في هذا المقام سنتعرض المسألة مذهب يحيى العقيقي ومناقشة ما أورده العلماء والباحثون بخصوص هذا الموضوع.
ذهب البعض إلى تشيعه استنادا لما ذكره النجاشي وغيره بأن يحيى العقيقي روي عن الإمام علي بن موسى الرضا (ت ٢٠٣) (^١)، الذي يعد عند الشيعة الإمام الثامن وذهب ابن الطقطقي بأن يحيى إمامي حيث قال: "وهو أحد رجال الإمامية" (^٢). وممن تبنى هذا الرأي أيضًا محمد كاظم على الرغم من اعترافه بعدم وجود شواهد تثبت تشيعه (^٣). في هذا الكتاب إلا أنه عاد وأكد على تشيعه وما ظهر من ترضيه لبعض الخلفاء كان اتقاء لشرهم (^٤)،
_________________
(١) النجاشي، المصدر السابق، ص ٤٤١ - ٤٤٢.
(٢) ابن الطقطقي، الأصيلي في أنساب الطالبيين، مصدر سابق، ص ٣٠٧.
(٣) فقال: "ليس في الكتاب هذا شيء يذكر عن تشيعه الإمامي أو الزيدي أو غيرهما، رغم ما تقدم من النصوص والشهادات الكثيرة الدالة على أنه كان من الإمامية … بل حتى ورد لفظ الترضي على بعض الخلفاء والسلاطين مثل معاوية، مما هو مباين للخط الشيعي"، المعقبين من ولد الإمام أمير المؤمنين، المرجع السابق ص ١٤ - ١٥.
(٤) يقصد معاوية فقال: "لعل هذا من إضافة الكاتب أو الناسخ، أو من المصنف بالذات اتقاءً لشرّ الطغاة وبسبب ظروف الظلم والاضطهاد الذي كان يمارسها المتسلطين على رقاب الناس من ظَلَمة بنِي العباس، وخاصة ضدّ العلويين في المدينة المنورة" … إلى أن قال: "ومهما يكن من شيء فشخصية المؤلف وخطه واتجاهاته من الأمور الواضحة والبارزة لأهل الخبرة، وذكرنا في بداية المقدمة نبذة من شهادات العلماء ومن جملتهم ذريته في حقه، فراجع. وأيضًا: نشره لأخبار وآثار=
[ ٨٦ ]
أو من إضافة الكاتب أو الناسخ (^١). قلت وفيما سبق ذكره من أنّ يحيى على مذهب الشيعة الإمامية، كلامًا فيه نظر ومجاف للحقيقة استنادا للآتي:
أولا: ما استدل به النجاشي وغيره على تشيع يحيى العقيقي استنادا لروايات عن الإمام علي بن موسى الرضا لا يصح لأن الإمام الرضا توفي (سنة ٢٠٣ هـ) أي قبل ولادة العقيقي بـ (١١) أحد عشرة سنة، استنادًا لسنة مولده ٢١٦ هـ (^٢)، وعلى هذا من المحال أن يكون يحيى العقيقي قد التقى به أو نقل عنه مباشرة.
_________________
(١) = أهل البيت وذراريهم الاهتمام بتدوينها دون غيرها هو مؤشر آخر بأنه كان على خطى أجداده غير مكترث بحرب الإبادة التي يشنها الطغاة بين حين وآخر) المرجع نفسه، ص ١٤ - ١٥.
(٢) ناسخ المخطوط الذي اعتمد عليه هو: محمد بن حمزة بن محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي جميل القرشي، أبو عبد الله بن أبي يعلى الشروطي، يعرف بابن أبي الصقر من أهل دمشق، أحد شيوخها الرواة ومحدثيها الثقات رحل إلى بغداد سنة تسع وعشرين وخمس مائة، وسمع من قاضي المارستان، وإسماعيل ابن السمرقندي، وأبي القاسم الحريري وجماعة. ولم يزل مشتغلًا بالسماع وإفادة الطلبة، وبذل أصوله إلى أن توفي في صفر سنة ثمانين وخمس مائة، ودفن بباب الصغير، انظر: ابن الدبيثي، أبو عبد الله محمد بن سعيد: (ت ٦٣٧ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، ط ١ (الناشر: دار الغرب الإسلامي، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٩ م)، ج ١، ص ٣٠٩، ترجمة رقم: ١٥٥.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في ترجمته للإمام مالك: (من السابعة، مات سنة تسع وسبعين. وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي بلغ تسعين سنة) ابن حجر، تقريب التهذيب، ص ٤٤٩، رقم الترجمة: ٦٤٢٥.
[ ٨٧ ]
ثانيًا: للعقيقي كتاب موسوم بـ ـ"الرد على الرافضة وأهل المكر في المنع من التكني بأبي بكر (^١) بما يعني أنه مباين للرافضة وغلاة التشيع.
ثالثا: لا يوجد دليل يثبت دعوي محمد كاظم بأنّ الترضي على معاوية في الكتاب من عمل ناسخ الكتاب، كما أثبت المحقق بنفسه أنه ليس في كتاب "المعقبين .. " هذا شيء يذكر عن تشيعه الإمامي أو الزيدي أو غيرهما (^٢). بل إن صيغ العقيقي في الترضي على أبي بكر وعمر كان إيمانًا منه بعظم فضلهم وليس تقية والدليل على ذلك قول الآجري أحد أئمة أهل السنة (^٣)، حيث ذكر مواقف يحيى العقيقي من الرافضة الذين لا يترضون على أبي بكر وعمر ثم قال: "والذي عندنا أنّ أهل البيت - ﵃ - - الذين غُنُوا بالعلم - يُنكرون على مَن يُنكِر دَفْنَ أبي بكر وعمر - ﵄ - مع النبي - ﷺ -، بل يقولون: إنّ أبا بكر وعمر مع النبي - ﷺ - دُفنَا في بيت عائشة رحمها الله، ويَرْوُون في ذلك الأخبارَ، ولا يَرْضَون بِما يُنكره مَن جهِل العلم، وجهِل فَضْل أبي بكر وعمر - ﵄ -.
