قال الحربي: أخبرني يحيى بن حسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين ابن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد (^١) عن حميد (^٢) عن أنس (^٣)، قال: بني رسول الله - ﷺ - مسجده أول ما بناه بالجريد، قال: وإنما بناه باللبن بعد أربع سنين (^٤).
_________________
(١) عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني مولاهم المدني، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ. قال النَّسَائِيّ: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين (تقريب التهذيب، ص ٢٩٩، رقم الترجمة: ٤١١٩).
(٢) حميد بن أبي حميد الطويل أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، من الخامسة، مات سنة اثنتين ويقال: ثلاث وأربعين، وهو قائم يصلي، وله خمس وسبعون (تقريب التهذيب، ص ١٢٠، رقم الترجمة: ١٥٤٤).
(٣) أنس بن مالك بن النضر، الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله - ﷺ -؛ خدَمَه عشر سنين، مشهور، لقبه ذو الأذنين، مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة (التقريب، ص ٥٤، رقم الترجمة: ٥٦٥).
(٤) الحربي، المناسك، بتحقيق: حمد الجاسر، ص ٤٠٣.
[ ١٥٣ ]
وأسند يحيى عن الحسن (^١)، قال: لمَا قدِم النبي - ﷺ - المدينة، قال: "ابنوا لي مسجدًا؛ عريشًا كعريش موسى، ابنوه لنا مِن لبِنٍ" (^٢).
وفي الباب الرابع من وفاء الوفاء: أنه لمّا أورَد السمهودي عن طريق ابن زبالة أثرًا عن شهر بن حوشب (^٣): (عريش كعريش موسى)، قال عقِبَه: وأسنَدَه يحيى من غير طريقه عن شهر أيضا، بلفظ: لمّا أراد رسول الله - ﷺ - أن يبني المسجد (^٤).
واللفظ عند الصالحي هكذا: وروى محمد بن الحسن المخزومي،
_________________
(١) المتعارف عند المحدثين أنّه إذا أُطلق: (الحسن) دون أنْ يُنسَب فهو الحسن البصري، في التقريب لابن حجر: (الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار - بالتحتانية والمهملة - الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرا ويدلس. قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول: حدثنا وخطبنا يعني: قومه الذين حُدِّثوا وخُطبوا بالبصرة، هو رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومائة، وقد قارب التسعين) - رقم ترجمته: ١٢٢٧، ص ٩٩ - . فالأمر في السند معنا إما أن يكون العقيقي هو الذي قال: عن الحسن - (المتوفى ١١٠ هـ) - فيكون قد أرسله. وإما أن يكون ذكر سَندَه إليه، إلا أنّ السمهودي عند ذكره للأثر حذفه، فهو محتمل للاثنين. والله تعالى أعلم.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، (ج ٢، ص ١٦).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في ترجمة شهر: (شهر بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة) يعني بعد المائة. (تقريب التهذيب، رقم الترجمة: ٢٨٣٠، ص ٢١٠).
(٤) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ١٦.
[ ١٥٤ ]
ويحيى بن الحسن عن شهر بن حوشب قال: "لما أراد رسول الله - ﷺ - أن يبني المسجد قال: ابنوا لي عريشًا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك" قيل: وما ظله موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السقف (^١).
وفي كتاب يحيى من طريق ابن زبالة عن الزهري: كان رجلٌ من أهل اليمامة يقال له: طلق؛ من بني حنيفة، يقول: قدِمتُ على النبي - ﷺ - وهو يبني مسجده، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذتُ المسحاة أخلط الطين، والنبي - ﷺ - ينظر إليّ ويقول: "إنّ هذا الحنفيّ لَصاحب طين" (^٢).
ومثله عند الصالحي، لكن بزيادة هذه اللفظة في آخرها: وكان يقول: "قربوا اليمامي من الطين فإنه أحسنكم له مسكا وأشدكم منكبا" (^٣).
