ولبيان أنّ الرسول - ﷺ - بنفسه عمل في بناء المسجد، ونقل مع الصحابة اللبن، وتمثل ببعض الأرجاز.
أسند يحيى عن الزهري في معنى قوله: "هذا الجمال لا حمال خيبر"
قال: كانت يهود إذا صرمت نخلها جاءتهم الأعراب بركائبهم فيحملون لهم عروة بعروة إلى القرى، فيبيعون، يكون لِهذا نصف الثمن، ولهؤلاء نصفه، فقال النبي - ﷺ - ذلك (^٢).
وأسند يحيى عن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: خرج رسول الله - ﷺ - ومعه حجر، فلقيه أُسيد بن حُضير (^٣)، فقال: يا رسول الله! أعطنيه، فقال: "اذهب فاحتمل غيره فلستَ بأفقر إليه منّي" (^٤).
_________________
(١) المراغي، تحقيق النصرة، ص ١٩٦.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، (ج ٢، ص ١٨).
(٣) تمت ترجمة هذا الصحابي في موضع من البحث.
(٤) المراغي، تحقيق النصرة، ص ١٩٠ - ١٩١، السمهودي، وفاء الوفا، (ج ٢، ص ٢٥)، والصلابي، د. علي محمد، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، ط ١ (القاهرة: المكتبة =
[ ١٥٨ ]
قال المراغي في رواية: نقل يحيى عن زيد: خرج رسول الله - ﷺ - ومعه حجر، فلقيه أُسيد بن حُضير (^١)، فقال: يا رسول الله! أعطنيه، فقال: "اذهب فاحتمل غيره فلستَ بأفقر إلى الله منّي"، والله أعلم (^٢).
ومثله عند الصالحي (^٣).
وذكره السمهودي بلفظ مختلف فقال: وأسند يحيى عن أسامة بن زيد عن أبيه، قال: خرج رسول الله - ﷺ - ومعه حجر، فلقيه أُسيد بن حُضير، وذكر ما قدمناه، ثم قال: قال يعني زيدًا - ورفعوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، وكان في جوف الأرض قبور جاهلية، فأمَر بِالقُبُورِ فَنُبِشَتْ فرمي بعظامها، وأمر بها فغيّبت، وكان في المربد ماء مستنجل فسرّبَه حتى ذهَب، وكان الذين أسسوا المسجد جعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره: مائة ذراع، وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: إنّه كان أقل من مائة ذراع، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له
_________________
(١) = الإسلامية للتوزيع والنشر، ١٤٣٠ = ٢٠٠٩)، ج ١، ٣٤١.
(٢) ابن حجر: تقريب التهذيب (أُسيد بن حُضير - بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة، ابن سماك بن عَتيك، الأنصاري الأشهلي، أبو يحيى، صحابي جليل، مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين) (التقريب، ص ٥١، رقم الترجمة: ٥١٧).
(٣) المراغي، تحقيق النصرة، ص ١٩٠ - ١٩١.
(٤) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ج ٣، ص ٣٣٧.
[ ١٥٩ ]
ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، أي وهو في جهة القبلة اليوم، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة، ويقال باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه رسول الله - ﷺ -، وهو باب آل عثمان اليوم وهذان البابان لم يُغيّرا بعد أنْ صُرفت القبلة، ولمّا صرفت القبلة سَدّ النبي - ﷺ - الباب الذي كان خلفه وفتح هذا الباب، وحذاءه هذا الباب، أي ومحاذيه هذا الباب الذي سُدّ (^١).
وجاء الأثر مختصرًا عند الصالحي (^٢).
وبعدما ذكر السمهودي ما أسندَه ابن زبالة مما ذُكِرَ أنّ عليًّا - ﵁ - كان يرتجز به في ذلك اليوم، وهو:
لا يَستوي مَن يعمُر المساجدا … بدأبُ فيها قائمًا وقاعدا
ومَن يُرى عن الغُبار حائدا
_________________
(١) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٠ - ٣١.
(٢) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ج ٣، ص ٣٣٨) ولفظه عنده: وروى يحيى عن (أسامة بن) زيد بن حارثة عن أبيه - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - جعل قبلته إلى بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب في مؤخره: باب أبي بكر وهو في جهة القبلة اليوم، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه رسول الله - ﷺ -، وهو باب آل عثمان اليوم، وهذان البابان لم يغيرا بعد أن صرفت القبلة، ولما صرفت القبلة سد النبي - ﷺ - الباب الذي كان خلفه، وفتح هذا الباب، وحذاه هذا الباب أي ومحاذيه هذا الباب الذي سد.
[ ١٦٠ ]
- قال السمهودي عقِبه:
وأسند هو - يعني: ابن زبالة -، ويحيى - من طريقه (^١)، والمجد - ولَم يُخرّجه - عن أمّ سلَمةَ - ﵂ -، قالت: بنَى رسول الله - ﷺ - مسجدَه، فقرّب اللبن وما يحتاجون إليه، فقام رسول الله - ﷺ - فوضع رداءَه، فلَمّا رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم، وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون:
لئنْ قعدنا والنبِيُّ يعملُ البيت (^٢)
وكان عثمان بن عفان - ﵁ - (^٣) رجلًا نظيفًا متنظّفًا، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضَعَها نفَضَ كُمّه، ونظَر إلى ثوبه، فإنْ أصابَه شيءٌ من التراب نفضَه، فنظَر إليه علي بن أبي طالب فأنشأ يقول:
_________________
(١) تساهلُ يحيى وروايته الكثيرة عن ابن زبالة الضعيف (الذي قال ابن حجر في تقريب التهذيب كما تقدم: كذبوه) دون أنْ يُعقّبه جعله يَروي أشياء عن طريقه تزعُم بأنّ عليًّا - ﵁ - يطعَنُ في ذي النورَين عثمان - ﵁ - ويُعرِّضُ به، وهم يحمِلون التراب لبناء مسجد رسول الله - ﷺ -، وقد تقدمت الرواية بذلك، وأنها من طريق ابن زبالة الضعيف.
