وجه الله ﷾ المسلمين إلى العلم والاهتمام به وحملت الآيات القرآنية الكثير من تلك التوجيهات، كما كان يؤكد على أهمية العلم، وفضل العلم والعلماء في الأمة.
وبعد انتقال النبي - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، تولى بعده الخلفاء الراشدون - ﵁ - فاهتموا بالعلم وتنشئة أطفال المسلمين على القراءة والكتابة بالرغم من اتساع عملية الفتوح ومواجهة قوى عالمية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ المسلمين.
وقد استمر الاهتمام بالعلم وتشجيعه في العصر الأموي حتى اكتمل الوعي بالتأليف في نواحي العلم المختلفة من تفسير، وسنة، وتاريخ، وفقه، وكيمياء وطب، وفلك، وغير ذلك في نواحي العلوم والفنون، فظهرت التصانيف المختلفة في بداية العصر العباسي، ولذا قال الذهبي:
"وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث، والفقه، والتفسير، فصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، وصنف الأوزاعي بالشام، وصنف مالك الموطأ بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف أبو حنيفة وغيره الفقه والرأي بالكوفة، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثم بعد يسير صنف هشيم كتبه، وصنف الليث بمصر وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب. وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت
[ ٧ ]
كتب العربية واللغة، والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل ولله الحمد تناول العلم، وأخذ الحفظ يتناقص، فلله الأمر كله".
كان الاهتمام في المدينة على أشده بالعلم الشرعي، وكانت مغازي الرسول - ﷺ - وما يتعلق بها من أحكام، وتاريخ ومعرفة مكان، داخلة في لب هذا الاهتمام، وبرز في ذلك الفقيه العالم عروة بن الزبير بن العوام القرشي (ت ٩٤ هـ/ ٧٣١ م)، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس - ﵁ - (ت ١٠٥ هـ/ ٧٢٣ م)، وأبان بن عثمان بن عفان (ت ١٠٥/ ٧٢٣ م)، وعاصم بن عمر بن قتادة الأوسي (ت ١٢٠ هـ/ ٧٣٨ م)، ومحمد بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م).
وأخذ التصنيف في السيرة والمغازي يأخذ نسقًا واضحًا بمغازي موسى ابن عقبة (ت ١٤١/ ٧٥٨ م)، ومحمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ/ ٧٦٨ م).
ثم أصبح التأليف التاريخي أكثر نضجًا عند أبي معشر السندي (ت ١٧٠/ ٧٨٧ م) في كتابه "تاريخ الخلفاء"، ثم تطور الاهتمام بتاريخ المدينة عند ابن أبي ثابت الأعرج (ت ١٩٧ هـ/ ٨١٣ م) وهو أقدم من عني بتاريخ المدينة المنورة، وتبعه محمد بن الحسن بن زبالة (ت ١٩٩ هـ/ ٨١٤ م) في كتابه أخبار المدينة.
[ ٨ ]
ثم تتابعت التآليف في تاريخ المدينة المنورة أو بعض معالمها مثل الواقدي (ت ٢٠٧ هـ/ ٨٢٣ م)، ومصعب الزبيري (ت ٢٣٦/ ٨٥١ م)، والزبير ابن بكار (ت ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م)، وعرام السلمي (ت ٢٥٧/ ٨٨٨ م).
وامتدادا لهذا النهج من التأليف في تاريخ المدينة المنورة يبرز العقيقي: أبو طاهر يحيى بن الحسن بن جعفر الأعرج الحسيني العلوي (ت ٢٧٧/ ٨٩٠ م) في كتابه أخبار المدينة وكان له عدة نسخ اطلع عليها السمهودي (ت ٥٩١١/ ١٥٠٩ م)، ولكن الكتاب فُقِد بعد ذلك ولم يصلنا سوى النقولات التي حفظت في عدد من المؤلفات التاريخية.
وخدمة لتاريخ المدينة المنورة فإن مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة يسره أن يقدم للباحثين والقراء مرويات كتاب أخبار المدينة للعقيقي، جمع ودراسة الباحث الأستاذ: عبد العزيز بن عوض الجهني، كي يساهم هذا الكتاب في معرفة طرق وآفاق ومناهج التأليف والمؤلفين في تاريخ المدينة المنورة من ذلك العهد المبكر إلى تاريخنا المجيد.
أسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة
[ ٩ ]