في هذا المقام سنتعرض لأثر يحيى العقيقي من خلال كتابه "أخبار المدينة" على كتابات المؤرخين من بعده الذين عنوا بالتأريخ له، حيث سيتضح أثر هذا الكتاب؛ فقد استفاد منه العديد ممن عني بتأريخ المدينة وغيرها، وسوف نعرض لهؤلاء المؤرخين على حسب كم النقل وعظم إفادتهم من الكتاب على النحو الآتي:
السمهودي (^١): فيعد أكثر المؤرخين قاطبة نقلًا وإفادةً من كتاب يحيى العقيقي وأعظم مَن بيّن قيمة الكتاب، وذكَر أنّه وابن زبالة عُمدتَا مَن أرّخ للمدينة من المتقدمين لَمِن كَتَب بعدهما، نقل ذلك في كتابه (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطف ﷺ)، الذي هو من أجمع ما أُلّف عن تاريخ المدينة ومما قال فيه وهو يُقرر أنّ يحيى العقيقي هذا من اعتمد المتأخّرون عليه في أخبار المدينة، قوله: "وابن زبالة ويحيى عُمدةٌ في ذلك، فإنهما أقدَم من أرّخ للمدينة .. " (^٢). وجاء في مقالة د. صالح أحمد العلي (المؤلفات العربية عن
_________________
(١) مؤرِّخ - ﷺ - المدينة وعالمها نور الدين علي بن عبد الله الشهير بلقبه السمهودي، المولود: ٨٤٤ هـ والمتوفي سنة ٩١١ هـ انظر ترجمة السمهودي الموسعة في قسم التحقيق من كتابه: وفاء الوفاء (ج ١، ص ٢١ - ٣٣).
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، (ج ٢، ص ٥٥).
[ ١٢٠ ]
المدينة والحجاز) قوله: "لقد فقد كتاب يحيى، ولَم تبقَ منه إلا مقتطفات نقلها المتأخّرون، .. غير أنّ أوسَع مَن نقَل عنه هو السمهودي، فقد نقل عنه في ٢١٠ موضع، وهو مقدارٌ يكفي لتكوين فكرة عامة عن نطاق الكتاب" (^١)، وقد وجدتُ هذه المواضع كلّها وحصرتها ب ٢٢٦ نقلًا بتعدادي (^٢).
_________________
(١) العلي، المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز، ص ١٣٠.
(٢) مرويات يحيى العلوي التي نقلها السمهودي وعليها اعتمدتُ كُلِّيًا لتكوين فكرة عن كتاب يحيى العقيقي المطوي. وهنا سأُشير إلى صفحات هذه النقولات (٢٢٩ نقلا)، كما أنّي سأوزَعُها في أماكنها المناسبة داخل الباب الثاني (مرويات يحيى العقيقي التاريخية). وقد اعتمدت على كتاب السمهودي (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى) بتحقيق: نزيل المدينة محمد نظام الدين الفتيح، ط ١، المدينة: مكتبة دار الزمان ١٩٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م). ففي المجلد الأول: يُنظر في مواضع تالية: ص ١٤٥، ونقلين في ص: ٢٢٣، ص ٦٧٩، ٤٧٧، ص ٥٥٠، ص ٥٥١، ص ٥٥٢، ص ٥٦٠، ص ٥٧١، ص ٥٧٢، ص ٥٧٨، ص ٥٨٥، ص ٥٨٩، ص ٥٩٠، ص ٥٩١، ص ١٨٧، ص ٦٩٠، ص ٦٩١. وفي المجلد الثاني: يُنظر في: ص ٧، ونقلين في ص: ٨، ص ١٢، ص ١٥، ونقلين في ص: ص ١٦، ص ١٨، ص ١٩، ص ٢٠، ونقلين في ص: ٢٢، ص ٢٥، ص ٢٦، ونقلين في: ص ٢٧، ص ٢٩، ص ٣٠، ص ٣٨، ص ٤٢، ص ٤٩، ص ٥٠، ص ٥٣، ولحقيقة مفيدة في ترجمة يحيى العقيقي، ص ٥٥، ص ٥٩، ص ٦٦، ص ٦٧، ص ٧٧، ونقلين في: ٨٥، ص ٩٩، ونقلين في: ص ١٠٢، ص ١٠٣، ص ١١١، ص ١١٤، ص ١١٥، ونقلين في ص:١١٩، ص ١٢٣، ص ١٢٦، ص ١٥٢، ص ١٥٨، ص ١٦٥، ص ١٦٦، ونقلين في ص: ١٦٧، ص ١٧٠، ص ١٧١، ص ١٧٣، ص ١٧٤، وأربعة نقول في ص: ١٩٦، ص ٢٠٢، ص ٢٠٥، ونقلين في ص: ٢٠٧، آخرين في ص: ٢٠٨، ص ٢١٠، ص ٢١٥، ص ٢٢٠، ص ٢٢١، ص ٢٢٥، ص ٢٢٧، نقلين في ص: ٢٣٧، وآخَرَين في: ص ٢٣٨، ص ٢٣٩، ص ٢٥٥، ص ٢٥٦، ص ٢٥٨، ص ٢٥٩، ونقلين في:
[ ١٢١ ]
قال محقق وفاء الوفاء (محمد نظام الدين الفُتيح) في ذكر مصادر السمهودي في كتابه: " استكثر المؤلف ﵀ من الأخذ عن غيره، وهذا واضح من كثرة تصريحه بالنقل … يحيى بن الحسن بن جعفر الحسيني العلوي المدني المتوفي ٢٧٧ هـ، أكثر من النقل عنه، وله كتاب أخبار المدينة" (^١).
_________________
(١) = ٢٦٣، ص ٢٧٠، ص ٢٧١، ص ٢٧٢، ص ٢٧٤، ص ٢٧٥، ص ٢٧٦، ص ٢٧٧، ص ٢٧٨، ص ٢٧٩، ص ٢٨٠، ص ٢٨١، ص ٢٨٢، ونقلين ص: ٢٨٣، ص ٢٨٤، ص ٢٨٥، ص ٢٨٥، ص ٢٨٦، ص ٢٨٨، ص ٢٨٨، ونقلين في ص: ٢٨٩، ص ٢٩٣، ص ٢٩٦، ص ٣٠٠، ص ٣٠١، ونقلين في ص: ٣٠٤، ص ٣٠٦، وثلاثة نقول في ص: ٣١٠، ص ٣١٢، ص ٣١٨، ص ٣١٩، ص ٣٢١، ص ٣٢٢، ص ٣٢٣، ص ٣٢٤، ونقلين في ص: ٣٢٥، ص ٣٢٦، ص ٣٢٧، ونقلين في ص: ٣٢٩، ص ٣٣١، ص ٣٣٢، ص ٣٣٧، ص ٣٣٨، ص ٣٣٩، وثلاث نقول في ص: ٣٤١، ص ٣٤٧، ص ٣٤٩، ص ٣٥٢، ص ٣٦٣، ص ٣٦٤، ص ٣٦٩، ص ٣٧٢، ص ٣٧٦، ص ٣٧٧، ص ٣٨١، ص ٣٨٣، ص ٣٨٤، ص ٣٨٥، ص ٣٨٩، ص ٤٠٦، ص ٤١٣، ص ٤٤٠، ص ٤٩١، ص ٥٤١، ص ٥٤٦، ونقلين في ص: ٥٤٧، وآخَرَين في: ٥٤٩، ص ٥٥٠، ص ٥٥١، ص ٥٧٣، ص ٥٧٤، ونقلين في ص: ٥٨٤، ص ٥٩٩، ص ٦٠١، ص ٦٠٥، ص ٦١١، ص ٦١٦، ونقلين في ص: ٦٢٤، ثم في: ص ٦٢٨. وفي المجلد الثالث: يُنظر في: ص ٢٦، ص ٣١، ص ٣٩، ص ٤٠، ص ٤٥، ص ٤٦، ونقلين في: ٥٢، ص ٧٤، ص ٨٠، وثلاث نقولات في: ٨٤، ص ٩٠، ص ٩٢، ونقلين في: ١٠٨، ص ١٣٣، ص ١٤٧، ص ١٤٨، ص ١٥١، ص ١٦٣، ص ١٧٥، ونقلين في ص ١٧٦، ص ١٨٠، ص ٢٦٢، ص ٢٦٤، ص ٢٦٥، ص ٣٤٣، ص ٣٨٠، ص ٣٨٧، ص ٣٨٨، ص ٣٩٢، ص ٣٩٤، ثم ص ٤٠٠. وفي المجلد الرابع: يُنظر: ص ٤٥٥، ونقلين في ص ٤٥٧، وآخَرَين في: ٤٩٤، ص ٥٥٥، ثم: ص ٥٥٦.