(٢) انظر: رواية أمّ سلَمةَ - ﵂ - في المغانم المطابة ج ١، ص ٤١٢.
(٣) في طائفة من الرواة أنّ الذي كان متنظفا هو عثمان بن مظعون وليس ابن عفان - ﵄ -، وفي بعض المراجع أن الذي عرّض به غير مذكور، لا ابن عفان ولا ابن مظعون (انظر: الروايات وتفاصيلها: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، للصالحي، محمد يوسف الصالحي الشامي، ج ٣، ٤٨٧ وما بعده). والقصة فيها العلامات الكثيرة الدالة على عدم صحتها. والله أعلم.
[ ١٦١ ]
لا يَستوي مَن يعمُر المساجدا .. الأبيات المتقدمة.
فسمعها عمّار بن ياسر - ﵁ -، فجعل يرتجز بِها وهو لا يَدري مَن يعنِي بِها، فمَرّ بعثمان فقال: يا ابن سُميّة! ما أعرفنِي بِمَن تُعَرِّضُ، ومعه جريدة فقال: لتَكُفَنَّ أو لأعتَرِضَنّ بها وجهك، فسمعه النبِيّ - ﷺ - وهو جالسٌ في ظلّ بيته (^١)، يعنِي: أم سلمة، فغضب رسولُ الله - ﷺ - ثم قال: "إنّ عمّار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلَغَ ذلك من المرء فقد بَلَغَ"، ووضع يدَه بين عينيه، فكفّ الناس عن ذلك، ثم قالوا لعمّار: إنّ النبِيّ - ﷺ - قد غضب فيك، ونخاف أنْ ينزل فينا القرآن، فقال: أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله ما لي ولأصحابك؟ قال: ما لك وما لهم؟ قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة، ويُحمّلون عليّ اللبنتين والثلاث، فأخذ بيده فطاف به في المسجد، وجعل يمسح وفرته بيده من التراب، ويقول: "يا ابن سُميّة لا يقتلك أصحابي، ولكن تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَة" (^٢).
_________________
(١) قد ذكر السمهودي في نص الرواية هكذا "في ظلّ بيتِي" ثم عقبه قال: وفي كتاب يحيى: "في ظل بيته فنسخت مكانها رواية السمهودي، وفاء الوفاء، ج ٢، ص ١٩ - ٢١.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ١٩ - ٢١. وهذه الرواية كاملة في المغانم المطابة مصدر سابق، ج ١، ص ٤١٢ - ٤١٣. والحديث جاء من طريق ابن زبالة الضعيف. ولآخره شاهدٌ من حديث ابن عباس - ﵄ - في صحيح البخاري، (كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد، رقم: ٤٤٧).
[ ١٦٢ ]
وأسند ابن زبالة ويحيى عن مجاهد (^١)، قال: رآهم رسول الله - ﷺ - وهم يُحمّلون الحجارة على عمّار، وهو يبنِي المسجد، فقال: "ما لهم ولعمّار؟ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّار، وذلك فعل الأشقياء الأشرار" (^٢).
وأسنَد يحيى أيضًا: عن أمّ سلمة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - وأصحابه يبنون المسجد، فجعل أصحاب النبي - ﷺ - يحملُ كلّ رجل منهم لبِنَة لبِنَةً، وعمّار بن ياسر لبِنَتَين؛ لبِنَة عنه، ولبنة عن رسول الله - ﷺ -، فقام إليه رسول الله - ﷺ - فمسح ظهره وقال: "يا ابن سمية لك أجران، وللناس أجر [واحد]، وآخرُ زادِك من الدنيا شُربةٌ من لَبَنٍ، وتَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَة" (^٣).
_________________
(١) مجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون (التقريب، ص ٤٥٣، رقم الترجمة: ٦٤٨١).
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٢. المغانم المطابة المصدر نفسه ج ١، ص ٤١٥. الحديث جاء من طريق ابن زبالة كما ترى، لكنّ لأوله شاهدًا من حديث ابن عباس - ﵄ - في صحيح البخاري، (كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد، رقم: ٤٤٧). وانظر، شرحه: فتح الباري، ج ١، ٥٤٢).
(٣) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٢. المغانم المطابة، مصدر سابق، ج ١، ص ٤١٤. وقد أخرجه البيهقي في دلائله عن طريق عبد الرزاق عن معمر، بالسند إلى أم سلمة، وفيه مجهولٌ، في باب ما أخبر عنه المصطفى - ﷺ - عند بناء مسجده، ثم ظهر صدقه بعد وفاته، وفيه وفي أمثاله دلالة ظاهرة على صحة نبوته، (دلائل النبوة للبيهقي، ج ٢،٥٥٠). =
[ ١٦٣ ]