أبو القاسم، الملك العادل نور الدين، رحمه الله تعالى.
[اعلم أن سيرة نور الدين أولى ما صرفت العناية إليها، واعتمد في اغتناء الفضائل عليها، تحثُّ الطالب على نيل المطالب، وتعدل بهمة الراغب على تحصيل الرغائب، وقد ذكر العلماء سيرته، وسطر الفضلاء ترجمته، وقد جمعت في كتابي هذا ما تفرَّق في تواريخهم من محاسن أخباره، وأتيت على معظم مآثره وآثاره.
ذكر مولده وصفته وطَرَف من أخباره:
ذكر الحافظ ابن عساكر أنه ولد] (^٢) سنة إحدى عشرة وخمس مئة، وكان معتدل القامة، أسمر اللون، واسع الجبهة، حسن الصُّورة، لحيته شعراتٌ خفيفة في حنكه.
[قال] (^٣): ونشأ على الخير والصَّلاح، وقرأ القرآن، [وكان مواظبًا على] (٣) العبادة، [وكان] (٣) قليل المخالطة للجُنْد، وكان [أبوه] (٣) زنكي يقدمه على أولاده ويرى فيه مخايل النجابة.
[قال] (٣): وفتح نيفًا وخمسين حِصْنًا، منها: تل با شر، وعَزَاز، ومَرْعَش، وبَهَسْنى، وتل خالد، وحارم، والمَرْزُبان، ورَعْبان، وكيسون، وا لرُّها، وكسر إبرنس أنْطاكية، وقتله، وقتل معه ثلاثة آلاف، وأخذ من القومص ثلاث مئة ألف دينار وخمس مئة زَرَدية، وخمس مئة حصان، وخمس مئة أسير.
واتسع مُلْكه، ففتح المَوْصل والجزيرة وديار بكر والشَّام والعواصم ودمشق وبعلبك وبانياس ومِصْر واليمن، وخُطِبَ له في الدُّنيا، وأظهر السُّنَّة بحلب، وأزال الأذان بحيّ على خير العمل، وبنى بها المدارس، [وأوقف الأوقاف، وبنى سور دمشق
_________________
(١) أخباره مستفيضة في تواريخ تلك الفترة، وأفرد أبو شامة شطرًا من كتابه "الروضتين في أخبار الدولتين" في أخباره وأخبار دولته، وأوعب فيما كتب، وقد حققته، وصدر في خمسة أجزاء عن مؤسسة الرسالة في بيروت، سنة ١٩٩٧.
(٢) في (ح) قال ابن عساكر: ولد سنة، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٠٣ ]
والمدارس] (^١) وأسقط ما كان يؤخذ من دار البطيخ، وسوق الخيل والغنم، والكيالة، وجميع المكوس، وعاقب على شُرْب الخمر.
وكان في الحرب ثابت القدم، حسن الرمي، يتقدَّم أصحابه فيها، ويتعرَّض للشَّهادة، ويسأل الله أن يحشره من بطون السِّباع، وحواصل الطَّير.
ووقف أوقافًا على المرضى والمجانين، وبنى المكاتب لليتامى، وبنى المارَسْتان بدمشق، ووقف على سُكان الحرمين، وأقطع أمراء العرب القطائع لئلا يتعرَّضوا للحاجّ، وأمر بإكمال سور المدينة، وأجرى إليها العين التي تأخذ من أُحُد من عند قبر حمزة ﵁، وبنى الرُّبُط والجُسور والخانات والقناطر، وجدَّد كثيرًا من قُني السَّبيل، وكذا صَنَعَ في غير دمشق من البلاد التي ملكها، ووقف كُتُبًا كثيرة في مدارسه، وكان حسنَ الخطِّ، كثير المطالعة للكُتُب الدِّينية، متبعًا للآثار النبوية، مواظبًا على الصلوات الخمس في الجماعات، عاكفًا على تلاوة القرآن، حريصًا على فعل الخير، عفيف البطن والفرج، مقتصدًا في الإنفاق، متحرِّيًا في المطعم والمشرب والملبس، لم تُسْمع منه كلمة فحش قط، لا في رضاه ولا في غضبه، هذا مع ما جَمَع الله فيه من العقل المتين، والرأي الثَّاقب الرصين، والاقتداء بسيرة السَّلف الصَّالحين، حتى روى حديث المصطفى ﷺ، وأسمعه. وكان قد استجيز له [ممن سمعه وجمعه حرصًا منه على الخير في نشر السنة بالأداء والتحديث، ورجاء أن يكون ممن حفظ على الأمة أربعين حديثًا كما جاء في الحديث] (١)، فمن رآه شاهد من جلال السَّلْطنة وهيبةِ المملكة ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيِّره، يحبُّ الصالحين ويؤاخيهم، ويزورهم في أماكنهم لحُسْن ظنِّه فيهم. [هذا قول ابن عساكر، وذكر كلامًا طويلًا في هذا المعنى] (^٢).
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش). وحديث "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من سنتي أدخلته يوم القيامة في شفاعتي". روي عن جمع من الصحابة بأسانيد لا يخلو واحد منها من مقال.
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش)، وانظر "تاريخ ابن عساكر" (خ) (س): ١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٦.
[ ٢١ / ٢٠٤ ]
وقال الجزري في "تاريخ المَوْصل": قد طالعتُ تواريخ الملوك المتقدمين [من] قبل الإسلام وإلى يومنا [هذاي (^١)، فلم أَرَ فيها بعد الخلفاء الرَّاشدين وعمر بن عبد العزيز ملكًا أحسنَ سيرةً من نور الدِّين، ولا أكثر تحرِّيًا للعَدْل والإنصاف منه (^٢)، ثم ذكر [من] (١) عدله وزُهْده وفَضْله وجهاده واجتهاده من جنس ما ذكر [الحافظ] (١) ابن عساكر، قال: وكان لا يأكل ولا يَلْبَس ولا يتصرَّف فيما يخصُّه إلا من مِلْكٍ اشتراه من سهمه من غنائم الكُفَّار، وكان يحضر الفقهاء، ويستفتيهم فيما يحلُّ له من تناول الأموال، فأفتوه من جهات عيَّنوها، فلم يتعدَّها إلى غيرها، ولم يَلْبَس حريرًا قطُّ ولا ذهبًا ولا فضَّة، ومنع من بيع الخمرة في بلاده، وكان يحدُّ شاربها، والنَّاس عنده سواء في ذلك.
وكان كثيرَ الصِّيام، وله أوراد في اللَّيل والنَّهار، فكان يقدِّم أشغال المسلمين عليها ثم يتمّم أوراده، وكان تزوج الخاتون بنت معين الدِّين أُنَر، فطلبتْ منه زيادةَ نفقة فغَضب، وقال: قد فرضتُ لها ما يكفيها، والله [لا] (١) أخوض جهنَّم بسببها، وهذه الأموال ليست لي إنما هي للمُسْلمين، وأنا خازنُهم، فلا أخونهم فيها، ولي بحمص ثلاث دكاكين اشتريتها من الغنائم، قد وهبتها لها، وكان يحصل منها قدر يسير.
قال: وكان يلعب بالكرة (^٣) كثيرًا، فكتبَ إليه بعضُ الصَّالحين يُنكر عليه ويقول: إنَّك تُتْعب الخيل في غير فائدة، فكتب إليه [نور الدين] (١) بخطه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن [في] (١) ثغر، والعدوُّ منا قريب، فربما وقع صوت فتكون الخيل قد أَدْمنت على سُرْعة الانعطاف بالكَرِّ والفرِّ، فإذا طلبنا العدو أدركناه، ولو تركناها بحالها لصارت جَمَامًا لا ينتفع بها، فنيَّتي في لعب الكرة هذا (١).
وأُهديت له عِمامة مُذْهبة من مِصْر، فوهبها لشيخ الصُّوفية أبي الفتح [بن] (١) حمُّويه، فبعث بها إلى العجم، فبيعت بألف دينار (١).
