وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الآخر من السّنة
وَلما أحكم الفرنج خذلهم الله بِنَاء بَيت الأحزان فكر السُّلْطَان فِي نَفسه وَنَدم على مَا فرط فِي تَركهم فِي مبدأ الْأَمر فراسل الفرنج على أَن يهدموا الْحصن فَإِن ضَرَره يكون على الْإِسْلَام فَقَالُوا لَا سَبِيل إِلَى هَدمه فراجعهم على أَن يشرعوا فِي هَدمه
وَإِلَّا سرت إِلَيْكُم بعساكر الْإِسْلَام فَلَمَّا تحققوا عزمه وَعَلمُوا أَن لَا بُد لَهُ من ذَلِك قَالُوا
إِن كَانَ لَا بُد من ذَلِك فَأَعْطِنَا مَا غرمنا عَلَيْهِ من الْأَمْوَال فَإنَّا قد غرمنا عَلَيْهِ مَالا كَبِيرا فبذل لَهُم أَولا سِتِّينَ ألف فَلم يقبلُوا فَبلغ مَعَهم إِلَى أَن بذل لَهُم
[ ٢٤ ]
مائَة ألف دِينَار فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك داخلهم الطمع
وَكَانَ سَبَب ذَلِك الداوية فَإِنَّهُم كَانُوا يمدون من بالحصن بالأموال والنفقات وَجَمِيع مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى السُّلْطَان ذَلِك جمع الْأُمَرَاء من أَصْحَابه وأولي الرَّأْي والمشورة وعرفهم مَا ذكره الفرنج من امتناعهم وطمعهم وَهل يزيدهم مَالا فَقَالُوا الصَّوَاب أَن تعطيهم رضاهم من المَال ويهدم الْحصن فَقَالَ لَهُم مَا أفعل شَيْئا وَلَا أبرم أمرا إِلَّا بمشاورة ابْن أخي الْملك المظفر عمر وَكَانَ المظفر فِي حماة قد شرع فِي إصْلَاح قلعتها وتحصينها فَأرْسل السُّلْطَان إِلَيْهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء إِلَى حماة ليحضروا عِنْده ويستنيروا بِهِ ويأخذوا رَأْيه ويعرفوه مَا يكون عَلَيْهِ الْعَمَل فَلَمَّا وصل المنفذون إِلَى حماة حَضَرُوا بَين يَدَيْهِ وسلموا غليه كتاب السُّلْطَان وشاوروه فِيمَا أرْسلُوا بِهِ فَقَالَ
مَا آرى هَذَا رَأيا صَالحا ثمَّ كتب إِلَى السُّلْطَان كتابا يذكر فِيهِ إِن هَذَا الرَّأْي الَّذِي قد أزمعت عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْء وَإِن الله تَعَالَى يَسْأَلك عَن إعطائهم هَذَا المَال وَأَنه قَادر على الْمسير إِلَيْهِم
والرأي أَن نصرف هَذَا المَال إِلَى الأجناد ونرغبهم فِي الْجِهَاد وتسير بعساكرك وتنزل عَلَيْهِ وَالله تَعَالَى فِي معونتك ونصرتك ثمَّ خلع على الْجَمَاعَة الَّذين جَاءُوا إِلَيْهِ وَأمرهمْ بالسير إِلَى السُّلْطَان فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ سلمُوا إِلَيْهِ الْكتاب وعرفوه مَا قَالَ لَهُم شفاها فَقَالَ
هَذَا هُوَ الرَّأْي السديد ثمَّ أحضر الْأَمْوَال وأرسلها إِلَى سَائِر التركمان والأجناد فِي الْبِلَاد
[ ٢٥ ]
وأنفذ التخوت وَالْخلْع والتشريفات وَالْخَيْل إِلَيْهِم حَتَّى جَاءُوا إِلَى سَائِر التركمان الَّذين هم غربي الْفُرَات وشرقيها وسلموا الْأَمْوَال إِلَيْهِم وَالْخلْع وَمَا عدا ذَلِك ورغبوهم فِي الْجِهَاد فسارعوا إِلَى أَمر السُّلْطَان وَجَاء مِنْهُم خلق كثير وَكتب إِلَى سَائِر الْأَطْرَاف والأمكنة فَاجْتمع عِنْده من الْأُمَرَاء والأجناد والتركمان أُلُوف كَثِيرَة وَسَار وَالِدي الْملك المظفر من حماة بجماعته مُتَوَجها إِلَى دمشق فَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا فِي أول يَوْم من شهر ربيع الآخر فسر السُّلْطَان بقدومه وَخرج لتلقيه وَأعد التركمان مَا احتاجوا إِلَيْهِ من الدَّقِيق وَغَيره وَجَمِيع مَا احتاجوا إِلَيْهِ ثمَّ أَمر النَّاس بالرحيل فَخرج فِي جَيش كالبحر الزاخر وَكَانَ خُرُوجه من دمشق يَوْم الْخَمِيس خَامِس شهر ربيع الآخر ونزوله على الْحصن يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشرَة قَرِيبا مِنْهُ وَكَانَ جَمِيع من حوله قد احتمى فِيهِ وغلقوا بَابه