(٢) قسم الدراسة من كتاب وفاء الوفا، (ج ١، ص ٣٤ - ٤٤).
[ ١٢٢ ]
ولأجل ما تقدم قررَتْ الباحثة في كتابها: موارد السمهودي ومنهجه التاريخي في كتابه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفي - ﷺ - (هدي محمد سعيد عباس سندي) الذي نالت به درجة الماجستير أنّه (قد نقَل السمهودي منه الكثير من الروايات، حيث اعتمد على كتاب يحيى بن الحسن اعتمادا كبيرًا، في ذكر بعض الروايات التي تتعلق بتاريخ المدينة؛ لأنَّه يعتبر من أقدم من أرّخ لها، خاصة الروايات التي تتعلق بهجرة الرسول - ﷺ - وتأسيسه مسجد قباء، والروضة الشريفة، والحجرات، كما منه بعض الزيادات التي توضح الزيادات التي حدثت للمسجد النبوي بعد وفاة النبي - ﷺ - في عهد الخلفاء ومَن جاء بعدهم. وعدد الروايات المنقولة عنه مائة وتسع وستون …) (^١). وذكرت الباحثة أنّ السمهودي - ﵀ - قد اطلع على ثلاث نُسَخ من كتاب يحيى العقيقي (أخبار المدينة) (^٢) واستفاد منها، فمنها نسخة رواها ابنُه طاهر عن أبي الحسن المدائني عن أبيه (رواية طاهر كتاب أبيه عنه بواسطة المدائني)، ونسخة رواها طاهر عن أبيه يحيى مباشرة، وثالثة رواها الحسين بن محمد بن يحيى حفيد المؤلف (^٣).
_________________
(١) هدى محمد، موارد السمهودي ومنهجه التاريخي، مرجع سابق، ص ١٤٠.
(٢) هذا، وممن قال بأن النسخ التي وقف عليها السمهودي ثلاثة الباحث: هدى محمد سعيد في رسالتها: (موارد السمهودي ومنهجه التاريخي، ص ١٤٠.
(٣) ردٌّ على ما ذكر الدكتور أكرم ضياء العمري في موارده: من المعلوم أنّ كتاب يحيى الأول كان =
[ ١٢٣ ]
والثابت أنه اطلع على أربع نسخ (^١) ويُقرر كُلّ هذا أقوال السمهودي اللاحقة، حيث قال فيها: (قد رأيت ذلك في نسخة كتاب يحيى التي رواها ابنُه طاهر بن يحيى عنه (^٢». وقال: (في النسخة التي رواها ابنُه طاهر بن يحيى عنه … (^٣». وقال: (في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى (^٤». وقال: (كذا في النسخة التي رواها ابنُ ابنه الحسن بن محمد عنه،
_________________
(١) = في أخبار المدينة، والثاني في أنساب آل أبي طالب، وهما أهم كُتب يحيى المؤرخ النسّابة، وقد بيّن الدكتور أكرم ضياء في كتابه (موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد) حيث قال "اهتم بالأنساب والأخبار فألف كتابه أخبار المدينة، وكتاب الأنساب … وقد اطلع السمهودي على عدة نسخ من كتاب الأنساب المذكور من طرق مختلفة منها نسخة من رواية الحسن عن جده يحيى "انتهى في ص ٢٠٨ من موارد الخطيب. وقد وهم الدكتور أكرم في كلامه الأخير؛ ذلك أنّ السمهودي اطلع على أخبار المدينة من أربعة طرق (نسخ) ونقل عنها (كما أثبت ذلك الدكتور نفسه - بعد صفحة - حيث بيّن أن اقتباسات السمهودي من العقيقي في كتابه أخبار المدينة …) وليس في كتابه الآخر في الأنساب.
(٢) الدكتور صالح العلي. المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز، ص ١٢٩، فقد بين أنها أربع نسخ، ونقل بنصه عنه حمد الجاسر أيضا في مقدمة كتاب المناسك للحربي، ص ١٩٣). كما أشار الدكتور عبد الله العسيلان تحت عنوان "وقفات مع مؤرخي المدينة النبوية عبر العصور" أن السمهودي اطلع على أربع نسخ "انظر: دارسات حول المدينة المنورة من محاضرات النادي الأدبي م ٢ (مطبوعات النادي الأدبي رقم ٩٨) ص ٣٥١.