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) "الباهر" لابن الأثير: ١٦٣ - ١٦٥.
(٣) هي لعبة الجوكان، وهي تشبه في وقتنا لعبة الغولف.
[ ٢١ / ٢٠٥ ]
[قال] (^١): وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وليس عنده تعصُّب على أحدٍ، والمذاهب كلّها سواء (^٢).
[قال] (١): وكان يومًا يلعب بالكرة في مَيدان دمشق، فجاءه رجلٌ، فوقف بإزائه وأشار إليه، فقال للحاجب: سَلْه ما حاجته؟ فسأله، فقال: لي مع نور الدِّين حكومة، فرمى الصّولجان من يده، وجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين [بن] (١) الشَّهْرُزُوري، وتقدَّمه الحاجب يقول [للقاضي: قد قال لك] (١) لا تنزعج، واسْلُكْ معي ما تسلكه مع آحاد النّاس. فلما حضر سوَّى بينه وبين خصمه، وتحاكما، فلم يثبت للرَّجل عليه حق، وكان يدَّعي مِلْكًا في يد نور الدِّين، فقال نور الدين للقاضي والعدول: هل ثَبَتَ له عليَّ حق؟ قالوا: لا، قال: فاشْهدوا أَنِّي قد وَهَبْتُ له الملك، وقد كنتُ أعلم أنَّه لا حقَّ له عندي، وإنما حضرت معه لئلا يُقال عني أني دُعيت إلى مجلس الشرع، فأبيتُ (٢).
[قال] (١): ودخل يومًا إلى خزانته، فرأى مالًا كثيرًا، فقال: مِنْ أين هذا؟ قالوا: قد بعَثَ القاضي كمال الدِّين من فائض الأوقاف، فقال: ردُّوه إليه، وقولوا له: أنا رقبتي دقيقة، لا أقدر على حَمْله غدًا، وأنتَ رقبتك غليظة تقدر على حَمْله (٢).
[قال] (١): ونور الدِّين أول من بنى دارًا للكشف بدمشق، وسمَّاها دار العَدْل (^٣)، وسببه أنَّ الأُمراء لما قَدِموا دمشق اقتنوا الأملاك، واستطالوا على النَّاس، وخصوصًا أسد الدِّين شيركوه، فكثرت الشكاوى إلى القاضي، فلم يقدر على الانتصاف من أسد الدِّين، فشكاه إلى نور الدين، فأمر ببناء دار العدْل، فاحضر شيركوه أصحابه وديوانه، وقال: إنَّ نور الدِّين ما بنى هذه الدار إلا بسببي وَحْدي لينتقم مني، والا فمَنْ هو الذي يمتنع على كمال الدِّين، والله لئن أُحضرت إلى دار العَدْل بسبب واحدٍ منكم لأصلبنَّه، فإن كان بينكم وبين أحدٍ منازعة فأرضوه مهما أمكن، ولو أتى على جميع ما في يدي، فإنَّ خروج أملاكي من يدي أهون عليَّ من أن يراني نور الدين بعين [أني] (^٤) ظالم، ويسوِّي بيني وبين آحاد العوام. ففعلوا، وأرضوا الخصوم، فجلس نور الدين في دار
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) الباهر: ١٦٦ - ١٦٧.
(٣) في النسخ الخطية: ونور الدين أول من بنى دار العدل بدمشق، وسماها دار الكشف، والمثبت من "الباهر": ١٦٨.
(٤) ما بين حاصرتين من (الباهر).
[ ٢١ / ٢٠٦ ]
العَدْل، وقال للقاضي: ما أرى أحدًا يشكو من شيركوه، فأخبره الخبر، فسجد، وقال: الحمد لله الذي جعل أصحابنا يُنصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا.
وكان يقعد في دار العَدْل في كلِّ أسبوع أربعة أيام [أو خمسة] (^١) ويحضر عنده الفقهاء (^٢)، ويأمر بإزالة الحاجب والبواب، ويوصل إليه الشيخ الضَّعيف والعجوز الكبيرة، ويسأل الفقهاء عما أَشكل عليه (^٣).
[قال] (^٤): وكان [نور الدين] (٤) إذا حضر الحرب شدَّ تَرْكَشَين (^٥)، وحمل قوسين، وباشر الحرب بنفسه، فقال له القطب النَّيسابوري: لا تخاطر بنفسك فأنتَ عمادُ الإسلام والمُسْلمين، فلو أُصبتَ في معركة والعياذ بالله؛ لا يبقى من يقوم مقامك وذهبت البلاد. فقال له: ومَنْ محمود حتى يُقال له هذا، ومن حفظ [البلاد قبلي إلا الله تعالى (٣).
وكان إذا مات أحدٌ من جنده] (٤) أو قُتِلَ وله ولد، فإن كان كبيرًا أقرَّ الإقطاع عليه، وإنْ كان صغيرًا رتَّب معه من يتولى أمره إلى أن يكبر، فكان الأجناد يقولون: هذه أملاكنا ونحن نقاتل عليها لأنَّا نتوارثها (٣).
[قال] (٤): وما كان يتكل الجند على الأُمراء بل يتولاهم بنفسه، ويباشر [هم، ويتفقد] (٤) خيولهم وسلاحهم مخافة أن يقصِّر الأُمراءُ في حقِّهم، ويقول: نحن كل وقت في النَّفير، فإذا لم تكن أجنادُنا كاملي العُدَّة دخل الوَهْن على الإسلام (٣).
[قال] (٤): وبنى جامعه بالمَوْصل، وفوَّض عمارته إلى الشيخ عمر المَلَّاء، وكان من الصَّالحين، فقيل له: إنَّه لا يصلح لمثل هذا. فقال: إذا ولَّيتُ بعضَ الأجناد [أو بعض العمال] (٤) فلا يخلو من الظُّلم، وبناءُ الجامع لا يفي بظُلْم رجلٍ مُسْلم، وإذا ولَّيتُ مثل هذا الشيخ غَلَبَ على ظنِّي أنَّه لا يظلم، فإذا ظلم كان الإثمُ عليه [لا عليَّ] (٤).
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية، وفي "الباهر" ١٦٨: وكان يجلس في الأسبوع يومين.
(٢) في (م): ويحفر عنده العلماء والفقهاء.
(٣) "الباهر": ١٦٨ - ١٧٠.
(٤) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) التركاش: كلمة فارسية تعني: جعبة السهام. انظر "المعجم الذهبي".
[ ٢١ / ٢٠٧ ]
وكان [عمر] (^١) المَلَّاء من الصَّالحين، وإنما سُمِّي المَلَّاء لأنَّه كان يملأ تنانير الآجُرّ،
ويأخذ الأُجرة، فيتقوَّت بها، وكان ما عليه من الثِّياب مثل القميص والعِمامة ما يملك غيره.
[وكان] (١) لا يملك من الدُّنيا شيئًا، وكان عالمًا بفنون العلوم، وجميع الملوك والعلماء والأعيان يزورونه [لأجل صلاحه] (١) ويتبركون به (^٢)، وصنَّف كتاب سيرة النَّبيِّ ﷺ، وكان يعمل مولد النَّبيِّ ﷺ في كلِّ سنة، ويحضر دعوته صاحبُ المَوْصل والأكابر، وكان نور الدين يحبُّه ويكاتبه، وكان مكان الجامع النُّوري خَرِبة واسعة ما شَرَعَ أحدٌ في عمارتها إلا وقصر عمره، فأشار عمر على نور الدين بعمارتها جامعًا، فاشتراها وأنفق عليها أموالًا كثيرة، يقال ستين ألف دينار، ويقال: ثلاث مئة ألف دينار، فتمَّ في ثلاث سنين، وجاء نور الدِّين إلى المَوْصل [وهي] (١) المرة الأخيرة، فصلَّى فيه، ووقف عليه قرية بالمَوْصل، ورتَّب فيه الخطيب والمؤذِّنين والحُصُر والبُسط وغيرها، ثم دخل عمر المَلَّاء على [نور الدين] (^٣) وهو جالسٌ على دِجْلة، فترك بين يديه دساتير الخَرْج، وقال: يا مولانا أَشْتهي أن تنظر فيها، فقال له نور الدين: يا شيخ نحن عملنا هذا لله تعالى، دع الحساب إلى يوم الحساب، ثم رمى بالدَّساتير في دِجْلة.
