وأسند يحيى عن ابن عباس، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا وقف يصلّي انتظر أمر الله في القبلة، وكان يفعل أشياء مما لم يؤمر بها ولم يُنْهَ عنها من فعل أهل الكتاب، قال: فبينما رسول الله - ﷺ - يُصلّي، فأشار جبريل: يا محمد صلّ إلى البيت، وصلّى جبريل ﵇ إلى البيت، قال: فدار النبي - ﷺ - إلى البيت، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إلى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (^١).
قال: فقال المنافقون: حَنّ محمد إلى أرضه وقومه، وقال المشركون: أراد محمد أنْ يجعلنا له قبلة، وأن يجعلنا له وسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه. وقالت اليهود للمؤمنين: ما صرفكم إلى مكة وتركتم قبلة موسى ويعقوب والأنبياء؟ والله ما أنتم إلا تعبثون، وقال المؤمنون: لقد ذهب منا
_________________
(١) = ولآخر الحديث شواهد كما تقدمت الإشارة إليه، قال الحافظ ابن حجر في شرحه لفضيلة عمّار ابن ياسر - ﵁ -: (فَائِدَةٌ: رَوَى حَدِيث "تقتل عمارا الفئة الباغية" جماعة من الصحابة: منهم قتادة ابن النعمان كما تقدم، وأم سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النَّسَائِيّ، وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمّار نفسه، وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدهم. (فتح الباري، له، ج ١، ص ٥٤٢).
(٢) سورة البقرة، آية: ١٤٤
[ ١٦٤ ]
قوم ماتوا ما ندري أكنا نحن وهم على قبلة أم لا؟ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^١) (^٢).
وأسند يحيى عن رافع بن خديج (^٣)، قال: صلى رسول الله - ﷺ - ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، وأُمِرَ أنْ يُوجّه إلى المسجد الحرام، فاستدار، قال رافع: فأتانا آتٍ ونحن نصلّي في بنِي عبد الأشهل، فقال: إنّ رسول الله - ﷺ - قد أُمر أنْ يوجّه إلى الكعبة، قال: فأدارنا إمامُنا إلى الكعبة ودُرنا معه (^٤).
وقريبا منه ما جاء عند الصالحي في موضعين، ولفظ أولهما: روى … ويحيى بن الحسن العلوي في أخبار المدينة عن رافع بن خديج - ﵁ -، والإمام مالك، وعبد بن حميد والشيخان، وأبو داود في ناسخه، والنسائي، ويحيى بن الحسن، عن عثمان بن محمد بن الأخنس، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة، والزبير بن بكار عن عثمان بن عبد الرحمن، وابن سعد عن
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٤٣.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ٦٦.
(٣) رافع بن خديج بن رافع بن عدي، الحارثي الأوسي الأنصاري، أبو عبد الله، ويقال: أبو رافع المدني، صحابي جليل، أول مشاهده أُحُد ثم الخندق، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقيل قبل ذلك. (التقريب، ص ١٤٤، رقم الترجمة: ١٨٦١).
(٤) السمهودي، وفاء الوفا، ج ٢، ص ٦٧، الصالحي، ج ٣، ص ٥٣٧.
[ ١٦٥ ]
محمد بن عبد الله بن جحش، وابن جرير عن مجاهد، يزيد بعضهم على بعض: "أن أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه" (^١).
وفي الموضع الثاني ذكر الأثر إلى قوله: أول ما نسخ من القرآن القبلة، ثم عقب عليه بهذا:
وذلك أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، ولما هاجر إلى المدينة كان أكثر أهلها اليهود أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فكان رسول الله - ﷺ - يصلي نحو بيت المقدس، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنَّه صلى بالمدينة إلى بيت المقدس ستة عشر، وعند الزهري: تسعة عشر، وعند معاذ على رأس ثلاثة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا كذا بالشك في حديث البراء، وقال لجبريل: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك لك شيئا إلا ما أمرت به فادع ربك وسله، وكان رسول الله - ﷺ - يدعو الله ويكثر النظر إلى السماء فينظر أمر الله وخرج رسول الله - ﷺ - زائرا أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما،
_________________
(١) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، ج ٣، ص ٣٧٠، وج ١٢، ص ٥٦.
[ ١٦٦ ]
وحانت صلاة الظهر، فلما صلى ركعتين نزل جبريل، فأشار إليه أن صل إلى البيت، وصلى جبريل إلى البيت فاستدار رسول الله إلى الكعبة، واستقبل الميزاب فهي القبلة التي أنزل الله تعالى فيها ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^١). فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين (^٢)، وكان الظهر يومئذ أربعا فصلي منها ثنتان إلى بيت المقدس وثنتان إلى الكعبة (^٣).
وأسند يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن الخليل بن عبد الله الأزديّ (^٤) عن رجل من الأنصار أنّ رسول الله - ﷺ - أقام رهطًا على زوايا المسجد ليعدل القبلة، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده هكذا: فأماط كل جبل بينه وبين القبلة، فوضع تربيع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيءٌ، فلما
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ١٤٤.
(٢) سيأتي التعريف به فيما بعد، وهذا الأثر استشهد به الخياري، في تاريخ معالم المدينة، نقله عن يحيى العقيقي عن رافع بن خديج. الخياري، أحمد ياسين الخياري الحسيني (ت ١٣٨٠ هـ) تاريخ معالم المدينة المنورة قديما وحديثا، (الرياض: طبعة احتفال بمرور مائة عام للمملكة، دارة الملك عبد العزيز، ١٤١٩ هـ = ١٩٩٩ م) ص ١٩٥.
(٣) الصالحي سبل الهدى والرشاد، (ج ١٢، ص ٥٦).
(٤) الخليل بن عبد الله الأزدي، قال عنه المنذري: لا أعرفه بعدالة أو جرح، وقال عنه الدارقطني: مجهول. (تهذيب التهذيب ج ٣، ص ١١٥، ميزان الاعتدال ج ١، ص ٦٦٧).
[ ١٦٧ ]
فرغ قال جبريل بيده فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب (^١).
وأوردها الصالحي عن طريق يحيى باللفظ نفسه، إلا أنه زاد في آخرها ما نصه: فقال رسول الله ﷺ: "ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت لي الكعبة فوضعتها أمامها" (^٢).