٢١ / ٢٥٣ ]
الشَّبَّارة عند القرية، ركب وأرباب الدَّوْلة بين يديه بأَسْرهم، وخدم الخاصَّة، والنَّقيبان وقاضي القضاة، ما عدا [ظهر الدين] (^١) ابن العَطَّار، فإنَّه لم يودِّعْه، فلما ركب ضُرِبَ البوق على عادة الوزراء، فلما وصل إلى باب قَطُفْتا (^٢)، خرج عليه رجل صوفي وبيده قِصَّة، فقال: مظلوم. فقال الغِلْمان: هاتِ قِصَّتك، فقال: ما أُسَلِّمها إلا إلى الوزير. فقال: دعوه، تعال. فجاء إليه ووثَبَ عليه، وضربه بسكِّين في خاصرته، فصاح [الوزير] (١): قتلني، وسَقَطَ من دابته، وانكشف رأسه، فغطاه مملوكه بكُمَّةٍ، وبقي على قارعة الطَّريق مُلْقًى، وتفرَّق مَنْ كان معه إلا حاجب الباب ابن المعوَّج، فإنه رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني بسكِّين فجرحه، فظهر له رفيقان، فقُتلوا وأُحرقوا، وحُمل الوزير إلى داره بقَطُفْتا، وحُمِلَ حاجب الباب إلى داره، وكان الوزير قد رأى في تلك الليلة في منامه كأنَّه يعانقُ عُثْمان بن عَفَّان ﵁، وكان قد اغتسل قبل أَنْ يخرج من داره، وقال: هذا غُسْل الإسلام، وأنا مقتول بغير شكّ. ولم يسمع [من الوزير] (^٣) لما جُرح غير قوله: الله الله، ادفنوني عند أبي. [(^٤) وحكى جدي ﵀، قال: حدثني، رجلٌ من أهل قَطُفْتا: دخلتُ في اليوم الذي قُتِلَ فيه الوزير قبل قَتْله بساعةٍ إلى مسجد بقَطُفْتا، فرأيت فيه ثلاثة نَفَرٍ قيام أحدهم معترضًا إلى القِبْلة، وقام الآخران فصلَّيا عليه صلاةَ الموت، ثم فعلَ كلُّ واحدٍ منهما كذلك [حتى كملوا الصلاة عليهم قال:] (١) فتعجبت منهم ولم أكلمهم، ولم يكلِّموني، ثم قاموا، فخرجوا، ووثبوا على الوزير، فقتلوه وقُتلوا.
وكانت وفاتُه يوم الخميس، فَغُسِّل وكُفِّن، وحُمل إلى جامع المنصور، وصَلَّى عليه ولدُه الأكبر، ودُفِنَ عند أبيه مقابل جامع المنصور، وحَضَر أربابُ الدَّوْلة بأَسْرهم، وابنُ العَطَّار صاحبُ المخزن، وجلس أولاده للعزاء يوم الجمعة، ولم يقربهم أحدٌ من أرباب الدَّوْلة، فبرز أمر الخليفة: ألا يتخلف عنهم أحد. فحضروا يوم السبت بأَسْرهم،
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) محلة كبيرة ذات أسواق بالجانب الغرب من بغداد، "معجم البلدان": ٤/ ٣٧٤.
(٣) في (ح): لم يسمع منه، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في (ح): وقال رجل، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٥٤ ]
وجاء خدمُ الخاصَّة ومعهم توقيعُ الخليفة بإظهار الحُزْن عليه، والتأسُّف، وتطييب قلوبهم، وأقامهم من العزاء.
[(^١) واختلفوا في سبب قتله، فقال قوم:] إنَّ تتامش واطأ الإسماعيلية على قَتْله لما كان بينهما، فبعث الخليفةُ، فقبضَ على تتامش، وأخَذَ أمواله وحَبَسه في التَّاج، وكان قد كتب مرارًا إلى الخليفة يعرضه للفرجة على الحاجّ، ويقول بأنَّ هذا شعار الإسلام، ولو خرج أمير المؤمنين لاشتدَّت قلوب الحاج، فلما قُتِلَ الوزير خِيفَ أن يكون أراد الخليفة [(^٢) وقال آخرون:] إنما وَضَعَ الإسماعيلية عليه ابن العطار صاحب المخزن، [وهو الظَّاهر] (^٣).
