وروى يحيى أنه - ﷺ - لمّا شَخَص أي مِن قباء - اجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله! أخرجتَ مَلالا لنا أم تريد دارًا خيرًا من دارنا؟ قال: إنَي أُمتُر بقرية تأكُل القرى، فخلّوها - أي: ناقته - فإنّها مأمورة، فخرج - ﷺ - من قباء، فعرض له قبائل الأنصار كلهم يدعوه ويعِدُه النصرة والمْنَعَة، فيقول: "خلّوها فإنها مأمورة"، حتى أدركته الجمعة في بنِي
_________________
(١) السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ﷺ -، (ج ١، ص ٥٦٠ - ٥٦١).
[ ١٤٠ ]
سالِم، فصلّى في بطن الوادي الجمعة، وادي ذي (^١) صُلب (^٢).
ووردت هذه الرواية عند الصالحي، لكن بزيادة في آخرها (^٣).
وروَى أيضًا عن عمارة بن خُزيمة (^٤)، قال: لمّا كان يوم الجمعة
_________________
(١) السيل القادم من وادي الرانوناء يصب في وادي ذي صلب عند مسجد الجمعة ثم يتجه إلى الشمال فيلتقي مع بطحان.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفي - ﷺ -، ج ١، ص ٥٧١).
(٣) الصالحي، سبل الهدى والرشاد، مصدر سابق، ج ٣، ص ٢٧١. ولفظ رواية الصالحي هكذا: روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بكر، وسعيد بن منصور عن عبد الله بن الزبير - ﵃ - والبيهقي عن موسى بن عقبة، وابن إسحاق عن عويم بن ساعدة، ويحيى بن الحسن عن عمارة بن خزيمة أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يدخل المدينة أرسل إلى بني النجار، وكانوا أخواله - فجاؤوا متقلدين السيوف، فقالوا لرسول الله - ﷺ - ولأصحابه: (اركبوا آمنين مطاعين). وكان اليوم يوم الجمعة فلما ارتفع النهار دعا رسول الله - ﷺ - براحلته وحشد المسلمون ولبسوا السلاح، وركب رسول الله - ﷺ - ناقته القصواء والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه، منهم الماشي والراكب، فاجتمعت بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله أخرجت ملالا لنا أم تريد دارا خيرا من دارنا؟ قال: (إني أمرت بقرية تأكل القرى فخلوها - أي ناقته - فإنها مأمورة)، فخرج رسول الله - ﷺ - من قباء يريد المدينة، فتلقاه الناس فخرجوا في الطرق وعلى الأباعر، وصار الخدم والصبيان يقولون: (الله أكبر، جاءنا رسول الله جاء محمد)
(٤) عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي، أبو عبد الله، أو أبو محمد المدني، ثقة من الثالثة، مات سنة خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين. ابن حجر: تقريب التهذيب، ص ٣٤٧، رقم الترجمة: ٤٨٤٤).
[ ١٤١ ]
وارتفع النهار دعا رسولُ الله - ﷺ - براحلته، وحشَد المسلمون ولبسوا السلاح، وركب رسول الله ﷺ ناقته القصواء، والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه: منهم الماشي والراكب، فاعترضنا الأنصار، فما يَمُرّ بدار من دورهم إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العزّ والمْنعة والثروة، فيقول لهم: خيرًا، ويدعو، ويقول: "إنها مأمورة"؛ فخلّوا سبيلها.
فمَرّ ببني سالم، فقام إليه عتبان بن مالك، ونوفل بن عبد الله بن مالك بن العجلان، وهو آخذٌ بزمام راحلته يقول: يا رسول الله! انزل فينا؛ فإنّ فينا العدَدَ والعُدّة والحلقة (^١)، ونحن أصحاب القضا والحدائق والدرك (^٢) يا رسول الله، قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البَحرة خائفًا، فيلجأ إلينا فنقول له: قوقل حيث شئت، فجعل رسول الله - ﷺ - يبتسم ويقول: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة"، فقام إليه عبادة بن الصامت، وعباس بن الصامت بن نضلة بن العجلان، فجعلا يقولان: يا رسول الله انزل فينا، فيقول النبي - ﷺ -: "بارك الله عليكم، إنها مأمورة"، فلما أتي مسجد بني سالم - وهو المسجد الذي في الوادي - فجمع بهم وخطبهم.
ثم أخذ رسول الله - ﷺ - عن يمين الطريق حتى جاء بني الْحُبلى، فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبيّ، فلما رآه ابن أبيّ وهو عند مزاحم - أي الأطم
_________________
(١) الحلقة: السلاح عاما.
(٢) الدرك: اللحاق والوصول إلى الشيء. ـ
[ ١٤٢ ]
محتبيًا، قال: اذهب إلى الذين دعوك فأنزل عليهم، قال سعد بن عبادة:
لا تجد يا رسول الله في نفسك من قوله، فقد قدمْتَ علينا، والخزرج تريد أنْ
تُملّكه عليها، ولكن هذه داري.
