لم يكن موقف العقيقي من الرواية مجرد ناقل أو راوٍ لها، بل كان له موقفًا نقديًّا على صعيد السند والمتن، وهذه بعض الأمثلة الدالة على ذلك:
ما جاء في سياق روايته وإسناده عن أبي المعلى الأنصاري، حيث بيّن أنه: كانت له صحبة (^١). وفي سياق آخر لا جاء ذكر خالة العطاف بن خالد، فبيّن أنها كانت من العوابد (^٢). وأيضًا قال في سياق آخر: وسمعتُ غير واحد من مشايخنا ممن يُقتدى به يقول … (^٣). كما أنه لّما ذكر أنّ أئمة من أهل البيت النبوي رآهم كانوا يصلون في مصلى رسول الله - ﷺ - في قباء، وصف بعضهم بأنه قدوة، في قوله: "ورأيتُ من أهل بيتي مِمّن يُقتدى به، مِمّن لا أُبالي أن لا أرى غيره في الثقة والعلم" (^٤). ولمّا ذكر الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين وأثره، قال: "ولَم أرَ فينا رجلا أفضل منه"، كما أنه لَمّا ذكر علي بن حسن بن حسن بن حسن (^٥)، قال: "وكان من خيار الناس" (^٦).
_________________
(١) السمهودي، مصدر سابق، (ج ٢، ص ١٧١).
(٢) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٣، ص ٢٦٥).
(٣) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ١٠٢ - ١٠٣).
(٤) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٣، ص ٥٢).
(٥) لم أقف على ترجمة له.
(٦) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٥٤٦).
[ ١٠٦ ]
وقد كان بالنسبة للتعديل يورِد روايات فيها: (عن الثقة (^١)، وعن الثقة عنده (^٢)، عمن يثق به (^٣)، عن ثقات من علمائه (^٤).
فكذلك نقَد وجرّح بعض الأعيان في كتابه. وسيتضح شيء من منهجه في نقد الرواية بتجريح راويها بالنقولات اللاحقة، مع أنه ترجح لدى الباحث أن بعض التجريح لطائفة من الرواة صادرٌ من الناقلين عن العقيقي وليس منه ﵀.
ومن الأمثلة في النقد والتجريح:
أولًا: ما ذكره السمهودي من أنه: روى ابن شَبّه ويحيى من طريق عبد العزيز بن عمران عن فليح بن سليمان عن ابن أبي عمرة، قال: زاد
_________________
(١) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ١٦٧، ص ٢٧٥).
(٢) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٦٢٨).
(٣) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٣٢٢).
(٤) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٢٨٤). وهنا أذكر قول السيوطي: (إذا قال: حدثني الثقة أو نحوه، من غير أن يُسميَه لم يُكْتفَ به في التعديل على الصحيح حتَّى يُسميَه؛ لأنَّهُ وإنْ كان ثقةً عنده فربّما لو سَماه لكان مِمن جرَحَه غيرُه بِجَرح قادح، بل إضرابُه عن تسميته رِيبة تُوقع ترددًا في القلب. بل زاد الخطيب أنه لو صرّح بأنّ كُلّ شيوخه ثقاتٌ، ثم روى عمن لم يُسَمِّه لم يُعمل بتزكيته؛ لجواز أنْ يُعرف - إذا ذكَرَه - بغير العدالة) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن أبي الفضل، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، ط ١ (الناشر: دار طيبة، د. ت) ص ١٥٨.
[ ١٠٧ ]
عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه، ثم قال: لو زدنا فيه حتَّى نبلغ به الجبّانة كان مسجد رسول الله - ﷺ -. زاد يحيى: وجاءَه الله بعامر. وعبد العزيز هو ابن أبي ثابت تركوه (^١)؛ كانت كُتُبه قد احترقتْ فحدّث مِن حفظه، فاشتدّ غلطُه (^٢).
قلتُ: إنْ كان الكلام في (عبد العزيز) هذا من العقيقي ففيه: شيء من منهجه في دراسة أسانيد الأحاديث ونقدها.
ثانيًا: وقال: وأسند يحيى من طريق عبد العزيز بن عمران عن قدامة العمري عن نافع عن ابن عمر، قال: كان بلال يؤذن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد، قال: وكان يرقي على أقتاب فيها، والأسطوان في البيت الذي كان بيد عبيد الله بن عمر، الذي يقال له: بيت عبد الله بن عمر، وقد كانت خارجة من مسجد رسول الله لم تكن فيه، وليست فيه اليوم. والظاهر أنه تجوز في تسمية الأسطوان منارة. وعبد العزيز بن عمران كان كثير الغلط؛ لأنّ كُتُبه احترقت؛ فكان يروي من حفظه فتركوه (^٣) …
_________________
(١) ترجم الحافظ ابن حجر لعبد العزيز هذا بأنه متروك، وقد تقدم ذلك.
(٢) السمهودي، مصدر سابق (ج ٢، ص ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٣) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ١٠٨ ]
ثالثًا: وقال: روى يحيى بإسناد فيه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن أبيه - وإسماعيل صدوق، لكن أخطأ في أحاديث مِن قِبَل حفظه، وأبوه صدوق يَهِم، وبقية رجاله ثقات - عن عمرة عن عائشة - ﵂ - وصفَت لنا قبر النَّبِيّ - ﷺ - وقبر أبي بكر وقبر عمر، وهذه القبور في سَهْوَةٍ (^١) في بيت عائشة، رأسُ النَّبِيّ - ﷺ - مما يلي المغرب، … (^٢).
رابعًا: وقال السمهودي: روى يحيى من طريق ابن زبالة - وهو ضعيفٌ (^٣) -: حدثني محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، قال: قال عمر بن الخطاب: لو مُدّ مسجد رسول الله - ﷺ - إلى ذي الحليفة لكان منه (^٤).
ففي هذه النماذج شيء من المنهج في نقد الرواية بنقد السند. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) السهوة حائط صغير يبني بين حائطي البيت ويجعل السقف على الجميع فما كان وسط البيت فهو سهوة وما كان داخله فهو المخدع وقيل، سترة تكون قدام فناء البيت ربما أحاطت بالبيت شبه سور حول البيت وفي الحديث أنه دخل على عائشة وفي البيت سهوة عليها ستر ..، لسان العرب، ج ١٤، ص ٤٠٦.
(٢) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٣٧٦).
(٣) هذا القول للسمهودي ومن منهجه، الحكم على السند أو المتن حين يقول ويستخدم مصطلحات كثيرة يبين الضعف في الإسناد بعبارات متعددة حين يذكر الراوي مثل: وهو ضعيف أو سنده ضعيف .. الخ
(٤) السهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٢٨٣).
[ ١٠٩ ]