(٣) السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفي - ﷺ -، (ج ١، ص ٢٢٣).
(٤) السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفي - ﷺ -، (ج ١، ص ٥٥٠).
(٥) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ١٧٦).
[ ١٢٤ ]
ثم رأيت في النسخة التي رواها ابنُه طاهر عنه ما ذكره الغَرّافي). وقال: (… كما في النسخة التي رواها ابنه عن أبي الحسن المدائني - (^١». وقال: (في نسخة من كتاب يحيى، رواها ابنُه طاهر عنه … ابن فراس أحد رواة النسخة المذكورة عن طاهر بن يحيى (^٢». وقال: (ورأيتُه في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى (^٣». وقال: (في نسخة من كتاب يحيى رواية ابنه طاهر ابن يحيى عنه … ولم أرَ ذلك في النسخة التي هي رواية ابن ابنه الحسين بن محمد بن يحيى عن جده يحيى (^٤».
ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: استفادة المؤرخ محمد بن يوسف الصالحي الشامي في سِفره الموسوم ب: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد - ﷺ -، حيث نقل عنه في أكثر من (٣٠) نقلًا (^٥)، مع أنه ترجح
_________________
(١) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٣٠١).
(٢) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٢، ص ٣٧٧).
(٣) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٣، ص ١٣٣).
(٤) السمهودي، المصدر نفسه، (ج ٤، ص ٤٥٧).
(٥) مع تكرار ثلاث روايات وللوقوف على المواضع يُنظر: كتاب سبل الهدى والرشاد ط، دار الكتب العلمية، ١٤٢٨ هـ، الجزء الثالث، ص ٢٧١، وص ٢٧٤، وموضعان في ص ٢٧٥، و٣ مواضع في ص ٣٣٥، وموضعان في ص ٣٣٧، و٣ مواضع في ص ٣٣٨، وص ٣٣٩، وص ٣٤٣، وص ٣٤٤، وموضعان في ص ٣٧٠. والجزء العاشر، ص ٣٢٠. والجزء الثاني عشر=،
[ ١٢٥ ]
لدى الباحث بتأمل نقولات الصالحي عن أخبار المدينة أنه لَم يقف على كتاب العقيقي هذا ليباشر النقل عنه، بل نقلها بواسطة السمهودي خصوصًا، وغيره.
ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: استفادة الإمام أبي إسحاق الحربي، إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم (ت ٢٨٥ هـ) (^١)، تلميذ العقيقي، في كتابه: (المناسك وأماكن طُرُق الحج ومعَالِم الجزيرة)، وقد تقدم عند ذكر تلامذة يحيى العقيقي أنّ أبا إسحاق منهم، فهو قد استفاد كثيرًا من كتاب شيخه هذا، حيث اطلع على الكتاب ونقل عنه نقولات طويلة جدًّا، كما أفاد بذلك محقق المناسك (حمد الجاسر)، بل وذكَرَ بأنّ "في تلك النقول ما يصحح بعض ما أورد السمهودي منها" (^٢).
ولقد عددتُ نقولات الحربي (الطويلة وغيرها) عن العقيقي في كتابه أخبار المدينة فوجدتها في (٢٨) موضعًا (^٣)، وقد قال بقريب من هذا
_________________
(١) = يُنظر: ص ٤٦، وص ٤٧، ص ٤٨، وص ٥٠، وص ٥٦، و٣٣٧، وص ٣٤٢، و٣٤٣، وص ٣٤٦، وموضعان في ص ٣٧٧، و٣٩١، والأخير في ٣٩٨.
(٢) حمد الجاسر، كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالِم الجزيرة، (قسم الدراسة)، ص ١٦٤. وانظر ترجمته الموسعة من، ص: ٩ - ٢٧٠.
(٣) حمد الجاسر، كتاب المناسك، (قسم الدراسة)، المصدر نفسه، ص ١٦، و٢٥٤.
(٤) حمد الجاسر، كتاب المناسك، (قسم الدراسة)، المصدر نفسه، ص ١٦، و٢٥٤.
