وَلما انْفَصل الْأَمر بَينه وَبَين قلج أرسلان توجه إِلَى بلد الأرمن لاستئصاله وَذَلِكَ أَن متملك الأرمن ابْن لاون استمال قوما من التركمان ليكونوا فِي مرَاعِي بَلَده وأمنهم على ذَلِك فَلَمَّا استقروا لم يشعروا بِهِ إِلَّا وَقد صبحهمْ بغدره فأسرهم واستحوذ على أَمْوَالهم وَكَانَت شكاية الْمُسلمين قد كثرت عَلَيْهِ من سوء أَفعاله بهم فَرَأى السُّلْطَان الأولى دُخُول ولَايَته فَسَار إِلَيْهِ بعساكره المنصورة وخيم على النَّهر الْأسود وأباحهم بِلَاد الأرمن وَكَانَ بِقُرْبِهِ حصن القابوس وعَلى ذَلِك الْجَبَل قلعة شامخة وَهِي من الْحُصُون الحصينة والمعاقل المنيعة وَكَانَ الأرمني قد أَمر أَهلهَا بالنزوح عَنْهَا وأضرمها نَارا فبادر النَّاس إِلَى إِخْرَاج غلاتها وإبراز مودعاتها فَانْتَفع الْعَسْكَر بالزاد والعلف وَأمرهمْ السُّلْطَان بهدم الْحصن وتخريبه فخربوه فَمَا برح حَتَّى صَار عاليه سافله وَعفى آثاره وَأقَام على عزم الدُّخُول إِلَى بِلَادهمْ وأذعن ابْن لاون
[ ٤٢ ]
بِالطَّاعَةِ وَأرْسل بِإِطْلَاق الْأُسَارَى الْمُسلمين من التركمان فَلم يقنع مِنْهُ بعد ذَلِك إِلَّا بِخَمْسِمِائَة أَسِير فَأطلق الْحَاضِرين عِنْده وَنفذ الرهائن على خلاص البَاقِينَ وَاسْتقر الْأَمر على ذَلِك وَكتب لَهُ الْأمان وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ هَذَا من لطف الله تَعَالَى لِأَن الْوَقْت متعسر والقوت مُتَعَذر والعلف مَعْدُوم
ذكر وَفَاة سيف الدّين غَازِي بن مودود بن زنكي
ووصلنا رَسُول مُجَاهِد الدّين قيماز وَنحن مخيمون على كوك سو من حُدُود الرّوم فخبر السُّلْطَان بِمَوْت سيف الدّين غَازِي صَاحب الْموصل وجلوس أَخِيه عز الدّين مَسْعُود مَكَانَهُ وَكَانَ الرَّسُول فَخر الدّين أَبُو شُجَاع بن الدهان الْبَغْدَادِيّ وَمَعَهُ نُسْخَة الْيَمين الَّتِي حلف السُّلْطَان لَهُ بهَا فَقَالَ
نَسْأَلك إبْقَاء أَخِيه على ولَايَته وَلَا تغير عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ
يميننا منوطة بأيام الْحَيَاة وَولَايَة أَخِيه عز الدّين بِغَيْر عهد مِنْهُ وَلَا عقد
[ ٤٣ ]
وَنحن نرى رَأينَا فِيمَا نعتمده بعد مطالعة الدِّيوَان فِي ذَلِك وَأعَاد الرَّسُول بالإكرام وَشرع فِي الْعود إِلَى الشَّام
ثمَّ رَحل السُّلْطَان بالنصر وَالظفر وَسَار على أَعمال حلب وَكَانَ وُصُوله إِلَى أَعمال حماة فِي النّصْف الأول من جمادي الْآخِرَة من السّنة ثمَّ رَحل من أَرض حماة مُتَوَجها إِلَى حمص فَضرب مخيمه على عاصيها بِالْقربِ مِنْهَا وجاءته رسل الْأَطْرَاف والجوانب بالتهنئة لَهُ بِمَا رزقه الله تَعَالَى من النَّصْر وجاءه الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَالشعرَاء يهنئونه ويمتدحونه فَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ الْفَقِيه الْمُهَذّب ابْن أسعد الْموصِلِي وَكَانَ غزير الْفضل وافر الْعلم وَكَانَ السُّلْطَان كلما عبر حمص أَمر لَهُ بِمِائَة دِينَار مصرية وخلعة وعمامة فمما مدح السُّلْطَان بِهِ قصيدة مستحسنة مطْلعهَا