[قلت:] (^٤) حكى لي والدي ﵀، قال: كنتُ قاعدًا عند ابن العَطَّار صاحب المخزن في ذلك اليوم فجعل يقول لي: يا حسامَ الدِّين، إلى أين بلغ السَّاعة؟ وأين وَصَلَ؟ وهو قلق، يقوم ويقعد، فلما جاء الخبر بقَتْله، قام قائمًا، وقال: الله أكبر يا ثارات ظَفَر، يا ثارات عزّ الدين، يعني ابني الوزير ابن هُبيرة، فإنَّهما قُتلا في أيام ابنِ رئيس الرُّؤساء. قال أبي: ومضيتُ مع صاحب المخزن إلى عزاء أولاد ابن رئيس الرؤساء، فعزَّاهم، وجعل يقول: قَتَلَ الله من قتل أباكم شَرَّ قِتْلَة، ومثَّلَ به أقبحَ مُثْلة.
فكان كما قال، [قُتل] (٣) ابنُ العطار شرَّ قِتْلة، ومُثِّلَ به أقبح مُثْلة [وسنذكره] (^٥).
أسند الوزيرُ الحديث [عن أبي القاسم بن الحصين وغيره] (٣)، وكان [الوزير] (٣) فاضلًا عادلًا؛ كان يغشاه رجلٌ من الأكابر، فحسده أقوام، فَسَعَوْا به إلى الوزير، وكثَّروا عليه، فقال الرجل: يا مولانا، قد بلغني كذا وكذا، وأنا خائف على منزلتي عندك. فقال الوزير: [من السريع]
ما حطَّكَ الواشون من رُتْبَةٍ … عندي ولا ضَرَّكَ مغتابُ
_________________
(١) في (ح): وسبب قتله أن تتامش، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): وقيل، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في (ح): قال المصنف ﵀، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) في حوادث سنة (٥٧٥ هـ)، وما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٥٥ ]
كأنَّما أثْنَوْا ولم يعلموا … عليك عندي بالذي عابوا
ولما بلغ القاضي الفاضل قَتْلَه أنشد: [من الطويل]
وأحسنُ من نَيلِ الوزَارة للفتى … حياةٌ تريه مَصْرَعَ الوزراءِ
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^١) كان - عفا الله عنه - قد قتل وَلَدَي الوزير ابن هُبيرة، وخَلْقًا كثيرًا، وأنشد: [من الكامل]
إنَّ الوزيرَ وزيرَ آلِ محمد … أَوْدَى فمن يَشْناكَ كان وزيرا
غير أَنَّه خُتمت له السَّعادة بما ختمت له من الشهادة، لا سيما وقد خَرَجَ من بيته إلى الله، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (^٢).
[وخرج ولده علي بن محمد إلى الشام، وأحسن إليه صلاح الدين، وسنذكره في سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة] (^٣).
وأما حاجب الباب ابن المعوَّج، فاسمه محمد بن أبي نَصْر (^٤)، كان شابًّا جميلًا، عاقلًا دينًا، ذا مروءةٍ، ماتَ في اليوم الذي جُرح فيه، ولم يبلغ ثلاثين سنة، وله نوادرُ مع اللصوص؛ أُتي بلصٍ وقد سَرَقَ، فقال: افرشوه [عني مدُّوه على الأرض] (٣)، فنامَ اللِّص، وقال: [ما يحتاج] (٣) في قدر الموضع أنا.
وجاءت امرأةٌ، فقالت: يا سيِّدي؛ هذا اللِّصُّ فَتَحَ رأسي. فقال له: ويحك، لِمَ فَتَحْتَ راسَها؟ فقال: كنتُ قد ملأتها عِنَبًا، فأردت [أبصر] (٣) هل صارتْ خمرًا أو خلًا، يعني الخابية، فقال: والكْ، تتقاطع عليَّ؟ فقال: لا أتهجَّى، قال: كم تتنزل عليَّ؟ قال: شَدِّدْني بقطن، فقال: والله لا بد ما أقومك؟ فقال: كنتَ قوَّمتَ جَدّك، يعني المعوَّج، فضحك، واستتابه، وأطلقه.
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٤٦.
(٢) ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة النساء: ١٠٠].
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) له ترجمة في "المنتظم": ١٠/ ٢٨٢، و"المختصر المحتاج إليه": ١/ ٥٨، واسم أبي نصر عبد الله بن الحسين.
[ ٢١ / ٢٥٦ ]