[ ١٢٦ ]
محقق المناسك، حيث قال - وهو يَذكُرُ من مشايخ صاحبِه الحربي -: " يحيى ابن الحسن العلوي: ورَد النقل عن هذا في أكثر من عشرين موضعًا، في الكلام على المسجد النبوي .. ثم إنّه ذكَر أنه لعدم عناية المتقدمين بترجمة يحيى العقيقي حسُن أنْ يورِد ما كتَبه عنه وعن كتابه صديقُه صالح العلي في بحثه الممتع عن: المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز (^١).
ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: استفادة مؤرّخ المدينة العالم زين الدين أبي بكر بن الحسين المراغي العثماني الشافعي المتوفي ٨١٦ هـ منه، في مؤلفه المسمي: تحقيق النصرة بتلخيص مَعَالِمِ دار الهجرة: ولقد استفاد هذا المؤلّف من كتاب العقيقي حيث نقَل عنه ما لا يقل عن ستة وعشرين نقلا، وكثيرٌ منها عمدة في بابه، قال محقق الكتاب (أبو يعقوب نشأت كَمَال) عن المراغي: "اعتمد المؤلّف في كتابه على مجموعة قيّمةٍ من المصادر في تاريخ المدينة، وبعض هذه المصادر مفقود لا أثَر له، ولا نَملك منها إلا ما ورَد عنها من نُقُول في المصادر المتأخّرة، ومنها كتاب المراغي، فقد أوَرَد فيه نقولا عديدة، عن كتاب أخبار المدينة ليحيى بن الحسن
_________________
(١) الحربي، كتاب المناسك، ص ٣٥٢، ص ٣٥٩، ص ٣٦٣، ص ٣٦٥، ص ٣٦٦، ص ٣٦٧، ص ٣٦٩، ص ٣٧١، ص ٣٧٨، ص ٣٧٩، ص ٣٨١، ص ٣٨٣، ص ٣٨٤، ص ٣٨٥، ص ٣٨٧، ص ٣٨٩، ص ٣٩٧، ص ٤٠٣، ص ٤٠٤، ص ٤٢٥.
[ ١٢٧ ]
العلوي ونقل عنه في (٢٦) موضعًا" (^١)، وقد وقفتُ على هذه المواضع كُلّها (^٢).
وفي نُقول المراغي هذه ما يوحِي بأنَّه اطلَع على كتاب العقيقي هذا قبل فَقْدِه وطيِّه (^٣).
ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية: نقَل تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي من كتاب يحيى العقيقي أخبار المدينة في موضعين، من كتابه: شفاء السقام في زيارة خير الأنام (^٤).
ونقل عنه النقلَين أيضًا الحافظُ ابنُ عبد الهادي أبو عبد الله محمد في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي (^٥).
_________________
(١) المراغي، تحقيق النصرة بتلخيص معَالم دار الهجرة، مصدر سابق، ص ٢٤.
(٢) انظر إليها في هذه المواضع: ص ١٧١، ١٧٦، ١٧٨، ١٨٥، ١٨٨، ١٩٠، ١٩١، ١٩٦، ١٩٨، ١٩٩، ونقلين في: ٢٠٥، ٢١٣، ٢١٩، ٢٢٣، ونقلين في: ٢٢٤، ٢٣٧، ٢٤٣، ٢٧٣، ٢٩٦، ونقلين في: ٢٩٩، ٣٢١، ٣٢٢، ثم: ٤٤٣ (وهذه المواضع الستة والعشرين المشار إليها في المتن)، وهذا فيه أبلغ الرد على مقالة د. صالح أحمد العلي الذي قال فيه: " … فقد نقَل منه الزين المراغي في خمسة مواضع" (المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز، ص ١٣٠ ضمن مجلة المجمع العلمي العراقي.
(٣) المراغي، المصدر نفسه، ص ٣١.
(٤) السبكي، شفاء السقام، المصدر السابق، ص ٣٨، ص ٤٠. وقد تقدم هذان النقلان في باب: جمع مرويات يحيى العقيقي.
(٥) ابن عبد الهادي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الحنبلي الصارم المنكي في الرد على السبكي، =
[ ١٢٨ ]
ومما يَدُلّ على قيمة كتاب العقيقي العلمية وأثره في المؤرخين بعده: أثره في الحافظ المزي حيث ما يكاد يذكره إلا ويلقبه بالنسابة كما نقَل عنه المزي في ترجمة لـ موسى بن جعفر بن محمد: "حيث قال: قال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة: كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح؛ من عبادته واجتهاده" (^١). وهذا النقل موافق لما جاء في كتاب أخبار المدينة، كما اتضح أثره أيضا على كل من الحافظ المؤرخ ابن حجر العسقلاني، والإمام الحافظ شمس الدين الذهبي فيما سبق.