(أما وجفونك المرضى الصِّحَاح وسكرة مقلتيك وَأَنت صاحي)
(وَمَا فِي فِيك من برد وَشهد وَفِي خديك من ورد وَرَاح)
(لقد أَصبَحت فِي العشاق فَردا كَمَا أَصبَحت فَردا فِي الملاح)
(فَمَا أسلو هَوَاك بنهي ناه وَلَا أَهْوى سواك للحي لاحي)
(وَلَا فل الملام غرار غيي وَلَا ثلم العتاب شبا جماحي)
(أما للائمين عَلَيْك عقل فيشتغلوا بعشاق القباح)
[ ٤٤ ]
(أَطَعْت هوى الملاح طوال دهري وَمن يطع الْهوى يعْص الملاحي)
(فيا سقمي بِذِي طرف سقيم وَيَا قلقي من القلق الوشاح)
(يهز الْغُصْن فَوق نقا ويرنو بِحَدّ ظبا ويبسم عَن أقاحي)
(مليح الْوَجْه معشوق المراح وحلو اللَّفْظ معسول المزاح)
(يحب الراح رَائِحَة بكأس ويهوى الكأس كاسية براح)
(وَقد غرس الْقَضِيب على كثيب فأثمر بالظلام وبالصباح)
(وَمَال مَعَ الوشاة وَلَا عَجِيب لغصن أَن يمِيل مَعَ الرِّيَاح)
(ألام على افتضاحي فِيهِ لَكِن يُقيم عذاره عذر افتضاحي)
(أَلَيْسَ لحاظه جرحت فُؤَادِي فَلَا بَرِئت وَلَا اندملت جراحي)
(إِذا مَا زَاد تعذيبي وهجري يزِيد إِلَيْهِ شوقي وارتياحي)
(وَكم يهواه من عان معنى ييت يخَاف إِطْلَاق السراح)
(وَلَيْلَة زارني بعد إزورار على حكمي عَلَيْهِ واقتراحي)
[ ٤٥ ]
(فبتنا لَا الدنو من الدنايا نرَاهُ وَلَا الجنوح من الْجنَاح)
(يُدِير كؤوس فِيهِ ومقلتيه فيسكرني عَن السكر الْمُبَاح)
(وَكَانَت لَيْلَة لَا حسوب فِيهَا عَليّ وَلَا اجتراء على الجتراح)
(وَمَا من شيمتي خلعي عِذَارَيْ وَلَا لبس الخلاعة من مراحى)
(قَطعنَا اللَّيْل فِي عتب وشكوى إِلَى أَن قيل
حَيّ على الْفَلاح)
(ولاح الصُّبْح يَحْكِي فِي سناه صَلَاح الدّين يُوسُف ذَا الصّلاح)
(هُوَ الْملك الَّذِي أورى زنادى وفازت عِنْد رُؤْيَته قداحي)
(يقرب جوده أقْصَى الْأَمَانِي وَيضمن بشره أَسْنَى النجاح)
(ومبسوط بنائله يَدَاهُ إِذا انقبضت بِهِ أَيدي الشحاح)
(وَلما ضَاقَ حد عَن مداه لقيناه بآمال فساح)
(فَمن هرم وَكَعب وَابْن سعد رُعَاة الشَّاة وَالنعَم المراح)
(جواد بالبلاد وَمَا حوته إِذا جادوا بألبان اللقَاح)
[ ٤٦ ]
(وأبلج يستهين الْمَوْت يلقى بصفحة وَجهه بيض الصفاح)
(ويخشى من دنو الْعَار فِيهِ وَلَا يخْشَى من الْأَجَل المتاح)
(وقوال إِذا الْأَبْطَال فرت مَكَانك ثبتة مَا من براح)
(ببأس مذهل الْأسد الضواري وسيب مخجل سيل البطاح)
(فللاحين والراجين مِنْهُ أعز حمى وَأكْرم مسماح)
(من النَّفر الَّذين إِذا تجلوا أعادو اللَّيْل أحلى من صباح)