[قال] (١): وبنى جامع حماة على العاصي (٢).
ووقع [بيد نور الدين] (^٤) إفرنجي من أكابر الملوك، ففدى نفسه بمالٍ عظيم، فشاور نور الدِّين أمراءه، فأشاروا ببقائه في الأَسْر خوفًا من شرِّه، فأرسل إليه نور الدِّين في السِّر يقول: أحضرِ المال، فأحضر ثلاث مئة ألف دينار، فأطلقه [نور الدين] (١) فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأُمراء أسهمهم من المال، فقال نور الدِّين: ما تستحقون منه شيئًا، لأنكم نَهَيتُم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحُسْنيين: الفداء، وموت اللعين، وخلاص المُسلمين منه. [فبنى بذلك المال المارَسْتان] (^٥).
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) الباهر: ١٧٠.
(٣) في (ح): عليه، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في (ح): بيده، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) في (ح): "فبنى بذلك المال مارستان دمشق ومدرسته ودار الحديث بدمشق، ووقف عليها الأوقاف. وفي (م): "فبنى بذلك المال جامع ومارستان ومدرسة ودار الحديث بدمشق، ووقف عليهم الأوقاف. والمثبت ما بين حاصرتين من (ش)، وهو الصواب، وانظر "الروضتين": ١/ ٤٦.
[ ٢١ / ٢٠٨ ]
فقال ابنُ الأثير: وبلغني أنَّ وقوف نور الدِّين في أبواب البر بالشام [في وقتنا هذا وهو سنة (^١)] ثمانٍ وستّ مئة كل شهر تسعة آلاف دينار صورية، ليس فيها ملك فيه كلام، بل حقٌّ ثابت بالشَّرْع باطنًا وظاهرًا، صحيح الشراء (^٢).
[قلت: يرحم الله المجد (^٣)، أشار إلى ذلك العهد، أما في زماننا هذا فقد تشعث وقفه، وتغيرت صفاته، ولم يبق منه إلا آثاره وبركاته.
وحكى ابن الأثير أيضًا أنَّ] (٤) بعض الأُمراء [كان] (٤) يحسد القطب النَّيسابوري لقربه من نور الدِّين، فنال منه يومًا عنده، فقال له: يا مسكين، لو نظرتَ في عيب نفسك لشغلك عن عيوب غيرك، وإن صحَّ ما قلته عنه فله حسنةٌ واحدة يغفر الله له بها كل زلة، وهي العِلْم، وأنتَ وأصحابك ليست لكم عند الله حسنة، والله لأن عدت إلى ذكره أو ذكر غيره بسوء لأؤدِّبنك، فكفَّ عنه (٥).
[قال] (^٤): وما كان أحدٌ من الأُمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته، فإذا دَخَلَ عليه فقيرٌ أو عالم أو ربُّ حِرْفة، قام ومشى إليه وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك يقول: هؤلاء لهم حقٌّ في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه، فلهم المِنَّة علينا (^٥).
[وذكره العماد الكاتب في أول "البرق الشامي"، وأثنى عليه، فقال: وفي سنة تسع وستين وخمس مئة، وهي التي توفي فيها نور الدين أكثر فيها من الصدقات والأوقاف وعمارة المساجد المهجورة] (^٦) وتعفية آثار الآثام، وإسقاط كل ما [كان فيه من
_________________
(١) في (ح): بالشام في سنة ثمان وست مئة، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) "الباهر": ١٧٢.
(٣) وهم سبط ابن الجوزي بقوله المجد، إذ إنه لقب المبارك ابن الأثير المحدث، أما لقب المؤرخ فهو عز الدين، وهو المراد هنا.
(٤) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) "الباهر": ١٧١ - ١٧٣.
(٦) في (ح): وقال: أكثر نور الدين الأوقاف والصدقات وعمارة المساجد المهجورة، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٠٩ ]
الحرام] (^١)، فما أبقى سوى الجزية والخَرَاج، وما تحصَّل من قسمة الغَلَّات على قويم المنهاج.
[قال] (^٢): وأمرني بكِتْبة مناشير أهل البلاد، فكتبتُ أكثرَ من ألف منشور، و[حَسَبْنا ما] (٢) تصدَّق به في تلك الشهور، [فكان] (٢) ثلاثين ألف دينار، وكان له برسم نفقته الخاص في كلِّ شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس، يصرفها في كسوته وملبوسه ومأكوله حتى أُجْرة خيَّاطه وجامكية طبَّاخه، ويستفضل منها ما يتصدَّق به في آخر الشهر، ويقال: إن قيمةَ القراطيس مئةٌ وخمسون دِرْهمًا، وقيل: كان [كل] (٢) ستين قرطاسًا بدينار أو سبعين [درهمًا] (٢).
[قال] (٢): وما كان يصل إليه من هدايا الملوك وغيرهم يبعث به إلى القاضي، فيبيعه ويعمر به المساجد المهجورة، ولا يتناول منه شيئًا، وأمر بإحصاء مساجد دمشق، فأُحصيت، فكانت مئة مسجد، فأوقف الأوقاف على جميعها، [وذكر العماد جملة من فضائله، ولمعة من فواضله] (٢)، ومن المساجد: جامع قلعة دمشق، ومسجد عطية بباب الجابية، ومسجد الرَّمَّاحين، ومسجد سوق الصَّاغة، ومسجد دار البطيخ، ومسجد العباسي، [ومسجد] (٢) بجوار بيعة اليهود، ومسجد الكشك، وأشياء أُخر.
[قلت (^٣): وذكر جدي نور الدين في "المنتظم" بكلمات يسيرة، فقال: ولي الشام سنين، وجاهد الكفار، وكان أصلح من كثير من الولاة، وكان يتدين بطاعة الخلافة، والطرق آمنة في أيامه، والمحامد كثيرة، وذكر بناء مارستان دمشق وجامع الموصل، وكان يميل إلى التواضع، ويحب العلماء وأهل الدين، وقد كاتبني مرارًا، وذكر أسره لملك الفرنج، وأنه أخذ منه ثلاث مئة ألف دينار، وشرط عليه أن لا يُغير على بلاد المسلمين سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وأخذ منه رهائن على ذلك. هذا صورة ما ذكره جدي في "المنتظم" (^٤) في ترجمة نور الدين.
_________________
(١) في (ح): وإسقاط كل فيه الحرام في السنة التي توفي فيها، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في (ح): قال المصنف ﵀: كان مشغولًا بصيد الصناديد ..، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) "المنتظم": ١٠/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ٢١ / ٢١٠ ]
قلت: وقد صنف كتابًا سماه "الفخر النوري" فيه أحاديث العدل والجهاد ومواعظ وغير ذلك، وصنف نور الدين أيضًا كتابًا في الجهاد، وهو بدمشق.
قلت: فقد ذكرتُ ما نقله علماء السير مما وقع لهم من سيرته، وما يستدل به على صالح سريرته، وقد وقع لي مآثر لم يذكروها، ومفاخر لم يُسَطِّروها لم تكن لملك غيره من ملوك الجاهلية والإسلام، ولا رأوها ولا في الأحلام]، كان مشغولًا بصيد الصِّيد (^١) لا بصيد الغزلان، وما زال بَدْرُ مبادرته إلى الخيرات يتمُّ لا عن نقصان، هذي المكارم لا قَعْبان (^٢)، كان في عزمه أن يفتح البيت المقدَّس، فعمل منبرًا وقِبْلة بجامع حلب على اسم القُدْس، فتوفي قبل الفتوح، فلما [ملك صلاح الدين البيت المقدس] (^٣) حمل المنبر إليه، وأبقى القِبْلة بجامع حلب.