فمَرّ ببنِي ساعدة فقال له سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة: هلم يا رسول الله إلى العزّ والثروة والقوة والجلَد، وسعد يقول: يا رسول الله ليس من قومي أكثر عذْقًا، ولا فم بئر مني، مع الثروة والعدد والجَلَد والحلقة، فيقول رسول الله: "بارك الله عليكم"، وجعل رسول الله - ﷺ - يقول: "يا أبا ثابت خَلِّ سبيلها فإنها مأمورة". فمضى، واعترضه سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وبشير بن سعد فقالوا: يا رسول الله! لا تجاوزنا فإنا أهل عدد وثروة وحلقة، قال: "بارك الله فيكم، خلّوا سبيلها فإنها مأمورة".
واعترضه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو - أي من بني بيَاضة - يقولان: يا رسول الله هلم إلى المواساة والعز والثروة والعدد والقوة، نحن أهل الدَّرَك يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "خلّوا سبيلها فإنها مأمورة". ثم مَرّ ببَنِي عديّ بن النجار - وهم أخواله - فقام أبو سليط وصرمة بن أبي أنيس في قومهما، فقالا: يا رسول الله نحن أخوالك، هلم إلى العدد والْمَنعة والقوة مع القرابة، لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله، ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا بك، فقال رسول الله - ﷺ -: "خلّوا سبيلها فإنها مأمورة".
[ ١٤٣ ]
ويقال: إنّ أول الأنصار اعترضه بنو بيَاضة، ثم بنو سالم، ثم مال إلى ابن أبي، ثم مرّ على بني عديّ بن النجار، حتى انتهى إلى بنِي مالك بن النجار (^١).
وذكَر يحيى في رواية أخرى أنه - ﷺ - بعد أنْ سار مِن بنِي سالم تيامن، فأتى منزل ابن أُبَيّ، ثم مضى في الطريق والطريق يومئذ فضاء - حتى انتهى إلى سعد بن عبادة، ثم اعترضت له بنو بيَاضة عن يساره، ثم مضى حتى أتي بنِي عديّ ابن النجار، ثم أتي إلى بنِي مازن بن النجار، فقامت إليه وجوههم، ثم مضى حتى انتهى إلى باب المسجد، وقد حشَدَت بنو مالك بن النجار، فهم قيامٌ ينتظرونه إلى أن طلع، فهشّ إليه أسعد بن زرارة، وأبو أيوب، وعمارة بن حزم، وحارثة بن النعمان يقول: يا رسول الله قد علِمَت الخزرجُ أنه ليس رَبْع أوسَع من رَبعي، قال: فبركَت بين أظهرهم، فاستبشروا، ثم نهضَت كأنها مذعورة ترجّع الحنين فساءهم ذلك فجعلوا يعدون بجنبها حتى أتت إلى زقاق الحبشي ببئر جمل فبركت، والنبي - ﷺ -
_________________
(١) السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفي - ﷺ -، (ج ١، ص ٥٧٢ - ٥٧٤)، وهذا الأثر أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، ط ١ (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٥ هـ)، (ج ٢، ص ٥٠٤)، وذكره ابن النجار، محمد بن محمود بن الحسن: (١٤٣ هـ) في الدرة الثمينة في أخبار المدينة، دراسة وتحقيق: د. صلاح الدين عباس ط ١، (المدينة المنورة: مركز بحوث ودراسات المدينة، ١٤٢٦ هـ): باب ذكر مسجد رسول الله ﷺ وفضله، ص ٢٣١.
[ ١٤٤ ]
عليها مُرخٍ لَها زمامها، ثم قامَت عَوْدَها على بدئِها، تزيد في المْشْي حتى برَكَت على باب المسجد، وضرَبَت بجرانها، وعدلت ثفناتها (^١)، وجاء أبو أيّوب والقوم يُكلّمونه في النزول عليهم، فأخذ رحله فأدخله، فنظر رسول الله إلى رحله وقد حُطّ، فقال: "المرء مع رَحله" (^٢).
وروى يحيى عن عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله - ﷺ -، فجئت أنظر؛ فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم قال: "أيّها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة (^٣) بِسَلامٍ" (^٤).
وعند الصالحي جاءت الرواية بزيادة (^٥).
_________________
(١) الثفنة: ما ولي الأرض من كل ذات أربع إذا بركَت، كالركبتين. انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، بتحقيق: الزاوي والطناحي، ط ١، (بيروت: المكتبة العلمية، ١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م) ج ١، ص ٢١٥.
(٢) السمهودي، وفاء الوفا، (ج ١، ص ٥٧٨ - ٥٧٩).
(٣) الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم: ٢٤٨٥، وقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل، رقم: ١٣٣٤.
(٤) السمهودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ﷺ -، (ج ١، ص ٥٨٥ - ٥٨٦).
(٥) ولفظها عند الصالحي: وروى الترمذي وصححه، ويحيي بن الحسن العلوي عن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: (لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة انجفل الناس إليه فجئت لأنظر إليه، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: "أيها الناس=
[ ١٤٥ ]