وكما أنّ كتاب يحيى (أخبار المدينة) صار مورًا للمؤرخين من بعده، فكذلك صار مرجعًا لغيرهم من بقية أهل الفنون كالعقيدة والفقه؛ فقد نقَل عنه الإمام الآجري (^٢) في كتابه كتاب الشريعة، بل ووصفه فقال:
_________________
(١) = تحقيق: أحمد سليمان ط ١ (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ١٤٢٥ هـ)، ص ٢٩٨، وص ٣٠٢، حيث نقَل ابن عبد الهادي النقلين قبل رده على السبكي.
(٢) المزي، تهذيب الكمال، ج ٢٩، ص ٤٤، رقم الترجمة: ٦٢٤٧. وكذا عند ابن حجر العسقلاني في تهذي التهذيب، ج ١٠، ص ١٢. وعند الذهبي، تاريخ الإسلام، مصدر سابق، ج ٤، ص ٩٨٤.
(٣) محمد بن الحسين هو الآجري، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله ترجم له الإمام الذهبي: الإمام، المحدث، القدوة، شيخ الحرم الشريف، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري، صاحب التأليف، منها: كتاب (الشريعة في السنة) كبير، وكتاب (الأربعين)، وكتاب آداب العلماء، وغير ذلك، وكان صدوقا، خيرا، عابدا، صاحب سنة واتباع. مات بمكة في المحرم سنة ٣٦٠ هـ وكان من أبناء الثمانين (الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد، سير =
[ ١٢٩ ]
(هو كتاب مشهورٌ، سألتُ أبا عبد الله جعفر بن إدريس القزويني، إمامًا مِن أئمة المسجد الحرام في قيام رمضان وأحد المؤذنين، فحدثني بِهذا، وذلك أني رأيت الكتاب معه مجلدًا كبيرًا شبيهًا بِمائة ورقة، سَمِعه من طاهر بن يحيى. فيه فضل المدينة) (^١)، وقد اتضح لي من نقَل الآجري خمسةُ حقائق عظيمة، عن العقيقي، من حيث نظرة طائفة من أجلة عُلماءِ الإسلام إليه، وإلى أئمةٍ مِن أهل بيتِه الأطهار، ونفي تُهمة كون العقيقي العلوي رافضيًّا؛ يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر - ﵄ -، وعن تلميذه وابنه طاهر - راوي أخبار المدينة عن والده -، وبيان واقِعِ كتابِه العظيم الَمطْويّ المفقود قبل فقدانِه، وأنّه رآه الآجري في مجلد كبير شبيه بمائة صفحة، ومِن ثَمّ منزلته وقيمته العلمية عند العلماء.
فبكل ما تقدم ظهَر جليًّا أثرُ يحيى العقيقي الواضح في المؤرخين مِن بعده، بل وفي غيرهم: من حيث استكثارهم من الأخذ عنه، وخصوصًا نور الدين السمهودي الذي أكثَر جدًّا من النقل عنه (يحيى بن الحسن العقيقي
_________________
(١) = أعلام النبلاء، بتحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، ط ٣، ١٤٠٥ هـ، مؤسسة الرسالة، ج ١٦، ص ١٣٣ وما بعده).
(٢) وللوقوق على هذا النقل انظر: الآجري، محمد بن الحسين، كتاب الشريعة، المصدر السابق، ص ٧٥٦.
[ ١٣٠ ]
المدني) - ﵀ - في كتابه المطويّ المفقود (أخبار المدينة) حيث نقَل عنه كما تقدم أكثر من ٢٢٦ (بتعدادي) (^١).
وقد تقدمت كلّ نقولات العلماء التي وقفت عليها عنه ﵀ موزّعة على الباب الثاني بأربعة فصول وهي -والحمد لله- تؤكّد ما في هذا العنوان، من أثر يحيى العقيقي النسابة المؤرخ على علماء التاريخ بعده ﵀.
_________________
(١) السمهودي (مقدمة الدراسة)، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفي - ﷺ -، ج ١، ص ٣٤ - ٣٥).
[ ١٣١ ]