ثمَّ إِن السُّلْطَان ركب بكرَة إِلَى ضيَاع صفد وَكَانَت قلعة صفد يَوْمئِذٍ للداوية فَأمر بِقطع كرومها وَحمل مَا هُنَاكَ من الأخشاب لعمل المنجنيقات وَعَاد إِلَى المخيم بعد الظّهْر وَخرج بعد الْعَصْر وَجمع الْأُمَرَاء وعارض برأيهم رَأْيه فَقَالَ لَهُ عز الدّين جاولي الْأَسدي
تَأذن لنا فِي الزَّحْف قبل الِاشْتِغَال بِنصب المجانيق حَتَّى نذوق قِتَالهمْ ونستعرض أَحْوَالهم فَرُبمَا تلوح لنا مِنْهُم فرْصَة فَقَالَ السُّلْطَان استخيروا الله ﷿ وافعلوا مَا بدا لكم فَمشى النَّاس إِلَى الزَّحْف ودنوا من الباسورة
[ ٢٦ ]
فتخاذل من كَانَ بهَا من الفرنج وانهزموا ودخلوا الْحصن وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب وأحاط النَّاس بِالْحَائِطِ وَملك وَالِدي الْملك المظفر الباسورة بِرِجَالِهِ وَبَاتُوا طوال اللَّيْل يَحْرُسُونَ والفرنج على شرافات الْحصن يرْمونَ بسهامهم ويتبعونها بشهب النيرَان وأصحابنا على الْحفاظ فَخرج جمَاعَة وَالسُّلْطَان يمدهُمْ وينجدهم وَكَانَ بعض المماليك قد سمع من وَرَاء الْبَاب صَوت الْحِجَارَة فَعلم أَن الفرنج يبيتُونَ خلف الْبَاب وَأَنَّهُمْ قد أوقدوا خلف كل بَاب نَارا ليحموا بهَا أنفسهم فَعلم حِينَئِذٍ ضعفهم فجَاء الْمَمْلُوك وَأعلم وَالِدي فتيقن وَالِدي أَخذ الْموضع وَأعلم السُّلْطَان بذلك فَبَاتَ النَّاس تِلْكَ اللَّيْلَة فِي أَشد جِهَاد
ثمَّ إِن السُّلْطَان فرق الْبناء على الْأُمَرَاء فَأخذ عمى عز الدّين فرخشاه الْجَانِب القبلي وَجمع عَلَيْهِ النقابين والحجارين وَجَاء الجاندارية وَرَاء
[ ٢٧ ]
الجفاتي وَأخذ السُّلْطَان النقب فِي الْجَانِب الشمالي وأنهض إِلَيْهِ الحجارين
وَأخذ نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه بِقُرْبِهِ نقبا ورتب السُّلْطَان الرُّمَاة على الخَنْدَق يمْنَعُونَ الفرنج من إِخْرَاج رُءُوسهم من وَرَاء ستائر السُّور فكم من جريح وطريح حَتَّى اسْتَقر النقابون فِي مواضعهم فَمَا زَالَت المعاول تعْمل والصخور تتخلخل حَتَّى استقامت النقوب فَمَا انْقَضى يَوْم الْأَحَد حَتَّى تمّ النقب السلطاني وعلق وحشى الْحَطب لَيْلَة الِاثْنَيْنِ وأحرق فَظن أَنه يتضعضع وَكَانَ النقب فِي طول ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَفِي عرض ثَلَاثَة أَذْرع وَكَانَ عرض السُّور تِسْعَة أَذْرع فَأصْبح النَّاس يَوْم الِاثْنَيْنِ والسور على حَاله لم يتضعضع فأشفقوا لذَلِك وَضعف يقينهم إِذْ لَا سَبِيل لَهُم إِلَّا تعميق النقب وتوسيعه للنيران الملتهبة فِيهِ فَأخْرج السُّلْطَان صرة فِيهَا ثَلَاثمِائَة دِينَار مصرية وَتركهَا على يَد عز الدّين جاولي وَقَالَ
من أَتَانَا بقربة من المَاء أعْطى دِينَارا وَكَانَ المَاء بِقُرْبِهِ فَرَأَيْت النَّاس يتسابقون بِالْقربِ والأوعية حَتَّى أطفؤوها وَبرد مَا كَانَ فِي النقب مِنْهَا فَعَاد النقابون وعمقوه وعلقوه وحشوه واستظهروا فِيهِ يومي الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء ثمَّ أحرقوه