[ومنها أنه] (^٤) كان له عجائز بدمشق وحلب، فكان يخيط الكوافي، ويعمل الساكر للأبواب، ويبيعها العجائز ولا يدري بهنَّ أحد، فكان يوم يصوم يُفْطر على أثمانها، وحكى لي شرف الدِّين يعقوب بن المبارز المعتمد أنَّ في دارهم سُكَّرة من عمله على خرستان، وهي باقية إلى سنة خمسين وست مئة، يتبرَّكون بها.
[ومنها ما حكاه لي الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة ﵀ قال] (^٥): كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصَّغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدَّير، [ونور الدين بنى هذه المدرسة والمصنع والفرن، قال:] (٤) فجاء يومًا لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعضُ الجماعة: يا نورَ الدِّين لو كشفت السقف وجدَّدته. فنظر إلى الخشبة وسكت، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة، فزرقها موضع المكسورة ومضى، فعجب الجماعة، فلما جاء
_________________
(١) الصِّيْد: جمع، مفرده الأصيد، وهو المائل العنق كبرًا وزهوًا، ويقال للملك، انظر "معجم متن اللغة": ٣/ ٥١٢.
(٢) إشارة إلى البيت: تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
(٣) في (ح): فلما فتحه صلاح الدين حمل المنبر إليه، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٥) في (ح): وقال الشيخ أبو عمر ﵁، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢١١ ]
إلى الزِّيارة قال له بعضُ الحاضرين: يا نور الدِّين، فاكرتنا في كشف السقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردتُ أن أزخرف له المسجد، وأنقض ما هو صحيح، وهذه الخشبة يحصل بها المقصود، فدعوني مع حُسْن ظني فيه، فلعل الله ينفعني به.
[ومنها ما حكاه لي رجل صالح] (^١) من أهل حرَّان بقُبَّة الشيخ حياة (^٢) سنة خمس وستّ مئة، وكان قد نيف على التسعين سنة، قال: لما قُتِلَ أتابك زَنْكي على قلعة جَعْبر، وملك نورُ الدِّين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس، وردَّ المظالم، وأنا حديثُ عهد بعرس، وقد ركبني دينٌ، فقالت لي زوجتي: قد سمعتَ أوصاف نور الدِّين وإحسانه، فلو قصدته وأنهيتَ إليه حالك لقضى دينك، [قال]: (٣) فخرجت من حَرَّان، وليس معي سوى دِرْهمين، فتركتُ عندها دِرْهمًا، وتزوَّدْتُ بدرهم، وأتيتُ الفرات وقت القائلة، فعبرتُ جسر منبج، وأبعدتُ عن أعين النَّاس، وخلعت ثيابي ونزلتُ، فتوضأتُ للصَّلاة، وصليتُ رَكْعتين، وإذا إلى جانبي شخصٌ ملفوفٌ في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنتَ؟ قلتُ: من حَرَّان، قال: وإلى أين؟ قلتُ: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلتُ: أنا فقير ومديون، وقد بلغني إحسانُ نور الدِّين إلى الخَلْق، فقصدتُه لعلَّه يقضي ديني. قال: وأين أنت من نور الدِّين؟ ومَنْ يُوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلتُ: خمسون دينارًا. فأخرج يده من العباءة وبحث الرمل، وأخرج منه قرطاسًا، وألقاه إليَّ، وقال: خُذْ هذا، فاقضِ به دينك، وارجعْ إلى أهلك، فأخذتُه، فعددته، وإذا به خمسون دينارًا، والتفتُّ فلم أره، فبهت وبت في مكاني أفكر: هل أرجع إلى حَرَّان أم أمضي إلى حلب؟ فترجَّح عندي المضي إلى حلب. وقلتُ في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟ ثم قمتُ وقصدتُ طريق حلب، فبتُّ بباب بُزاعة، وقمتُ في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب [وقت الصباح] (٣) فصلَّيتُ وقعدتُ [تحت القلعة] (^٣)، وإذا قد فُتح بابُها ونزل نور الدين في أُبَّهةٍ عظيمة والأُمراءُ بين يديه، حتى جاء إلى المَيدان، فلما أراد أن يدخل نظر إليَّ
_________________
(١) في (ح): قال المصنف ﵀: وحكى لي رجل من أهل حران، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) له ترجمة في "السير": ٢٣/ ١٨١ - ١٨٢، ووفاته سنة (٥٨١ هـ).
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢١٢ ]
ورمقني طويلًا، وأشار إلى خادمٍ بين يديه بشيء، فجاء إليَّ، وقال: قُمْ. فأخذني، وصَعِدَ بي إلى القَلْعة، فندمتُ على مجيئي [إلى حلب] (^١)، وقلتُ: ليتني قبلتُ من ذلك [الرجل] (١) الصَّالح، ولعل نور الدين توهَّم أني إسماعيلي، [قال] (١): فلما كان بعد ساعة عاد نور الدين إلى القلعة، وجلس في الإيوان، ومُدَّ سماطٌ عظيم ولم يمدَّ يده إليه، وإذا قد فُتح بابٌ عن يمينه صغير، وخَرَجَ منه خادم، وعلى يده طبق خُوص مُغطى بمنديل، فوضعه بين يديه، وفيه غضارة (^٢) عليها رغيف، فتأملتُها [من بعيد] (١) وهي ثردة، فتناول منها شيئًا يسيرًا، وأكل النَّاس وأكلتُ معهم، وصرف النَّاس، وبقيت قاعدًا خائفًا، فأومى إليَّ، فقمتُ، وأتيتُ إلى بين يديه [وأنا خائف أرعد] (١)، فقال: من أين أنت؟ قلتُ: من حَرَّان، قال: وما الذي أقدمك؟ قلتُ: عليَّ دين، وبلغني إحسانك [إلى الناس] (١) فقصدتك [لتقضي ديني] (١)، قال: وكم دينك؟ قلتُ: خمسونَ دينارًا، فقال: فما أعطاك أمسِ صاحبُ العباءة على الفرات خمسين دينارًا! هلا رجعتَ إلى أهلك وأنت عليك خرقة الفقر، وإذا حصل القوت للفقير فما يطلب شيئًا آخر، ثم قال: ما نضيِّع تعبك؛ ورفع سجَّادته وكانت زرقاء، وإذا بقرطاس مثل القرطاس [الأول] (١) الذي أعطاني صاحب العباءة؛ فبكيتُ بكاءً كثيرًا، وقلتُ: لا آخذه حتى تخبرني بصاحب العباءة، قال: هذا أمرٌ ما يلزمك، فقلتُ: يا مولانا، أنا غريبٌ وضيف ولي [عليك] (١) حرمة، فبالله عليك أخبرني. فقال: احلف لي أنَّك لا تتحدَّث بهذا في حال حياتي. فحلفتُ له، فكشف القَبَاء عنه، وإذا بتلك العباءة على جسده، وقال: أنا ذاك الفقير. قلتُ: بالذي أعطاك هذه المنزلة (^٣)، بأيِّ شيء وصلتَ إلى هذا؟ فقال: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، ولكن لابُدَّ من السبب؛ لما التقينا بالفرنج على حارم، ونَصَرنا الله عليهم، وعدتُ إلى حلب، التقاني في الطَّريق شابٌّ حسنُ الوجه، طيِّبُ الرَّائحة، فسلَّم عليَّ، وقال: يا محمود، أنتَ من الأبدال، وقد أعطاك الله الدُّنيا فاشترِ بها
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) إناء فخاري، انظر "تكملة المعاجم العربية": ٧/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٣) من قرأ سيرة نور الدين بإمعان وجده ممن التزم بتطبيق الشرع بفهم واسع، وكان من الآخذين بالأسباب في تدبير أمر دولته، وهو من أولياء الله الملهمين وعباده المحدَّثين المكرمين كما وصفه معاصره عماد الدين، وولايته فيما وصف الله أولياءه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
[ ٢١ / ٢١٣ ]
الآخرة، وسَلْه مهما شئت، ثم علَّمني كلمات وقال: إذا طلبتَ أمرًا فاذكرها، فقلتُ له: بالله مَنْ أنتَ؟ فقال: أنا أخوك الخضر. ثم غابَ عني، فإذا عَزَمْتُ على أمرٍ، وأردتُ أذهب إلى مكة أو المدينة أو إلى أي بلدٍ شئتُ، لبستُ هذه العباءة، وتكلَّمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة (^١).
[وحكى (^٢) لي نجم الدين الحسن بن سلام؛ أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا ﵀] قال: لما ملك الأشرفُ ﵀ دمشق، وعمر مسجد أبي الدَّرْداء ﵁ في القلعة، وأفرده عن الدُّور، دخلتُ عليه يومًا وهو فيه، فقال لي: [يا نجم الدين] (^٣) كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمرته وأفردته عن الدُّور، وما صلَّى فيه أحدٌ منذ زمن أبي الدَّرْداء إلى الآن. فقلتُ له: الله الله يا مولانا، ما زال نور الدِّين منذ ملك دمشق يصلِّي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلتُ: حدَّثني والدي [وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسَّعيد] (^٤): إنَّ الفرنج لما نزلت على دِمْياط بعد وفاة أسد الدِّين، وضايقوها أُشرفت على الأخذ، فأقام نور الدِّين
_________________
(١) هذه القصة لا تصح، لأنها من رواية رجل مجهول، ثم إنَّ فيها اضطرابًا، فهو قد ذكر في صدر القصة ما يفهم منه أن زمن ذهابه إلى نور الدين لما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر، وملك نور الدين قلعة حلب، وذلك كان سنة (٥٤١ هـ). ثم يخبرنا في آخر القصة ما أخبره به نور الدين من أن المنزلة هذه التي نالها كانت بعد انتصاره على الفرنج في حارم، وذلك كان سنة (٥٥٩ هـ) فمتى التقى هذا الفقير نور الدين؟ ثم إن الصحيح في أمر الخضر ﵇ عند العلماء الأثبات المحققين أنه مات، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وبقول النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله ﷺ ولا حضر عنده ولا قاتل معه، ولو كان حيًّا لكان من أتباع النبي ﷺ، لأنه ﷺ كان مبعوثًا إلى الثقلين الجن والإنس، وقد قال ﷺ: "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي"، وأخبر ﷺ قبل موته بقليل أنه قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مئةِ سنةٍ منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ"، يريد بذلك أنه ينخرم ذلك القرن، إلى غير ذلك من الدلائل. ومن احتج ببقائه حيًّا اعتمد على حكايات وآثار كهذه.
(٢) في (ح): وقال المصنف ﵀: وحكى لي نجم الدين الحسن بن سلام، قال: لما ملك، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في (ح): حدثني والدي أن الفرنج، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢١٤ ]
عشرين يومًا صائمًا لا يُفْطر إلا على الماء، فضَعُفَ، وكاد يتلف، وكان مهيبًا، فلم يتجاسر أحدٌ أن يخاطبه في ذلك، وكان له إمامٌ يقال له يحيى -ضرير- يصلِّي به في هذا المسجد، فكان يقرأ عليه القرآن، وله عنده حرمة، فاجتمع إليه خواصُّ نور الدين، وقالوا: قد خفنا على السلطان، ونحن من هيبته ما نقابله، وأنت تُدِلُّ عليه، و[نحن] (١) نسألك أن تسأله أن يتناول ما يحفظ به قوَّته، فقال: نعم، إذا صلَّيتُ به غداة غدٍ الفجر سألته. [قال] (١): فلما كان في تلك الليلة رأى الشيخ يحيى في المنام رسولَ الله ﷺ يقول له: يا يحيى، بَشِّرْ نور الدين محمود برحيل الفرنج عن دمياط، قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، ربما لا يصدِّقني وأريد [له] (١) أمارة. قال: قل له بعلامة يوم حارم. قال: وانتبه يحيى وهو ذاهبُ العقل، فلما صلَّى نورُ الدِّين خلفه الفجر، وسَلَّم وشرع يدعو ففاته أن يتحدَّث معه، فقال له نور الدِّين: يحيى. قال: لبَّيك يا مولانا. قال: تحدِّثني أو أحدِّثك. [قال] (١): فارتعد يحيى وخَرِسَ. فقال [له] (١): أنا أحدِّثُك، رأيتَ النَّبيَّ ﷺ في هذه الليلة، وقال لك كذا وكذا؟ فقال: نعم، فبالله يا مولانا ما معنى قوله ﷺ: بعلامة يوم حارم. فقال [له] (١) نور الدين: لما التقى الصَّفَّان خِفْتُ على الإسلام، لأني رأيتُ من كثرة الفرنج ما هالني، فانفردتُ عن العسكر، ونزلتُ فمرَّغت وَجْهي في التراب، وقلتُ: يا سيِّدي مَنْ محمود في البين، الدِّينُ دينك، والجُنْد جُنْدُك، وهو اليوم فافعل ما يليقُ بكرمك، [قال] (^١): فنصرنا الله عليهم.
[قلت] (^٢): وحدَّثني شهاب الدِّين بن البانياسي [عم جمال الدين البانياسي] (١) -وكان على ديوان جامع دمشق-: أول ما قَدِمْتُ الشَّامَ اجتمعتُ به في درب الشعارين في قاعة الوزير صفي الدِّين بن شُكْر [وزير العادل] (١)، وكان هناك جماعة، فاشتغل الوزير بالحديث معهم، وكان شهاب إلى جانبي، فتذاكرنا نور الدين، فقال: كان أبي يخدمه في أسفاره ومقامه على ديوانه، [قال] (١) فحكى لي وأنا صغير، قال: خَرَجَ نورُ الدِّين من دمشق يتصيَّد في أرض قطنا ويعفور وأنا معه، فبينا هو ذاتَ يوم قد ركب من الخيم ليذهب إلى الصَّيد، وإذا برجلٍ أعجمي قد أقبل من ناحية دمشق ومعه خيلٌ
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): قال المصنف ﵀: وحدثني شهاب الدين، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢١٥ ]
ومماليك، وكان تاجرًا، فلما وصل إلى نور الدين، ترجَّل وقبَّل الأرض. فرحَّب به نور الدين -وكان صديقه- وقال: أين أرمغان؟ قال: حاضر، ومضى نور الدِّين، فلما عاد استدعاه، فأحضر قُماشًا وعِدَّة مماليك وفيهم مملوكٌ مستحسنٌ جدًّا، فقَبِلَ المملوك ورَدَّ الباقي، فكان له خادمٌ أبيض اسمه سهيل قد رَبَّاه، فقال [له] (^١): يا سهيل خُذْ هذا المملوك إليك، وادفعْ إلى التاجر خمس مئة دينار، وخِلْعة وبغلة.