فإن قال قائل: إيش الدليل على ما تقول؟
_________________
(١) سبق الإشارة إليه في مؤلفات يحيى العقيقي، والمجالات المعرفية التي برع فيها.
(٢) المعقبين من ولد الإمام أمير المؤمنين، المرجع السابق ص ١٤ - ١٥.
(٣) الآجري، كتاب الشريعة مصدر سابق. ص ٧٥٦.
[ ٨٨ ]
قلت: هذا طاهر بن يحيى يَرْوي عن أبيه يحيى بنِ حُسين بن جعفر ابن عبيد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، يروي عنه كتابًا ألَّفه في فضل المدينة وشرَفِها، ذكَر في كتابه: باب دَفن أبي بكر وعمر - ﵄ - مع النبي ﷺ ووصَف في الكتاب كيف دفنهما معه، وصوَّرَه في الكتاب صُوَر البيتِ والأقبرِ الثلاثة.
ورواه عن عائشة - ﵂ - فقال: قبر النبي - ﷺ - المقدم وقبر أبي بكر عند رجل النبي - ﷺ -، وقبر عمر عند رجل أبي بك - ﵃ -، فصوَّره يحيى بن حسين، وسَمعه منه الناس بمكة والمدينة، وقرأه طاهرُ (^١) بنُ يحيى كما سمعه مِن أبيه، وقد نقل السمهودي ذلك من كتاب يحيى في أخبار المدينة: (باب صفة دفن رسول الله - ﷺ - وصفة قبر أبي بكر وعمر - ﵄) (^٢) -
_________________
(١) وكذا كان طاهر على نهج أبيه يحيى: ومما يثبت أنه على منهج السلف الصالح ما نقله الدار قطني عن ابنه طاهر وهو يطوف بالمدينة مع أحد أحفاده حيث قال الدارقطني: "قال لي أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن … وما رأيت شريفًا أحفظ لأيام الناس منه - سمعته يقول: أخذ بيدي جدي طاهر يطوف بي في المدينة فيريني آثار منازل أصحاب النبي - ﷺ - فيقول: هذا المنزل كان لفلان إلى أن جاء إلى منازل خربة، فقال هذه المنازل تراها خرابًا، إنما خربها سب أصحاب رسول الله - ﷺ - " (السلمي، أبي عبد الرحمن محمد حسين، سؤالات السلمي للدارقطني، تحقيق: فريق من الباحثين ط ١ (بإشراف وعناية د. سعد بن عبد الله الحميد ود. خالد بن عبد الرحمن الجريسي، ١٤٢٧ هـ) ص ٣٥٨، سؤال ٤٩٨).
(٢) الآجري، محمد بن الحسين، كتاب الشريعة مصدر سابق، ص ٧٥٦ وانظر: ما قبل هذه الصحيفة وما بعدها.
[ ٨٩ ]
قال الآجري فهذا طاهر بن يحيى - ﵁ - وعن سلَفِه وعن ذريته: يَرْوُون مثل هذا ويرسُمونه في كُتُبهم، ولا ينكرون شرَف أبي بكر وعمر - ﵂ - وهل يَروِي أكثرَ فضائل أبي بكر وعمر - ﵄ - إلا علي بن أبي طالب - ﵁ - وولده من بعده؟! يأخذه الأبناءُ عن الآباء إلى وقتنا هذا، .. " (^١).
رابعًا: أضف إلى ما تقدم أن شيوخ يحيى العقيقي كثيرون قد ذكرهم المزي وكذا تلامذته لم يشر منهم أحد إلى تشيعه بل تقدم أنه على مذهب الإمام مالك ومن أصحاب أصحابه (^٢)، ومعلوم أن مذهب الإمام مالك من أشد المذاهب على الرافضة.
وعلى هذا يتضح جليًا من الشواهد السابقة والردود أن يحيى العقيقي أبعد ما يكون عن مذهب الرفض والتشيع، وثبت عكس ما ذهب إليه هؤلاء وإنْ ادعى فيه مدّعون (^٣) بل أنه على مذهب الإمام مالك بن أنس، وهو من أهل السنة والجماعة، بل من أئمتهم، كما أثْنى عليه الْجَمّ الغفيرُ مِن المؤرخين والنسابين (^٤) وغيرِهم من أهل السنة.
_________________
(١) الآجري، المصدر نفسه، ص: ٧٥٥ - ٧٦٤. وذكر المؤلف الآجري الأدلة على ما تقدم فيما بعد ذلك من الصفحات.
(٢) انظر إلى مبحث شيوخ يحيى حول هذا الموضوع.
(٣) قف على دعوى الرافضة في يحيى، قسم الدراسة لتحقيق محمد كاظم، كتاب: المعقبين من ولد الإمام أمير المؤمنين، المرجع السابق ص ٥ - ١١.
(٤) انظر ترجمة يحيى العقيقي، كما أنه عظيم الشأن في الإصلاح "قال فيه المقريزي: كان فقيها=
[ ٩٠ ]