وأسند ابن زبالة، ويحيى من طريقه، في أثناء كلام عن ابن شهاب في قصة أخذ المربد، قال: فبناه مسجدًا، وضرَب لبنه من بقيع الخبجبة ناحية
_________________
(١) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ج ٣، ص ٣٣٥، و: ج ١٢، ص ٤٩.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا ج ٢، ص ٢٦.
(٣) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ج ٣، ص ٣٣٧.
[ ١٥٥ ]
بئر أبي أيوب بالمناصع (^١) والخبجبة: شجرةٌ كانت تنبتُ هناك (^٢).
ولهذا لمّا ذكر السمهودي كلامًا لجعفر بن محمد مخلوطا بكلام غيره، قال بعده:
وقد ذكر ابن زبالة ويحيى - من غير طريقه - كلامَ جعفر (^٣) متمحضًّا، فأسندَا عنه: أنّ النبي - ﷺ - كان بني مسجده بالسميط لبنة لبنة، ثم إنّ المسلمين كثُرُوا فبناه بالسعيدة، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرتَ مَن يزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه، وبني جداره بالأنثى والذكر، ثم اشتد عليهم الحرّ، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرتَ بالمسجد فظُلل، قال: نعم، فأمر به فأُقيمت فيه سوارٍ من جذوع النخل، ثم طُرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، فعاشوا فيه، وأصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يَكِف عليهم، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرت بالمسجد فطُيّن، فقال: لا، عريش
_________________
(١) المناصع: متبرز النساء بالمدينة ليلا قبل اتخاذ الكنف بالبيوت على مذاهب العرب، وهو ناحية بئر أبي أيوب، شرقي سور المدينة، شامي بقيع الغرقد. السمهودي، المصدر السابق، ج ٤، ص ٣٨٥. وقد وصف موقع المناصع الشنقيطي غالي محمد الأمين، الدّر الثمين في معالم دار الرسول الأمين - ﷺ -، تحقيق: محمد أحمد الشنقيطي، (المدينة المنورة: دار القبلة للنشر والتوزيع، ١٤٢٤ هـ) ص ١٨١.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٧.
(٣) ورواية جعفر كاملة في المغانم المطابة، ج ١، ص ٤١٠.
[ ١٥٦ ]
كعريش موسى، فلم يزل كذلك حتى قُبض رسول الله - ﷺ -، وكان جداره قبل أنْ يُظَلل قامة، فكان إذا فاء الفيء ذراعًا - وهو قدمان - يُصلّي الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر. ثم نقلا عنه تفسير السميط والسعيدة والأنثى والذكر بما تقدم، ولم يذكر ذَرْعًا (^١).
ولفظ الصالحي للأثر هكذا: وروى يحيى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان بناء مسجد رسول الله - ﷺ - بالسميط لبنة على لبنة، ثم بالسعيد لبنة ونصف أخرى، ثم كثر الناس فقالوا: "يا رسول الله لو زيد فيه" ففعل، فبنى بالذكر والأنثى وهي لبنتان مختلفتان، وكانوا رفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، وكذا في العرض، وكان مربعا … ولم يسطح فشكوا الحر، فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوه بالجريد ثم بالخصف، فلما وكف عليهم طينوه بالطين، وجعلوا وسطه رحبة، وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئا (^٢).
ولما تكلم المراغي عن زيادة مسجد الرسول بعد الهجرة بأربع سنين، وأنّه جُعِل وسط المسجد رحبة، وكان جداره قبل أن يظلل قامة،
_________________
(١) السمهودي، المصدر نفسه، ج ٢، ص ٢٩ - ٣٠.
(٢) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ج ٣، ص ٣٣٨.
[ ١٥٧ ]
وأنَّه قيل: يزيد شبرًا، فكان إذا فاء الفيء ذراعًا وهو يُصلّي الظهر، فإذا كان ضِعف ذلك صلى العصر، قال:
حكاه ابن زبالة ويحيى، والله أعلم (^١).