قال والد شهاب: فحدَّثني سهيل، قال: لما قال لي كذا؛ قلتُ في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا ما اشترى مملوكًا قطُّ يساوي خمسين دينارًا، يشتري مملوكًا بخمس مئة دينار! قال: ففعلتُ ما أمرني، فتركني أيامًا، وقال: يا سهيل، أحضرِ المملوك كل يوم [مع] (١) المماليك يقف في الخِدْمة. فأحضَرْتُه، فلما كان بعد أيام قال لي: أحضره وقت العِشاء الآخرة إلى الخيمة ونَمْ أنت وإياه على باب البُرْج، [قال] (١): فقلتُ في نفسي: هذا الشيخ في زمن شبابه ما ارتكب كبيرةً، لما ارتفع سِنُّه يقع فيها! والله لأقتلنَّه قبل أن يقع في معصية، فعمدت إلى كتارةٍ لي فأصلَحْتُها [وقلت: والله لأقتلنَّه قبل أن يصل إليه] (١) وجِئْتُ بالمملوك إلى الخيمة وأنا قَلِقٌ، فسهرت عامَّة الليل ونورُ الدِّين في أعلى البُرْج، فلما كان وقت السَّحر غلبتني عيناي، فنمتُ، ثم انقلبتُ، فوقعت يدي على خدِّ الغلام، وإذا به مثل الجمرة، قد أخذته الحُمَّى، فأخذته ومضيتُ إلى خيمتي، فلما أصبح، أحضرتُ الطَّبيب فرآه، فقال: هذا مرَضه سماويّ، فلما كان وقت الظُّهْر مات، فغسَّلْتُه وكفنته ودفنته، فلما كان اليوم الثَّاني، دعاني نور الدين فدخلتُ، فقال: اقعد. فقعدتُ، فقال: سهيل، إنَّ بعض الظَّنَّ إثم، [قال] (١)، فاستحييتُ، فقال: قد عرفتَ حالي وأنتَ ربَّيتني، هل عثرتَ لي على زَلَّة؟ قلتُ: حاشى لله، قال: فَلِمَ حملتَ الكتارة وحدَّثَتْك نفسُك لي بالسُّوء؟ ما أنا معصوم، لما رأيتُ الغلام وقَعَ في قلبي منه مثل النَّار، فعلِمْتُ أنَّه من تسويل الشيطان، فقلتُ لك اشتريه لعلي يُذْهب عني ما أنا فيه، فلم يذهب، فقالت لي نفسي: أريد أنْ أراه كلَّ يوم.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢١٦ ]
فأمرتُك بإحضاره، فقالت: ما أقنع إلا بأن يحضر [عندك] (^١) في البُرْج في الليل، فأمرتُك بأن تحضره، فأحضرته، فلما كان في تلك الليلة ما تركني أنام، وبقيتُ أنا وإياها في حَرْب إلى وقت السَّحر، فهممتُ أن أفتحَ باب البُرْج وأُصعده إلى عندي، فجاءتني اليقظة، وكشفتُ رأسي، وقلتُ: إلهي، محمود عبدك المجاهد في سبيلك، الذاب عن دين نبيك ﷺ الذي عَمَّر المدارس والرُّبُط وأوقفَ الأوقاف، وفعل ما فعل، تختم أعماله بمثل هذا! فسمعتُ هاتفًا يقول: قد كفيناك يا محمودُ أمره، لا بأس عليك. فعلمتُ أنه قد حَدَثَ به حَدَثٌ، وأما أنت يا سهيل فجزاك الله عن الصُّحْبة خيرًا، والله إنَّ القتلَ أهونُ عليَّ من الوقوع في المعصية. ثم قدَّم سهيلًا، وأحسن إليه.
[وحكى لي الكمال ابن البانياسي ابن أخي الشهاب، قال: حكى لي من يتولى] (^٢) أوقاف نور الدين: أنه أجر بعض بساتينه لرجلٍ من دمشق على ستِّ مئة دِرْهم، فأصابتِ البساتين جائحة، [فجاء ذلك الرجل يتضوَّر، فأسقطوا عنه] (^٣) ثلاث مئة دِرْهم، فلما كان بعد أيام جاء الرجل ومعه ستّ مئة دِرْهم، وهو يبكي، فقيل له: مالك؟ قال: رأيتُ في المنام وقد خَرَج عليَّ نور الدين من قبره، وبيده جوكان، وقال: أنتَ تكسر وقفي. وأراد أن يضربني، فقلتُ: أنا تائب، ورمى بالدَّراهم، [فقلنا له: خذها، فقال: لا والله أخاف أن يضربني] (١).
[وحكى] (١) الشيخ تاج الدِّين الكندي: ما تبسَّمَ نورُ الدِّين إلا نادرًا، حكى لي جماعةٌ من شيوخ المحدِّثين: أنهم قرؤوا عليه حديثَ التَّبَسُّم، وكان يرويه، فقالوا له: تَبَسَّمْ، فقال: لا والله لا أتبسَّم من غير عجب.
[و] (١) حدَّثني رجلٌ من أهل حَرَّان: قال: خَرَجَ يومًا نورُ الدِّين من حرَّان قاصدًا إلى الرُّها، فاجتاز على نهر، وفقير نائم على [جانب النهر] (^٤)، فوقف وسلَّم عليه، فرفع الفقيرُ رأسه، وأشار بيده: في أيِّ شيء أنتَ؟ فحرّك نورُ الدين أُصْبعًا واحدًا، فحرَّك
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) في (ح): وقال متولي أوقاف نور الدين، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) في (ح): فجاء متضورًا، فأسقط عنه ثلاث مئة درهم، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٤) في (ح): جانبه، والمثبت ما بين حاصرتين من (م)، وبنحوه في (ش).
[ ٢١ / ٢١٧ ]
الفقير أُصْبعين، ومضى نور الدِّين باكيًا، فقيل له: ما هذا؟ قال: أشار إلي الفقير، وقال: في أيِّ شي أنت؟ وهذا كله لماذا؟ فقلتُ: من أجلِ رغيف واحد. فأشار إليَّ بأُصبعيه، وقال: أنا آكل في اليوم رغيفين، وما أنا مثلك.
[وذكر ابن الأثير الجَزَري في "تاريخه"، قال] (^١): كان نورُ الدِّين قد جَمَعَ العساكر من المَوْصل والجزيرة وديار بكر ليتركها بالشَّام في مقابلة الفرنج، ويتوجَّه بنفسه إلى مِصْر، فإنَّه رأى من صلاح الدين فتورًا في غَزْو الفرنج، وكان المانع لصلاح الدِّين من الغَزْو خوفَه من نور الدين، [فكان يقصر في غزوهم] (^٢)، وما كان يرى نور الدين إلا خلاص القُدْس منهم، واستئصالهم من السواحل، فمضى إلى دمشق، وأقام يتجهَّز، فأدركه أجله [وهو على هذه النية] (٢) (^٣).
ذكر وفاته [وما يتعلَّق بها] (٢)
كان قد خَتَنَ ولده الملك الصَّالح إسماعيل، يوم الفطر، وهُنِّئ بالعيد والطُّهور [ومدحه الشعراء] (٢)، فقال العماد الكاتب: [من المجتث]
عيدان فِطْرٌ وطُهْرُ … فتحٌ قريبٌ ونَصْرُ
كلاهما لك فيه … حقًّا هناءٌ وأَجْرُ
وفيهما بالتَّهاني … رسْمٌ لنا مُسْتَمِرُّ
طهارةٌ طابَ منها … أصلٌ وفَرْعٌ وذِكْرُ
محمودٌ المَلِك العا … دِلُ الكريمُ الأَغَرُّ
وبابنه الملك الصَّا … لح العيونُ تَقِرُّ
مولى به اشتدَّ للدِّيـ … نِ والشَّريعةِ أَزْرُ
وإنَّ حُبَّكَ دِينٌ … وإنَّ بُغْضَكَ كُفْرُ
لنا بيمناكَ يُمْنٌ … لنا بِيُسْراك يُسْرُ
وللموالينَ نَفْعٌ … وللمُعادين ضَرُّ
_________________
(١) في (ح): وقال ابن الأثير الجزري، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٣) انظر "الباهر": ١٦١.