وَوصل فِي ذَلِك الْيَوْم أَن الفرنج قد اجْتَمعُوا بطبرية بِجمع كثيف
[ ٢٨ ]
وعالم كثير فماج النَّاس وأسرعوا من الضّيَاع فَلَمَّا أَصْبَحْنَا يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور وَقد تَعَالَى النَّهَار وَإِذا بالجدار قد انقض فتباشر النَّاس وضجوا بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وتسابق النَّاس إِلَى الثلمة يركب بَعضهم بَعْضًا وَكَانَ الفرنج قد جمعُوا من وَرَاء ذَلِك الْجِدَار الْوَاقِع حطبا فَلَمَّا سقط رموا بِهِ نَارا ليحموا بهَا أنفسهم فَلَمَّا أَن سقط الْجِدَار دخلت الرّيح من تِلْكَ الثلمة عَادَتْ النَّار عَلَيْهِم وأحرقت الْبيُوت الدانية مِنْهَا فَاجْتمعُوا إِلَى الْجَانِب الْبعيد مِنْهَا وصاحوا
الْأمان وتسلق النَّاس الْجِدَار وأطلقوا أَيْديهم بِمن فِي الْحصن فَقتلُوا وأسروا وقيدوا وَجلسَ السُّلْطَان وأحضر عِنْده الأساري فَمن كَانَ مِنْهُم مُرْتَدا أَو راميا أَمر بِضَرْب عُنُقه وَكَانَ فِي الْحصن من الْمُسلمين فِي الْأسر نَحْو من مائَة أَسِير قد جمعوهم للعمارة وَقطع الْحِجَارَة واستبشر السُّلْطَان بِمَا من الله تَعَالَى عَلَيْهِ من النَّصْر وَفَرح النَّاس
وَاتفقَ لسعادته أَن رَسُول القومص كَانَ عِنْده فِي تِلْكَ السَّاعَة وَهُوَ يعاين مَا يجْرِي على أهل مِلَّته من الْبلَاء والهلاك وَكَانَ الْحر شَدِيدا فأنتنت أشلاء الْقَتْلَى فَأمر السُّلْطَان بتسيير البَاقِينَ من الأسرى إِلَى دمشق وَمُبشرا للنَّاس بِمَا أتاح الله تَعَالَى للْمُسلمين من الْفَتْح وَالظفر وَأقَام فِي مخيمه والأموات قد جافت وَقَالَ
لَا أَبْرَح من مَكَاني حَتَّى أهدم الْموضع فَقَسمهُ أذرعا على الْأُمَرَاء وَلم يزل مَكَانَهُ حَتَّى كمل خرابه وَكَانَ قد حفر الفرنج فِي أَعلَى التل جبا وَاسِعًا وَبَنوهُ بِالْحِجَارَةِ وأحكموه حَتَّى نبع معينه فَأمر السُّلْطَان بهدمه وطمه وَرجع إِلَى دمشق مؤيدا منصورا
[ ٢٩ ]
وَكَانَ الْمقَام على الْحصن فِي أَيَّام فَتحه وَبعدهَا أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَحين دخل النَّاس إِلَى دمشق مرض أَكثر النَّاس مِمَّا أَصَابَهُم من نَتن ذَلِك الْموضع وَمَات جمَاعَة من الْأُمَرَاء
وَلما اسْتَقر السُّلْطَان بِدِمَشْق أَتَتْهُ التهنئة من النَّاس من كل مَكَان بِفَتْح الْحصن الْمَذْكُور وَمَا رزقه الله تَعَالَى من النَّصْر وَالظفر بالعدو وامتدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَكَانَ من جُمْلَتهمْ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الساعاتي الْخُرَاسَانِي من أهل دمشق امتدحه بِهَذِهِ القصيدة
(بحدك أعطاف القنا تتعطف وطرف الأعادي دون مجدك يطرف)
(شهَاب هدى فِي ظلمَة الشَّك ثاقب وَسيف إِذا مَا هزك الله مرهف)
(وقفت على حصن الْمَخَاض وَإنَّهُ لموقف حق لَا يوازيه موقف)
(فَلم يبد وَجه الأَرْض بل حَال دونه رجال كآساد الشرى وَهِي تزحف)
[ ٣٠ ]
(وجرداء سلهوب وردع مضاعف وأبيض هندي ولدن مثقف)
(وَمَا رجعت أعلامك الصفر سَاعَة إِلَى أَن غَدَتْ أكبادها السود ترجف)
(كبا من أعاليه صَلِيب وبيعة وشاد بِهِ دين حنيف ومصحف)
وَمِنْهَا
(أيسكن أوطان النَّبِيين عصبَة تمين لَدَى أيمانها وَهِي تحلف)
(نصحتكموا والنصح فِي الدّين وَاجِب ذَروا بَيت يَعْقُوب فقد جَاءَ يُوسُف