اتضح من خلال الروايات المجموعة من المصادر أن يحيى العقيقي كان يساير المنهج المعروف في توثيق مروياته من خلال ذكر الروايات بأسانيدها (^١). كما يلاحظ على هذه الأسانيد أن منها ما كان متصلا، ومنها ما كان منقطعًا، ودليل ذلك أن نقولات تلميذ المؤلف الإمام أبي إسحاق الحربي كانت مثبتة الأسانيد. ومثل ذلك نقولات الآجري وابن عساكر والسبكي وابن عبد الهادي، وكذلك كثير من نقولات صاحب تحقيق النصرة. بل وكثير من نقولات السمهودي.
وأما التي حُذفت منها الأسانيد فمن تصرفات الناقلين عنه، وبالأخص السمهودي حيث يحذف الأسانيد يقول عادة: أسند يحيى عن طريق فلان، روى يحيى من طريق هارون بن موسى، أو من طريق ابن زبالة، وغيرهما .. فيتصرف في الأسانيد ما شاء؛ ليُبقي ما شاء ويحذف ما شاء، كُلا أو بعضًا.
فبكل ما تقدم ترجح عند الباحث أنّ منهج يحيى العقيقي في نقل الرواية هو روايتها بأسانيدها، وأنّ السمهودي بالأخص هو الذي تصرف في الأسانيد بالحذف.
_________________
(١) ولا يغيب عنا أثر تكوينه كمحدث في عنايته بهذا الجانب.
[ ١٠٣ ]
واتضح من أسانيده أنه تلقى الكثير من مادته عن طريق النقل المباشر عند شيوخه بطريقتين؛ السماع والعرض. ويؤكد ذلك المصطلحات الآتية التي تشعِرُ بتحمُّله عنهم حقيقةً ومباشَرةً مثل صيغة: حَدَّثَنَا (^١)، حدثني (^٢)، وأخبرَني (^٣)، وسمعت (^٤).
كما يظهر من بعض أسانيده أنه كان لا يصرح بأسماء شيوخه، ويؤكد ذلك قوله: أخبرني شيخٌ من قضاعة يكنى أبا جعفر (^٥)، .. وقال في سياق آخر: وسمعتُ غير واحد من مشايخنا ممن يقتدى به يقول … (^٦)
ومن منهجه في نقل الرواية: أنه يستخدم أو يروي ما فيه صِيَغ مجهولة ك (عن غير واحد من أهل المدينة) (^٧).
كما أنه يروي المنقطعات ومن أمثلته ما قاله السمهودي:
_________________
(١) من أمثلة قول يحيى العقيقي: حَدَّثَنَا أبو مصعب، قال: حَدَّثَنَا مالك (السمهودي، المصدر السابق، ج ٢، ص ٥٤٩). وقال: وحدثنا هارون بن موسى.
(٢) ومن أمثلته قول يحيى العقيقي: حدثني هارون بن موسى عن غير واحد من أهل المدينة (السمهودي، المصدر نفسه، ج ٢، ص ٢٢٠ - ٢٢١).
(٣) الحربي، المناسك، بتحقيق: حمد الجاسر، ص ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٤) السمهودي، وفاء الوفاء مصدر سابق، (ج ٢، ص ١٠٢ - ١٠٣).
(٥) الحربي، المناسك، بتحقيق: حمد الجاسر، ص ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٦) السمهودي، وفاء الوفاء مصدر سابق، (ج ٢، ص ١٠٢ - ١٠٣).
(٧) السمهودي، وفاء الوفا، مصدر سابق، (ج ٢، ص ٢٢٠).
[ ١٠٤ ]
وقد حكم السمهودي على بعض أسانيده بالانقطاع، فقال: أسند يحيى منقطعًا عن ابن أبي الزناد وغيره: أنّ رسول الله - ﷺ - كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد … (^١).
كما أن يحيى العقيقي لم يعتمد على النقل عن غيره فقط ولكنه اعتمد على المنهج المَرْئيّ والمشاهدة كالأشياء التي رآها المؤلّف (العقيقي) على جدران مسجد رسول الله - ﷺ - الداخلية والخارجية وعلى الأبواب من الكتابات والرسومات الكثيرة فأثبتها في مؤلفه (^٢) …
وقد كان العقيقي ﵀ يعتبر الأشياء ويذرعها بذراع نفسه، ومن أمثلة ذلك ما قاله إثر رواية أوردها المراغي، فقال:
ونقل يحيى: أنّ ذرع ما بين المصلى الشريف إلى جدار القبلة الذي فيه المحراب اليوم، وهو حذو المصلى الشريف - كما قاله مالك - عشرون ذراعًا ورُبع. قال يحيى: وهي جميع الزيادة من القبلة.
وقد اعتبرتُه من سترة مصلى النَّبِيّ - ﷺ - إلى جدار القبلة، فكان كذلك، ومن صدر المحراب يزيد على ذلك نحو ذراع ورُبع ذراع (^٣).
_________________
(١) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ١١٥ - ١١٦).
(٢) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٣٢٥).
(٣) المراغي، تحقيق النصرة، ص ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ١٠٥ ]