[ ٢١ / ٢١٨ ]
قد استوى منك تقوى الـ … إله سرٌّ وجَهْرُ
يا أعظمَ النَّاس قَدْرًا … وهل لغيرك قَدْرُ
ما اعْتَدْتَ إلا وفاءً … وعادةُ القوم غَدْرُ
هذا الطُّهورُ ظهورٌ … على الزَّمان وأَمْرُ
رُزِقْتَ عُمرًا طويلًا … ما طال للدَّهْر عُمْرُ
وخرج نورُ الدِّين يوم الأحد إلى المُصَلَّى بالأمراء والأجناد، والقَدَرُ يقول: هذا آخر الأعياد. فَمَرِضَ، وبدأ به الخوانيق، وما كان يرى الطِّبّ.
قال الرَّحْبي الطَّبيب (^١): اسْتُدْعينا، فدخلنا عليه ونحن جماعةٌ من الأطباء وهو في قلعة دمشق في بيتٍ صغير كان يتعبَّد [فيه]، وقد استحكم منه المرض، واستولى الخوانيق على حلقه فما كان يسمع منه صوت، فشرعنا في مداواته، فلم ينجع فيه الدَّواء مع حضور أجله، وكانوا قد أشاروا عليه بالفَصْد في أوَّل المرض، فامتنع، وكان مهيبًا فما رُوجع.
وكانت وفاته يوم الأربعاء حادي عشر شَوَّال، ودفن بالقَلْعة، ثم نُقِل إلى مدرسته التي أنشأَها مجاورة للخوَّاصين، ويقال: إنَّها كانت دار عمر بن عبد العزيز ﵁، وقيل: دار سليمان بن عبد الملك، وعاش ثمانيًا وخمسين سنة، وكانت أيامه ثمانية وعشرين سنة وستة أشهر.
وقال عرقلة في مدرسة نور الدِّين ﵀: [من الوافر]
ومدرسة سيدرسُ كلُّ شيء … وتبقى في حِمَى عِلْمٍ ونُسْكِ
تضوَّعَ ذِكْرُها شَرْقًا وغَرْبًا … بنور الدِّين محمودِ بنِ زَنْكي
يقول وقولُه حقٌّ وصِدْقٌ … بغير كنايةٍ وبغير شَكِّ
دمشقٌ في المدائن بيت مُلْكي … وهذي في المدارس بيتُ مِلْكي
_________________
(١) هو رضي الدين يوسف بن حيدرة بن حسن الرحبي، من أشهر أطباء عصره، توفي سنة (٦٣١ هـ)، له ترجمة في "عيون الأنباء": ٦٧٢ - ٦٧٥، ٦٨٢.
[ ٢١ / ٢١٩ ]
[ورثاه جماعة من العلماء] (^١) فقال العمادُ الكاتب: [من المتقارب]
عجبتُ من الموتِ كيف اهتدى … إلى مَلِكٍ في سجايا مَلَكْ
وكيف ثوى الفَلَكُ المُسْتديـ … ـرُ في الأَرْضِ والأرضُ وَسْطَ الفَلَكْ
وقال أيضًا: [من السريع]
يا ملكًا أيَّامُه لم تَزَلْ … لفَضْلِهِ فاضلةً فاخِرَهْ
ملكتَ دُنْياكَ وخَلَّفْتَها … وسرتَ حتى تملكَ الآخِرَه
وقال أبو اليُسْر شاكر بن عبد الله: تعدَّى بعضُ أمراءِ صلاحِ الدِّين على رجلٍ، وأخذ ماله، فجاء إلى صلاح الدِّين، فلم يأخذ له بيد، فجاء إلى قَبْر نور الدِّين، وشَقَّ ثيابه، وحثى التُّرابَ على رأسه، وجعل يستغيث: يا نورَ الدِّين [أين] أيامك؟ ويبكي، وبَلَغَ صلاح الدِّين، فاستدعاه وأعطاه ماله، فازدادَ بكاؤه، فقال له صلاح الدين: ما يبكيك وقد أنصفناك؟ فقال: إنَّما أبكى على ملك أُنصفت ببركاته بعد موته، كيف يأكله التُّراب، ويفقده المسلمون!
ذِكرُ ألقابه
التي جاءت من بغداد مع الخِلْعة، ويُخطب له بها على المنابر: اللهم وأَصْلِحِ المولى السُّلْطان الملك العادِلَ العالم، العامل الزَّاهد، العابد الوَرع المجاهد المرابط، نورَ الدين وعُدَّتَه، ركنَ الإسلام وسَيفَه، قسيمَ الدولة وعمادَها، اختيار الخلافة ومعِزّها، رضيَّ الإمامة وأثيرَها، فخر المِلَّة ومجيرها، شمس المعالي وفلكها، سيِّد ملوك الشرق والغرب وسُلْطانَها، محصي العَدْل في العالمين، مُنْصف المظلومين من الظَّالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين، وذكر ألقابًا أخرى.
ثم إنَّ نور الدِّين أسقطَ الجميع قبل موته، وقال: يقال: اللهم وأَصْلِحْ عبدَك الفقير محمود بن زنكي.
ورُوي أنَّه كَتَبَ رقعةً بخطه إلى وزيره خالد بن القَيسَراني يأمره أن يكتبَ له صورةَ ما يُدْعى له به على المنابر، وكان مقصودُه صيانةَ الخطيبِ عن الكَذِب، ولئلا يقول ما ليس فيه، فكتبَ ابنُ القَيسراني كلامًا، ودعا له فيه، ثم قال: وأرى أن يقال على
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
[ ٢١ / ٢٢٠ ]
المنبر، اللهم وأَصْلح عبدَك الفقيرَ إلى رحمتك، الخاضعَ لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهِدَ في سبيلك، المرابط لأعداء دِينك، أبا القاسم محمود بن زَنْكي بن آق سُنْقُر، ناصر أمير المؤمنين. فإن هذا ما يدخله كَذِبٌ ولا تزيُّد، فكتَبَ نورُ الدين على رأسها بخطِّه: مقصودي أن لا يُكذب على المنبر، أنا بخلاف كل ما يقال، أفرح بما لا أعمل، قِلَّة عقل عظيم، الذي كتبت به جيد، اكتبْ به نُسَخًا إلى البلاد.
وكان يقول لأصحابه: حرام على كلِّ من صحبني ولا يرفع إلي قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إليَّ.
ذكرُ نُبْذةٍ مما مُدِحَ به:
كان قليلَ الابتهاج بالشِّعْر، لا يُؤْثر المديح ويجيز عليه، فمن قول ابن القيسراني فيه: [من الخفيف]
ذو الجهادين من عدوٍّ ونَفْسِ … فهو طول الحياةِ في هَيجاءِ
أيها المالكُ الذي ألزم النَّا … سَ سلوكَ المحجَّة البيضاءِ
قد فَضَحْتَ الملوكَ بالعَدْلِ لَمَّا … سِرْتَ في الناس سيرةَ الخُلَفاء
قاسمًا ما مَلَكْتَ في النَّاس حتى … لقسمتَ التُّقى على الأتقياءِ
شيم الصَّالحين في جُنَنِ (^١) التُّرْ … كِ وكم من سكينة في قَبَاءِ
أنتَ حينًا تقاس بالأسد الوَرْ … دِ وحينًا تُعَدُّ في الأولياءِ
وكأنَّ القَباء منك لما ضمَّ (م) … من الطُّهْر مسجدٌ بقُباءِ
أنتَ إلا تكنْ نبيًّا فما فا … تَكَ إلَّا خلائقُ الأنبياءِ
رأفةٌ في شهامةٍ وعفافٌ … في اقتدارٍ وسَطْوةٌ في حياءِ
وجمالٌ ممنطقٌ بجلالٍ … وكمالٌ متوَّجٌ ببهاءِ
عَجِبَ النَّاسُ منك أنَّك في الحَرْ … بِ شهابُ الكتيبةِ الشَّهْباءِ
وكأنَّ السيوفَ من عَزْمك الما … ضي أفادتْ ما عندها من مَضَاءِ
ولعمْري لو استطاع فَدَاك الـ … ـقومُ بالأمَّهات والآباءِ
_________________
(١) مفردها جنة، وهي الدرع، "اللسان" (جنن).
