مِن المعلوم أنّ عددًا من المؤرخين وغيرهم مِن المؤلفين الأقدمين - منهم يحيى العقيقي - قلَّما يُصرِّحون بمواردهم التي يستقون منها مادتهم، ولو أنهم صرّحوا بأسماء المصنفات التي أخذوا عنها لسهُل علينا - كباحثين - الرجوع إليها، فكان كل ما في ثنايا النصوص الموجودة المنقولة عن يحيى مرويًّا بالأسانيد الكاملة أو الناقصة، المتصلة أو المنقطعة عمن حدثه أو روى عن طريقه، لا غير (^١). إلا أنّه ﵀ - على الرغم مِن ذلك قد ذَكَر أسماء كثيرة من العلماء والرواة الذين أخذ عنهم، بل قد ذكر السمهودي منهم - كما تقدم - أكثر من ثمانين شيخًا له (^٢)، ويبدو أنه أخذ من مؤلفات بعضهم. وأنّ الواقف على نقولات العلماء عنه ﵏ في كتُبهم التي نقلوها منه، كالمناسك للحربي، وكتاب الشريعة للآجري، وإتحاف الزائر لابن عساكر، وشفاء السقام في زيارة خير الأنام للسبكي، والصارم المنكي في الرد على السبكي لابن عبد الهادي، وتحقيق النصرة للمراغي، ووفاء الوفاء للسمهودي، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير
_________________
(١) د. سامي مكي العاني، مقدمة تحقيقه لكتاب الأخبار الموفقيات، ص ٢١، ط: ١٩٧٢ هـ، إحياء التراث الإسلامي بالجمهورية العراقية ود. صلاح سلامة، أخبار المدينة لابن زبالة، ص ٢٦١.
(٢) العلي، د. صالح أحمد، المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز، ص: ١٣٠، وحمد الجاسر، تحقيقه لكتاب المناسك للحربي، ص ١٦٣ (من قسم الدراسة).
[ ١١٠ ]
العباد للصاحي، وغيرها، أو على هذا المجموع (هذه الرسالة) يَعرف يقينًا أنّ موارده التي استقى منها مادتَه التاريخية منها ما هو مكتوب (مؤلفات) وفي فَنّي الحديث والتاريخ، كالموطأ في الحديث للإمام مالك عن طريق أبي مصعب. وعبد العزيز بن عمران (١٩٧ هـ) في أخبار المدينة ومعالمها؛ حيث نقل عن طريقه العقيقي عدة روايات (^١). وأخبار المدينة في التاريخ لمحمد بن الحسن ابن زبالة (^٢)، وأخبار المدينة للزبير بن بكار أيضًا. حتَّى إن السمهودي قال في موضع: ونقل يحيى عبارة ابن زبالة من غير زيادة ولا مخالفة (^٣).
ومنها ما هو شفهيٌّ مسموعٌ، أو مَرْئيٌّ مشاهَد كالأشياء التي رآها المؤلّف (العقيقي) على جدران مسجد رسول الله - ﷺ - الداخلية والخارجية وعلى الأبواب من الكتابات والرسومات الكثيرة فأثبتها في مؤلفه (^٤) …
_________________
(١) يحسب للعقيقي أنه نقل إلينا شيئًا من الروايات في أخبار المدينة عن طريق عبد العزيز بن عمران، مع فقد أصولها (السمهودي، مصدر سابق (ج ٢، ص ٢٨٢ - ٢٨٣)، (ج ٢، ص ٣٣٧ - ٣٣٨).
(٢) انظر لروايات العقيقي عن طريق ابن زبالة، السمهودي، وفاء الوفاء، (ج ١، ص ٤٧٦، وج ٢، ص ٨، ص ١٥، ص ١٩، ص ٢٦، ص ٣٨، ص ٤٢، ص ٧٧، ص ١٠٢، ص ٢٥٥، ص ٢٥٨، ص ٢٥٩، ص ٢٧٠، ص ٢٨٣، ص ٣١٠، ص ٣٢٩، ص ٣٣١، ص ٣٤٩، ص ٣٦٣، ص ٣٦٤، ص ٣٧٨، ص ٣٨٥، ص ٥٨٤، ص ٥٩٩، وج ٣، ص ٨٠، ص ١٥١، ص ١٧٦).
(٣) السمهودي، وفاء الوفاء، (ج ٢، ٥٠).
(٤) السمهودي، وفاء الوفاء، (ج ٢، ص ٣٢٥).
[ ١١١ ]
وقد تقدم أن العقيقي ﵀ كان يعتبر الأشياء ويذرعها بذراع نفسه، ومن أمثلة ذلك ما قاله إثر رواية أوردها المراغي، فقال: ونقل يحيى: أنّ ذرع ما بين المصلي الشريف إلى جدار القبلة الذي فيه المحراب اليوم، وهو حذو المصلى الشريف - كما قاله مالك - عشرون ذراعًا ورُبع. قال يحيى: وهي جميع الزيادة من القبلة. وقد اعتبرتُه من سترة مصلى النَّبِيّ ﷺ إلى جدار القبلة، فكان كذلك، ومن صدر المحراب يزيد على ذلك نحو ذراع ورُبع ذراع (^١).
وقد تَمّ أنْ اختَرتُ من بين مشايخه: الطائفة التي استخدم - للدلالة على تحمُّله عنهم - صيغة: حَدَّثَنَا، حدثني، أو أخبرنا، أخبرَني) ولو مرّة، مما يُشعِرُ بتحمُّله عنهم حقيقةً ومباشَرةً، وهم على النحو التالي: