مَا تجدّد للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين بِمصْر وَالشَّام وَغَيرهمَا من الْبِلَاد من الفتوحات والغزوات فِي هَذِه السّنة
وَدخلت هَذِه السّنة وَالسُّلْطَان نَازل على آمد محاصر لَهَا مضايق على أَهلهَا وَكَانَ قد نصب عَلَيْهَا مجانيق عدَّة وستائر وَمنع النَّاس من أَن يبدءوا بقتل رجل من الْمُسلمين وَكَانَ غَرَضه أَن يستأمنوا فداخلهم الطمع حَتَّى أحرقوا بعض الستائر فنازلهم السُّلْطَان ذَات يَوْم بِنَفسِهِ وَكَانَ وَالِدي فِي ذَلِك الْيَوْم قد هجم على كل من كَانَ قد طلع مِنْهُم فردهم على أَعْقَابهم وهجم النَّاس فِي إثره بالسلاليم فَصَعدَ فِيهَا الرِّجَال وملكوا بَين السورين وشرعوا فِي النقب ومسعود بن أبي عَليّ بن نيسان يحرض أَصْحَابه على الْقِتَال وَرمى النَّاس بِالْقَوَارِيرِ فَلَمَّا رأى السُّلْطَان ذَلِك أَمر النَّاس بالمنازلة وحرضهم على الْقِتَال وَأمر بعض أَصْحَابه أَن يكْتب فصولا على عيدَان النشاب بالإرهاب لمن بآمد من الْعَوام يتوعدهم فِيهَا تَارَة ويعدهم أُخْرَى ففترت عَنهُ مساعدة أهل الْمَدِينَة وخافوا على أنفسهم وَكَانَ مَسْعُود بن نيسان فِيمَا بَينهم مَذْمُوم السِّيرَة فتقاصروا عَن الاستطالة
[ ١٣٦ ]
واشتط أَصْحَابه عَلَيْهِ وتقبضوا عَنهُ فَبَدَا لَهُ وَجه الخذلان وَخَافَ على نَفسه فراسل السُّلْطَان فِي السّلم والاستعطاف لَهُ قبل الْأمان فَأصْبح السُّلْطَان ذَات يَوْم وَالنَّاس على مَا هم عَلَيْهِ من المنازلة فِي الْحصار إِذْ خرج من الْمَدِينَة جمَاعَة من النِّسَاء فقصدن سرادقه مستجيرات بكرمه يسألن الصفح وَكن نسْوَة أَمِير الْمَدِينَة ورئيسها وطلعن سحرة ذَلِك الْيَوْم وقصدن خيمة الْأَجَل القَاضِي الْفَاضِل وَزِير صَلَاح الدّين فآواهن إِلَى فنَاء خيمته وسعى فِي الشَّفَاعَة لَهُنَّ إِلَى السُّلْطَان فِي طلب الْأمان فنشفعن فِيمَا طلبته وأعطين الْأمان على أَنهم إِن أَقَامُوا توفرت عَلَيْهِم الْأَمْوَال والأملاك وَإِن تحولوا سهل عَلَيْهِم الِانْتِقَال وَلم يسألن فِي الْبَلَد لعلمهن أَنه لَا يخلى على من بِهِ وَإِنَّمَا سألن إِذا تسلم الْمَدِينَة أَن يخرجُوا نفائس أَمْوَالهم فأعطين الْأمان أَن يخرجُوا بِكُل مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من نفائس أَمْوَالهم مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام
وَتقدم السُّلْطَان برد النِّسَاء بالإكرام والاحترام وَنفذ ابْن نيسان يذكر أَن غلمانه وَأَصْحَابه خَرجُوا عَن طَاعَته وَأَنه لَا يقدر على نقل أَمْوَاله فندب السُّلْطَان لَهُ من خواصه من يُعينهُ ويراعي أَمْوَاله وَأخرج لَهُ دَوَاب كَثِيرَة من اصطبلاته لإعانته فَخرج ابْن نيسان من آمد وَضرب خيمته فِي ظَاهرهَا وَجعل ينْقل مَا يقدر عَلَيْهِ من درهمه وديناره ونفائس جواهره وأمواله وَنقل أَيْضا مَا قدر عَلَيْهِ من أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلم يقدر فِي تِلْكَ الثَّلَاثَة أَيَّام إِلَّا على تَحْويل الْأَمْتِعَة الْكَرِيمَة الثمينة وفاز جمَاعَة من أَصْحَابه بِمَا أَصَابُوهُ من أَمْوَاله وَكَانَ يخرج من دَاره عشرَة أحمال من المَال فَيذْهب فِي الطَّرِيق بَعْضهَا فَلَمَّا انْقَضى الْأَجَل الْمَضْرُوب وَقد عجز ابْن نيسان عَن نقل سَائِر ذخائره ترك أخاير الذَّخَائِر وَكَانَت أبراج الْمَدِينَة ودورها ومساكنها قد ملئت من أَجنَاس الغلات وأجناس
[ ١٣٧ ]
آلَات الحروب وَغير ذَلِك من الْأَمْوَال فَترك ذَلِك جَمِيعه وَمضى لسبيله وَلَو رشد لَكَانَ آوى إِلَى ظلّ السُّلْطَان وَلم يبعد عَن جنابه