[ ٢١ / ٢٢١ ]
وقال: [من الخفيف]
مَلِكٌ أشْبه الملائكَ فَضْلًا … وشبيه بمالكِ الأمر جُنْدُهْ
عمَّ إحسانُه فأصبحَ يُتْلى … شكره في الورى ويُدْرَسُ حَمْدُهْ
فسقى الله ذِكْرَه أينما حلَّ … ولا فاتَه من النَّصْرِ رِفْدُهْ
وقال أحمد بن منير: [من الطويل]
أيا ملكَ الدُّنيا الحُلاحل والذي … له الأرضُ دارٌ والبَرِيَّةُ أعْبُدُ
وليستْ بدعوى لا يُقام دليلُها … ولكنَّه الحقُّ الذي ليس يُجْحَدُ
أخو غَزَوَاتٍ كالعقودِ تناسَقَتْ … تَحُلُّ بأجيادِ الجيادِ وتُعْقَدُ
لسانٌ بِذِكْر الله يكسو نهارَه … بهاءً وجَفْنٌ في الدُّجى ليس يَرْقُدُ
وبَذْلٌ وعَدْلٌ اغرقا وتألَّقا … فلا الورْدُ مثمودٌ ولا البابُ مُوْصَدُ
مرامٌ سمائيُّ وحَزْمٌ مسدَّدٌ … ورأيٌّ شهابيٌّ وعَزْمٌ مؤيَّدُ
وقال ابنُ الأثير: كان مجلسُ نور الدين مثل مجلس رسول الله ﷺ لا يُسمع فيه لأحدٍ كلمة إلا مفيدة، فلما ملك صلاحُ الدِّين دمشق حضر الحافظ ابنُ عساكر مجلسه، فسمع لَغَطًا كثيرًا، وكلُّ واحدٍ يتحدَّث مع الآخر، وليس للمجلس هيبة، فبكى [الحافظ] (^١) وقال: يرحم الله نور الدين، لقد حضرت مجلسه مرارًا، فما سمعتُ أحدًا ينطق إلا جوابًا، فما هذا اللَّغط! وبلغ صلاح الدين فقال: إذا حضر الحافِظُ عندنا فلا يتكلَّمَنَّ أحدٌ بكلمة (^٢).
ذِكْرُ ما جرى بعد وفاته:
كان ولده الملك الصَّالح لم يبلغِ الحُلُم، فأجلسوه مكانه، وحَضَرَ القاضي كمال الدين بن [الشَهْرُزُوري وشمس الدين بن المقدَّم، وجمال الدِّين] (١) ريحان -وهو أكبر الخدم- والعَدْل أبو صالح بن العَجَمي أمين الأعمال، والشيخ إسماعيل خازن بيت المال، وتحالفوا أَن تكون أيديهم واحدة، وأنَّ شمسَ الدِّين [بن المقدَّم] (١) إليه تقدمةُ العساكر، وتربيةُ الملك الصالح.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) الباهر: ١٧٢ - ١٧٣.
[ ٢١ / ٢٢٢ ]
ووصل كتابُ صلاح الدِّين من إنشاء الفاضل [إلى دمشق] (^١)، وفيه: أدامَ الله أيَّام مولانا الملك الصَّالح، رفع الله قَدْره، وأَعْظَمَ أَجْرَ المملوك في مولانا الملك العادل وأَجْره، أصدر خدمته هذه يوم الجمعة رابع عشر ذي القَعْدة، وفيه أُقيمت الخُطْبة بالاسم الكريم، وصرّح بذكره في الموسم العظيم، والجمعِ الذي لا لغْوَ فيه ولا تأثيم، وأشبه المملوك أَمْسَه في الخِدْمة، ووفَّى بما لزمه من حقوق النِّعْمة، وجَمَع كلمة الإسلام لعِلْمه بأن الجماعةَ رحمة، والله تعالى يخلِّدُ مُلْكَ مولانا الملك الصَّالح، ويُصْلح به، وعلى يديه، ويديمُ النَّعْماء عليه [وذكر فصولًا تتعلق بالتهنئة والتعزية] (١).
ولما بلغ الفرنجَ وفاةُ نور الدِّين قصدوا بانياس (^٢) طمعًا في البلاد، فراسلهم شمسُ الدِّين بن المقدَّم، وخوَّفهم بأسَ صلاح [الدين] (١)، فلم يلتفتوا، فصالحهم على مالٍ في دفعه [إليهم] (١) في ذلك الوقت، وبلغ صلاح الدين، فشقَّ عليه، وكتب إلى شرف الدين بن [أبي] (١) عَصْرُون يقول: لما بلغني وفاة المرحوم، خرجت من مصر لقصد الجهاد، وتطهير البلاد من أهل الكُفْر والعناد، فبلغني حديثُ الهُدْنة المؤذنة بذُلِّ الإسلام، وشَيْنِ شريعة المصطفى ﵊، والشيخ أَوْلى من جَرَّد لسانه في إنكار هذا الأمر، فإنَّ بلسانه تُغمد السيوف، وتجرَّد الحتوف.
وأما سيف الدِّين غازي، فإنَّه كان قد سار عن المَوْصل لنجدة عمه نور الدين، ووصل إلى حرَّان، فبلغه وفاةُ عمه، فاستولى على الجزيرة بأسرها ما خلا قلعة جَعْبر، وكان نورُ الدِّين قد أبطل الخمور والمكوس من الجزيرة، فأعادها سيفُ الدِّين، وأقام مناديًا ينادي في الأسواق، وبيده باطيةُ خمر وقَدَح وهو يشرب، فكَثُرَ التَّرحم على نورِ الدِّين، والذَّم لسيفِ الدِّين.
وأراد سيفُ الدِّين العبورَ إلى الشَّام، والاستيلاء على حلب، فقال له الأُمراء: ارجعْ إلى بلدك فقد ملكت الجزيرة، ولم يملكها أبوك، وصلاح الدين بين يديك، فعاد إلى المَوْصل، وبلغ صلاح الدين، فكَتبَ إلى أُمراء نور الدين يلومهم حيث مكَّنوا سيفَ الدِّين من أَخْذِ الجزيرة، ويقول: سوف أَصِلُ إلى خدمة ابنِ مولاي، وأُجازي إِنْعام والده عليَّ وما عاملني به.
_________________
(١) ما بين حاصرتين من (م) و(ش).
(٢) هي في هضبة الجولان، وبقربها الآن قلعة تعرف بقلعة النمرود.
[ ٢١ / ٢٢٣ ]
وكان شمسُ الدِّين علي بن الدَّاية في قلعة حلب حاكمًا عليها هو وأخوه مجد الدين أبو بكر وسابق الدِّين عثمان، وكانوا أعزَّ النَّاس على نور الدين، وكان مجد الدين [أبو بكر رضيع نورِ الدين] (^١) وكانت شَيزَر لشمس الدِّين علي، وقلعة جَعْبر وتل باشر لأخيه سابق الدِّين عثمان، وحارم لبدر الدِّين حَسَن أخيهم، وكان نور الدين قد أسكنهم معه بقلعة حلب، ولا يَصْدُرُ إلا عن رأيهم، فلما مات نور الدين لم يشكُّوا أَنَّهم أحقُّ بتربية ولده من غيرهم، وكان أوجههم شمسَ الدين [عليّ، وكان بالقلعة معه شاذبخت الخادم، فلما وصل سيف الدين إلى الفرات أرسل شمسُ الدين] (^٢) إلى دمشق يطلبُ الملكَ الصَّالح ليدفع به سيفَ الدِّين، فقالوا: إنْ سيَّرْتموه إليه استولى على تربيته، فاعتذروا إليه، وأقام الصَّالح بدمشق تمام هذه السَّنة.