(أَضَاء الدَّهْر بعد دجاه نور يلوح على وجوههمو الصَّباح)
(تفيض بطُون راحتهم نوالا ويستلم الْمُلُوك ظُهُور رَاح)
(إِذا مَا لاقوا الْأَعْدَاء عَادوا بآي النَّصْر وَالظفر الصراح)
(بأرماح محطمة وبيض مثلمة وأعراض صِحَاح)
(ليفد حَيَاء وَجهك كل وَجه إِذا سُئِلَ الندى جهم وقاح)
(مُلُوك جلهم مغرى بظُلْم ومشغول بلهو أَو مزاح)
[ ٤٧ ]
(إِذا مَا جالت الْأَبْطَال ولي وَيقدم نَحْو جائلة الوشاح)
(يرى الْإِنْفَاق فِي الْخيرَات خسرا وَأَنت ترَاهُ من خير الرباح)
(همو جمعُوا وَقد فرقت لَكِن جمعت بِهِ الرِّجَال مَعَ السِّلَاح)
(وبون بَين مَالك بَيت مَال وَمَالك رق أَمْلَاك النواحي)
(وباغ أَن ينَال بِلَا رجال كباغ أَن يطير بِلَا جنَاح)
(قرنت شجاعة وتقى وعلما إِلَى كرم الْخَلَائق والسماح)
(وَقد أثنت عَلَيْك ظى المواضي كَمَا تثنى بألسنة فصاح)
(وَكم ذللت من ملك عَزِيز وَكم دوخت من حَيّ لقاح)
(وَكم لظباك من يَوْم اغتباق من الْأَعْدَاء أَو يَوْم اصطباح)
(تبيح حمى الْمُلُوك وتستبيه وَمَا تحميه لَيْسَ بمستباح)
(وَمَا خضع الفرنج لديك حَتَّى رَأَوْا مَالا يُطَاق من الكفاح)
[ ٤٨ ]
(وَمَا سألوك عقد الصُّلْح ودا وَلَكِن خوف معلمة رداح)
(مَلَأت بِلَادهمْ سهلا وحزنا أسودا تَحت غابات الرماح)
(على مُعْتَادَة جوب الموامي دواح بالملا بيض الأداحي)
(الا يَا سيل مخجل كل سيل تظل المحجرات لَهُ صواحي)
(وَيَا غيث الْبِلَاد إِذا اقشعرت وضن الْغَيْث فِي شَهْري قماح)
(تركت بني الزَّمَان وَلم أسلهم وَلم أر أَهله أهل امتداحي)
(وَقلت للإغبات الْعَيْش روحي إِلَى بَاب ابْن أَيُّوب تراحى)
(وَلم أنكح لئيما بنت فكر وإنكاح اللئام من السفاح)
(وَقد جاءتك يَا كفوا كفيا تزف إِلَيْك طالبة امتياح)
(وَقد صادفت بَحر ندى فراتا فَمَا طلبي لأوشال ملاح)
(سَأَلتك أَن تجود جديب حَالي فأمرع مرتعي واخضر ساحي)
(وَلَوْلَا جود كفك كل حِين يروي غلتي وجوي التياحي)
[ ٤٩ ]
(بقيت مدى الزَّمَان حَلِيف فقر خميصا عَارِيا ظمآن ضاحي)
(وَمَا اشكو الزَّمَان وَأَنت فِيهِ وَإِن أَصبَحت مقصوص الْجنَاح)
(فقد ضَاعَت عُلُوم طَال فِيهَا غدوي وَاسْتمرّ لَهَا رواحي)
(أرى الْمُتَقَدِّمين الْيَوْم دوني فيؤلمني خمولي وأطراحي)
(وأشجي من ضيَاع الْعُمر حَتَّى أغص ببارد المَاء القراح)
(وأعجب من صروف الدَّهْر حَتَّى أكاد أَقُول
مازمني بصاحي)
(أيظهر فِي السَّمَاء ضحى سهاها ويخفي وَهِي طالعة براح)
(عَسى نعماك تسكنني دمشقا وَذَاكَ لكل مَا لقِيت ماحي)
(أعيش معاشر الْعلمَاء عمري وأرباب المحابر والسماح)
(بقيت منعما أبدا وأضحى عداك بِكُل ضاحية أضاحي)
ثمَّ إِن السُّلْطَان أَقَامَ بحمص إِلَى آخر جمادي الْآخِرَة وَتوجه إِلَى دمشق فَكَانَ دُخُوله فِي أول رَجَب.
[ ٥٠ ]